موقع الضياء للدراسات المعاصرة

 

العلويون بين الاسطورة والحقيقة

 

هاشم عثمان

 


 الصفحة 5

بسم الله الرحمن الرحيم

بين يدي هذه الطبعة الجديدة

هذه الطبعة جديدة بكلّ معنى الكلمة ، وهي تختلف عن الطبعة السابقة كثيراً ؛ ذلك أنّا أعَدْنا النظر في مجمل فصول الكتاب ، فأضفنا فقرات وحذفنا فقرات ، وتناولتْ يد التعديل ـ بصورة خاصّة ـ القسم الثاني من الكتاب الذي يبحث عن عقائد النصيرية .

فأعَدنا صياغة هذا القسم من جديد ، وعَرَضنا كلّ ما قيل حول النصيرية في القديم والحديث ، وقارنّا بين هذه الأقوال وناقشناها مناقشةً هادئةً من واقع التاريخ ، وفي المقابل عَرَضنا عقائد العلويين من خلال آثارهم الشِعرية والنثرية ، وقدّمنا للقارئ نماذج من آثارِهم التي تُلقي الضوء على حقيقة معتقداتهم ، وقد أضفنا إلى هذه الطبعة فصلاً جديداً بعنوان ( النصيرية بين الغنوصية والعلي الَّهية والبكتاشية ) بيّنا فيه بالأدلّة أنّ النصيرية تبتعد عن الغنوصية والعلي الَّهية والبكتاشية كثيراً ، لكنّها تقترب بعض الشيء من البكتاشية .

وبشكل عام بقيَ جوهر الكتاب كما هو ، لم يطرأ عليه أيّ تغيير ، لكنّ التعديل طالَ بعض الفصول من حيث المَبنى لا المعنى ، بحيث يمكن القول : إنّ هذه الطبعة هي طبعة مَزيدة ومنقّحة .

ولَمّا كان مجال القول حول العلويين واسعاً ، لا تحيط به دراسة واحدة ، فقد تابَعنا الحديث في دراسةٍ ثانية بعنوان ( هل العلويون


الصفحة 6

 شيعة ؟ ) (1) ، حيث تعتبر جزءاً من هذه الدراسة لا ينفصل عنها ، وسنعقّبها بدراسةٍ ثالثة عن ( تاريخ الجبل العلوي ) ، عسانا بذلك أن نكون قد بيّنا حقيقة هذه الطائفة ، التي اختلفت فيها الأقوال ، وكثُر من حولها الهمس والغمز .

والله وليُ التوفيق .

المؤلّف

ــــــــــــــــــــ

(1) صدرَ الكتاب عن مؤسّسة الأعلمي للمطبوعات في بيروت .


الصفحة 7

المقدّمة

 

لا نَعدو الحقيقة إذا قلنا : قليلةٌ هي الطوائف الإسلامية التي اتُّهمت في عقيدتها ، مثل : الطائفة العلويّة أو النصيرية ، كما يحلو للبعض أن يسمّيها جهلاً وتعصّباً .

والعاقل الأريب ليحار في تعليل تلك الغايات ، التي يهدف إليها أُولئك المختلقون في القديم والحديث .

فهذه الطائفة ـ ككلّ الطوائف الشيعية التي تأخذ بمدرسة أهل البيت ـ واجهت حرباً شعواء من قِبَل الطواغيت ، وطلاّب المُلك العقيم على مرّ التاريخ ، حتى أضحى أتباع هذه المدرسة في فتراتٍ مُظلمةٍ من تاريخنا مجرمون ، تنزل بحقّهم أقسا العقوبات وأشدّ أنواع المظالم .

قتلٌ في النفوس ، وسلبٌ في الأموال ، وحرمان في الحقوق ، وتبرئةٌ في الدين ، وما لَهُم إلاّ موالاتهم لآل طه ذنبٌ ، وقولهم : إنّ علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) هو صاحب الحقّ الأوّل في زعامة المسلمين الدينية والزمنية بعد النبي ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) ، وهو الأحقّ بالخلافة مِن سواه ، وأنّه وصيّ النبي ووزيره .

ولإعطاء فكرة عن المظالم التي حاقت بأتباع أهل البيت ، أعرِضُ قصّة قنبر مولى الإمام علي ( عليه السلام ) مع الحجّاج بن يوسف الثفقي .

قال الحجّاج ذات يوم : أُحبّ أنْ أُصيب رجلاً من أصحاب أبي تراب ( علي بن أبي طالب ) ، فأتقرّب إلى الله ِبدَمه ! فقيل له : ما نعلم أحداً كان أطول صُحبة لأبي تراب من قنبر مولاه ، فبعثَ في طلبه ، فأُتي به .


الصفحة 8

فقال له : أنت قنبر... قال : نعم ، قال : أبو همدان... قال : نعم ، قال : مولى علي بن أبي طالب ، قال : الله مولاي ، وأمير المؤمنين علي وليّ نعمتي ، قال: اِبرَأ من دينه ، قال : فإذا برئتُ من دينه تدلّني على دينٍ غيره أفضل منه ،.. قال : إنّي قاتلكَ ، فاختَر أيّ قتلة أحبّ إليك ،.. قال : صيّرتُ ذلك إليك ،.. قال : ولِمَ ؟.. قال : لأنّك لا تقتلني قتلةً إلاّ قتلتكَ مثلها ، وقد أخبَرني أمير المؤمنين أنّ منيّتي تكون ذَبحاً ظلماً بغير حقّ ، فأُمرَ به ، فذُبح .

هكذا كان يعامَل أشياع أهل البيت .

وكما تفنّن الحُكّام والولاة ـ من أمويين وعباسيين ـ في قَتل الشيعة ، وغيرها من الفِرق الإسلامية ، التي لا تأخذ بمذهب أهل السنّة الذي يدين به الحُكام ، ويتعصّبون له ، تفنّن المؤرّخون ، وكتّاب الفِرق ، وأرباب الأقلام ، في تقسيم أُمّة الإسلام إلى فرقٍ كثيرة ، وقسّموا الشيعة إلى فرقٍ كثيرةٍ جداً ، زادَ عددها عند بعضهم على الثلاثمئة فرقة ، وتفنّنوا أيضاً في إلصاق شتّى التّهم بتلك الفِرق ، فنسبوا إليها جميعاً الزيغ والضلال ، والكفر والزندقة ، والمروق من الدين .

وفي الجهة المقابلة ، كان جمهورُ المسلمين يتعرّض لمحاولات تعتيم شديدة على كلّ ما يجري حولَه ، ويتعرّض لعمليات ( غَسل دماغ ) مستمرّة ، يشترك فيها الحُكام والولاة والموالون لهم من الكتّاب ،.. وقد نجحوا في ذلك نجاحاً باهراً ، ومن أبلغ الأدلّة على ذلك القصّتين التاليتين :

الأُولى :

إنّه لَمّا حُمل السجّاد مع سائر سبايا أهل البيت إلى الشام ، بعد مقتل سبط رسول الله الحسين ، وأُوقفوا على مدرج جامع دمشق في محل عَرض السبايا ، دَنا منه شيخ ، وقال له : الحمد لله الذي قَتلكم وأهلككم ، وأراحَ العباد من رجالكم ، وأمكَن أمير المؤمنين منكم .

فقال له علي بن الحسين : ( يا شيخ ، هل قرأتَ القرآن ؟ ) .


الصفحة 9

قال : نعم .

قال : أقرأتَ هذه الآية : ( قُل لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاّ الْمَوَدّةَ فِي الْقُرْبَى )‏ ؟

قال الشيخ : قرأتها .

قال : وقرأتَ قوله تعالى : ( وَآتِ ذَا الْقُرْبَى‏ حَقّهُ ) ، وقوله تعالى : ( وَاعْلَمُوا أَنّمَا غَنِمْتُم مِن شَيْ‏ فَأَنّ للّهِ‏ِ خُمُسَهُ وَلِلرّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى ) ؟

قال الشيخ : نعم .

فقال : نحنُ والله القربى في هذه الآيات ، وهل قرأت قوله تعالى : ( إِنّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرّجْسَ أَهْلَ البَيتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيراً ) ؟

قال : نعم .

قال : نحن أهل البيت الذي خصّنا بآية التطهير .

قال الشيخ : بالله عليكم ، أنتم هُم...

قال : وحق جَدِّنا رسول الله إنّا لنحن هم.. من غير شكّ ) .

فبقيَ الشيخ ساكتاً نادماً على ما تكلّم به ، ثمّ رفعَ رأسه إلى السماء ، وقال : الّلهم إنّي أتوبُ إليك من بغض هؤلاء ، وإنّي أبرأ إليك من عدوّ محمد وآل محمد من الجنّ والإنس (1) .

الثانية :

إنّه لَمّا ظهرت دعوة أبي مسلم الخراساني ، أرسلَ نصر بن سيار إليه رجلاً من بني ليث ، ورجلاً من باهلة ، يسألانه عن حاله ، ودَعوته وسبب خروجه ، فبعث أبو مسلم إلى سليمان بن كثير ووجوه مَن معه ، فلمّا حضروه ، قال لهم : إنّ هذين أتياني برسالة نصر ، فكرهتُ أن أسمع منهما ، أو أُجيبهما بشيء ، حتى تحضروا ذلك . وقد حضرهم وقت الصلاة ، فأذّنَ

ـــــــــــــــــــــ

(1) مقتل الخوارزمي : الجزء 2، ص61 ، طبعة النجف .


الصفحة 10

 المؤذِّن ، فقام أسلم بن أبي سلام ، فقال له أبو مسلم : أين ؟ قال : أتوضّأ وأعود ، فقال لرسولَي نصر : ونحن نريد ذلك ، فإن شئتما فأقيما حتى نفرغ من أمر صلاتنا ، وإن كانت بِكُما حاجة إلى الوضوء فامضيا مع أسلم ، حتى تقضيا حاجتكما ثمّ ننظر ما معه ، ونتفرّغ فيما جئتما له .

فنهضا مع أسلم إلى منزله ، فقال أحدهما : والله ما كنّا نحسبكم تصلّون ! فقال أسلم : وَمن يُقيم الصلاة لحقّها غيرنا ؟ ألستما تعرفاني قبل اليوم ؟ قالا : بلى ، قال : أفتَرياني كنتُ خارجاً عن الإيمان داخلاً في الكفر ؟!

لا تغترّا بأقاويل مَن يشنّع علينا ، فو الله إن أصبحَ الحقّ في شيء من المواطن يُدار به إلاّ في موضعنا هذا ، الذي نحن فيه ، فلا تَغبنا حظّكما منه .

فتوضّأ ودعا لهما بوضوء فتوضّيا وصلّيا ، ثمّ دعَوا بهما إلى أبي مسلم ، فدخلا عليه وهو يصلّي ، فكبّرا وجلسا ، ونظرَ أحدهما إلى سَنّور يتردّد في البيت ، فكبّر .

فلمّا فرغَ أبو مسلم من صلاته ، قال لهما : لِمَ كبّرتما ؟ قال أحدهما : كان يقال لنا إنّكم لا تصلّون ، وإنّكم تعبدون السنانير ، فلمّا رأيناك تصلّي ، ورأينا السنّور ( مهيناً لديكم ) عَلمنا أنّ ما يقال فيكم باطل (1) .

من هاتين القصّتين يتبيّن : أنّ جمهور المسلمين كان مُخدّراً تخديراً تامّاً ، مأخوذاً بالدعايات المسمومة ، التي كان الحُكام وولاتهم ، والموالون لهم من الكتّاب ينفثونها ، فكان ينظر إلى كلّ معارضٍ على أنّه كافرٌ ملحدٌ ، لا يصلّي ولا يصوم ، يرتكب الكبائر ، ويبيح الحرمات ،... وإنّ أمير المؤمنين ( وحده ) الذائد عن الدين ، المتربّص ( بالكَفَرة والزنادقة والمارقين ) .

وهكذا يتبيّن : أنّ دراسة أيّة فِرقة إسلامية بالاستناد إلى ما كتبه مؤرّخو تلك العهود ، مسألة في غاية الصعوبة ؛ لضياع الحقيقة في ركام الدسّ والاختلاق التي تحفل به كتب هؤلاء المؤرّخين ، بالإضافة إلى ما فيها من تناقضٍ وتضاربٍ في الأقوال والروايات .

وممّا يؤسف له : أنّ مفكّري الشيعة تأثّروا بدَوْرِهم بما كتَبه المؤرّخون

ـــــــــــــــــــــ

(1) أخبار الدولة العباسية : مؤلّف مجهول من القرن الثالث الهجري .


الصفحة 11

 عن النصيرية ، ووقَعوا بنفس تناقضاتهم وأخطائهم ، ولو تحرّوا الدقّة في تلك الكتابات والأقوال ، لَمَا فاتهم إدراك مراميها والقصد منها .

يقول ابن أبي الحديد في ( شرح نهج البلاغة ) (1) :

ثمّ تفاقَم أمر الغلاة بعد المغيرة ، وأمعنوا في الغلو ، فادّعوا حلولَ الذات الإلهية المقدّسة في قومٍ من سلالة أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، وقالوا بالتناسخ ، وجَحدوا البعث والنشور ، وأسقطوا الثواب والعقاب ، وقال قومٌ منهم : إنّ الثوابَ والعقاب إنّما هو ملاذُ هذه الدنيا ومشاقّها ، وتولّدت من هذه المذاهب القديمة ـ التي قال بها سلفهم ـ مذاهب أفحش منها قال بها خَلفهم ، حتى صاروا إلى المقالة المعروفة بالنصيرية ، وهي التي أحدَثها محمد بن نصير النميري ، وكان من أصحاب الحسن العسكري ( عليه السلام ) .

وكان محمد بن نصير من أصحاب الحسن بن علي بن محمد بن الرضا ، فلمّا ماتَ ادّعى وكالة لابن الحسن ، الذي تقول الإمامية بإمامته ، ففضحهُ الله تعالى بما أظهره من الإلحاد والغلو والقول بتناسخ الأرواح ، ثمّ ادّعى أنّه رسول الله ، ونبيٌ من قِبَل الله تعالى ، وأنّه أرسله علي بن محمد بن الرضا ، وجَحد إمامة الحسن العسكري وإمامة ابنه ، وادّعى بعد ذلك الربوبية ، وقال بإباحة المحارم .

وقد أخذَ السيد هاشم معروف هذا الكلام ، وردّده حرفياً في كتابه الموسوم ( عقيدة الشيعة الإمامية ) ، ولا يخفى أنّ هذا القول يتناقض مع ما ذكره النوبختي في ( فِرَق الشيعة ) .

وعن النصيرية يقول صاحب العرفان الشيخ أحمد عارف الزين (2) :

أمّا النصيرية أو العَلوية ، فهُم طائفة من الشيعة ، غالَوا في الإمام علي ( عليه السلام ) ، حتى قالوا به ما قالَه النصارى في المسيح ، وبقوا في جهلٍ مطبَقٍ

ـــــــــــــــــــــ

(1) الجزء 3 ـ ص12 .

(2) مجلّة العرفان : العدد 5 ، المجلّد 20 ، رجب 1349، ك 1 ، 1930.


الصفحة 12

عدّة قرون ، عائشين في عزلةٍ عن الناس ، نافرين من غيرهم أشدّ النفور .

أمّا اليوم ، فأصبحَ فيهم فريق من العلماء والأدباء ، وكثيرٌ منهم يعتقدون العقائد الجعفرية ، ومنهم مَن يعملون بها ، ومَن يطالع تاريخ العلويين لا يرى فَرقاً بينهم وبين الشيعة الإمامية .

وكَتب الشيخ محمد حسين الزين العاملي يقول (1) :

وفي أيّام الحسن العسكري ( عليه السلام ) ظهرت ( النصيرية ) ، أتباع محمد بن نصير الفهري أو النميري ، وكَثروا بعد وفاة الحسن ، ثمّ قلّوا ، ولم يزَالوا كذلك إلى اليوم ، وجُلّهم في جبال اللاذقية ، وقد تبرّأ الحسن العسكري من عقائد ابن نصير وأتباعه .

لكن إلى جانب هذه الأقوال ، نَجد نفراً من مفكّري الشيعة ، قد برّأ ساحة النصيرية من كل التّهم التي أُلصقت بها زوراً ، وأعلنَ صراحةً أنْ : ( لا عَلوي بين العلويين ) ، أي ليس بين العلويين مَن يعبُد الإمام علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) ، كالشيخ محمد جواد مغنية في كتابه ( الفقه على المذاهب الخمسة ) ، وآخرون غيره .

***

وممّا تجدر الإشارة إليه : أنّ الطعن نالَ من كبار الشخصيات الشيعية ، كهشام بن الحَكم ، كما نالَ من غيرهم .

فابن قتيبة في ( المعارف ) يَعتبر سفيان الثوري من غلاة الروافض .

ومن المؤرّخين المحدَثين ، رأينا عبد السلام رستم يَعتبر آل البيت من الغلاة ، يقول في كتابه ( أبو جعفر المنصور ) ـ ص 20 ـ :

وكانت الجمعية المتحالفة مكوّنة في بدء تأسيسها من أخوة ثلاثة ، هُم : إبراهيم الإمام ، والعباس ، وأبو جعفر المنصور ، وهُم أبناء محمد بن علي بن

ـــــــــــــــــــــــ

(1) الطوائف المتشعّبة عن الشيعة وكيف تشعّبت : العرفان ، ذو الحجة 1354 ، آذار 1936.


الصفحة 13

 
العباس ، ومعهم عبد الله بن علي ، وابنه محمد ( ذو النفس الزكية ) ، وأخوه إبراهيم ، وغيرهم من الغلاة .

لكلّ ذلك لم نأخذ أقوال المؤرّخين ودارِسي الفِرق والمِلل والمذاهب على علاتها ، بل أخضعناها للمناقشة والتمحيص ، وعَقَدنا المقارنات بين الأقوال ؛ لنستطيع أن نستخلص أقربها إلى الحقيقة .

ولئن كانت قد ظهرت دراساتٍ شتّى عن الفِرق الإسلامية : كالإسماعيلية ، والأباضية ، والقرامطة ، والدروز ، والخوارج ، والمعتزلة وغيرهم ؛ فإنّ العلويين لم يصدر عنهم أيّ دراسة كاملة شاملة دقيقة ، تُظهر هذه الِفرقة على حقيقتها .

وسدّاً لهذا النقص قُمنا بهذه الدراسة ، وهدفنا منها : الكشف عن ( أسرار ) هذه الفِرقة الإسلامية ، التي حارَ بأمرِها المؤرّخون ، وذهبت أقوالهم فيها كلّ مذهب .

والطريق التي سلكناها في البحث تتلخّص بما يلي :

أوّلاً : تحدّثنا عن الإيمان ، وبيَّنا الاختلافات حول تحديد مفهوم الإيمان وتعريفه ، وألمَعنا إلى أنّ الإيمان والإسلام واحد ، فلا يصحّ في الشرع أن يُحكم على أحدٍ أنّه مؤمنٌ وليس بمسلمٍ ، أو مسلمٌ وليس بمؤمنٍ .

ثمّ تحدّثنا عن الفِرق الإسلامية ، واختلافات أصحاب الفِرق في عددها ، وفي أسمائها ، وفي نسبتها ، وفي مقالاتها .

إذ من الملاحَظ أنّ ثمّة خلافٍ كبيرٍ بين أصحاب الفِرق في عدد هذه الفِرق ، فمنهم مَن هبطَ بالعدد إلى (11) فرقة كابن قتيبة في ( المعارف ) ، على حين جَعل البعض الآخر عدد فِرق الشيعة ـ فقط ـ أكثر من ثلاثمئة فِرقة .

ومن جهةٍ أُخرى ، فإنّ أصحاب الفِرق لم يتّفقوا فيما بينهم على أسماء تلك الفِرق ، فنَجد الواحد منهم يذكر فِرَقاً لم يذكرها الباقون .

وشمل الاختلاف أيضاً نسبة الفِرقة الواحدة ، فكلّ واحد من أصحاب الفِرق ينسبها إلى شخصٍ يختلف اسمه من واحدٍ إلى آخَر .


الصفحة 14

وتحدّثنا بعدئذٍ عن الفِرق التي اختلفوا في مقالاتها ، مُنوّهين بأنّ الاختلاف في مقالات الفِرق كان على نوعين :

الأوّل : اختلاف جزئي ، يتمثّل في إضافاتٍ قليلةٍ ذَكرها الواحد دون الآخَر .

الثاني : اختلاف كلّي ، بحيث يتضادّ قول الواحد مع أقوال الآخَرين .

وانتقلنا بعد ذلك إلى الحديث عن : أصلِ تسميةِ النصيرية ، وتاريخ ظهور النصيرية ، ومَواطن النصيرية ، لننتقل من ثَمّ إلى الحديث عن عقائد النصيرية .

وتحت هذا العنوان تحدّثنا عمّا كَتبه الشهرستاني في ( المِلل والنِحل ) ، وابن الأثير في ( الكامل ) ، وأوردنا نصّ السؤال الذي وجّهه مجهول إلى ابن تيمية ، وردّ هذا الأخير عليه ، ثمّ ذكرنا ما ذكره القلقشندي في ( صبح الأعشى ) .

مع مقارنة هذه الأقوال مع بعضها البعض ، وتبيان ما فيها من اختلاف وتناقض .

ثمّ تحدّثنا عن النصيرية عند المؤرّخين المحدَثين ، وحَصرنا كتابات هؤلاء في عدّة اتجاهات :

الاتجاه الأوّل : ترديد ما قاله الشهرستاني في الملل والنحل على الانقياد والتسليم .

الاتجاه الثاني : ترديد ما قاله القلقشندي في صبح الأعشى إمّا كلياً أو جزئياً .

الاتجاه الثالث : يخلط أصحابه في حديثهم عن النصيرية ما بينها وبين الإسماعيلية .

الاتجاه الرابع : أصحاب هذا الاتجاه نوّعوا مصادرهم ، فلم يقفوا عند مصدرٍ واحد .


الصفحة 15

الاتجاه الخامس : عكس الآراء السابقة تماماً ، وأصحابه يُبرّئون ساحة النصيرية ، وينفون عنها التّهم التي أُلصقت بها .

ولمّا كان المؤرّخون ـ القدماء منهم والمحدَثون ـ لم يستندوا فيما كَتبوا عن النصيرية إلى كتابات رجالات هذه الفرقة ، فقد أفردنا فصلاً خاصّاً ، تحدّثنا فيه عن العلويين من خلال آثارهم ؛ ذلك أنّ العلويين ككل شعبٍ من الشعوب ، أنتجوا خلال تاريخهم أدباً ، شِعراً كان أم نثراً ، فتتبّعنا ما كتبوه ، وأثبتنا الشواهد الشِعرية والنثرية التي تتضمّن تاريخهم ومعتقداتهم .

ومن هذه الشواهد استخلصنا أهمّ عقائد العلويين .

وبذلك نكون قد قدّمنا للقارئ هذه الفرقة من خلال جميع الأقوال التي قيلت فيها ، وبالاستناد إلى أقوال رجالاتها هي .

وعسانا نكون قد وفِّقنا في إظهار هذه الفرقة الإسلامية على حقيقتها .

والله وليّ التوفيق .

هاشم عثمان


 

الصفحة 16

 


 الصفحة 17

الإيمانُ والإسلام

 

إنّ دراسة أيّة فرقةٍ من الفِرق الإسلامية الكثيرة ـ التي عرفتها أُمّة الإسلام ـ مرتبط من قريبٍ أو بعيد بموضوع الإيمان .

ومفهوم الإيمان أمرٌ عسير ؛ لأنّه يتعلّق بجوهر الديانة ذاتها ، فلا غرابة أن يخوض في ذلك أصحاب الديانات بصفة عامّة من عهودٍ بعيدة إلى يوم الناس هذا (1) ، وقد اختلفَ الفقهاء قديماً وحديثاً في تحديد مفهوم الإيمان وفي تعريفه ، فمن قائلٍ : إنّ الإيمان قولٌ باللسان وإن اعتقدَ الكفر بقلبه ، فهو مؤمنٌ عند الله عزّ وجل من أهل الجنّة ، وهذا قول محمد بن كرام السجستاني وأصحابه .

ومن قائلٍ : إنّ الإيمان عقدٌ بالقلب وإن أعلنَ الكفر بلسانه بلا تقية ، وعَبَد الأوثان ، أو لزِم اليهودية أو النصرانية في دار الإسلام ، وعَبَد الصليب ، وأعلن التثليث ، وماتَ على ذلك ، فهو مؤمنٌ كامل الإيمان عند الله عزّ وجل من أهل الجنّة ، وهذا قول جهم بن صفوان والأشعري (2) .

ــــــــــــــــــــ

(1) سعد غراب : مفهوم الإيمان عند الفِرق الإسلامية ، مجلّة الفكر الإسلامي، ربيع الأوّل 1395هـ .

(2) ابن حزم : الفصل في المِلل والأهواء والنحل .


الصفحة 18

ومن قائلٍ : إنّ أُمّة الإسلام جامعة لكلّ مَن أقرّ بشهادَتي الإسلام لفظاً ، فكل مَن قال : لا إله إلاّ الله محمّد رسول الله ، فهو مؤمنٌ حقّاً ، وهو من أهل الإسلام ، سواء كان مخلصاً فيه ، أو منافقاً يضمر الكفر فيه والزندقة (1) .

وأشمل تعريف للإيمان : هو تعريف الإمام علي ( عليه السلام ) له .

قال الإمام علي ( عليه السلام ) :

( الإيمان على أربع دعائم : على الصبر ، واليقين ، والعدل ، والجهاد . والصبرُ منها على أربع شُعب : على الشوق ، والشَفق ، والزهد ، والترقّب .

فمَن اشتاقَ إلى الجنّة سلا عن الشهوات ، ومَن أشفقَ من النار اجتنبَ المحرّمات ، ومَن زهدَ في الدنيا استهانَ بالمصيبات ، ومَن ارتقبَ الموت سارع إلى الخيرات .

واليقينُ منها على أربع شُعب : على تبصرة الفطنة ، وتأوّل الحكمة ، وموعظة العِبرة ، وسُنّة الأوّلين . فمَن تبصّر في الفطنة تبيّنت له الحكمة ، ومَن تبيّنت له الحكمة عرفَ العِبرة ، ومَن عرفَ العِبرة فكأنّما كان في الأوّلين .

والعدلُ منها على أربع شُعب : على غائص الفَهم ، وغور العلم ، وزهرة الحكم ، ورساخة الحلم . فمَن فَهم عَلِم غور العلم ، ومَن عَلِم غور العلم صدرَ عن شرائع الحكم ، ومَن حلم لم يفرط في أمره وعاشَ في الناس حميداً .

والجهاد منه على أربع شُعب : على الأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، والصدق في المواطن ، وشنآن الفاسقين . فمَن أمرَ بالمعروف شدّ ظهور المؤمنين ، ومَن نهى عن المنكر أرغمَ أنوف المنافقين ، ومَن صَدق في المَواطن قضى ما عليه ، ومَن شنأ الفاسقين وغضبَ لله أرضاه يوم القيامة .

ــــــــــــــــــــ

(1) البغدادي : الفَرقُ بين الفِرق .


الصفحة 19

والكفر على أربع دعائم : على التعمّق ، والتنازع ، والزيغ ، والشقاق . فمَن تعمّق لم ينب إلى الحق ، ومَن أكثَر نزاعه بالجهل دام عَماه عن الحق ، ومَن زاغَ ساءت عنده الحسنة وحسنت عنده السيّئة وسَكرَ سكر الضلالة ، ومَن شاقَ وعَرت عليه طُرقه ، وأعضلَ عليه أمره وضاقَ عليه مخرجه .

والشك على أربع شُعب : على التماري والجهل ، والهول ، والتردّد ، والاستسلام . فمَن جعل المراء ديدَناً له لم يصبح لَيله ، ومَن هالَه ما بين يديه نكص على عقبيه ، ومَن تردّد في الريب وطَأَته سنابك الشياطين ، ومَن استسلم لهلكة الدنيا والآخرة هلكَ فيهما ) .

والإيمان المجمل يتمّ بشهادةٍ واحدة عند أبي حنيفة ، ثمّ يجب عليه الثبات والتقرير بأوصاف الإيمان ، وعند الشافعي يتمّ بشهادتين ، ثمّ يجب عليه سائر أوصاف الإيمان وشرائطه ، ولم يثبت التقيّد من الشارع بلفظ أشهد أن لا إله إلاّ الله ، بل يصحّ بكل لفظٍ دالٍّ على الإقرار والتصديق ، ولو بغير العربية مع إحسانها ، وكذا يصحّ بترك القول (1) .

وقد وضَع أبو حنيفة القاعدة : ( أهلُ القبلة كلّهم مؤمنون ، ولا يُخرجهم من الإيمان ترك شيء من الفرائض ) .

والغزالي يزيد تحديداً ، فيقول : ( اعلَم أنّ شرح ما يكفر به ولا يكفر يستدعي تفصيلاً طويلاً ، فاقتنِع الآن بوصية وقانون . أمّا الوصية ، فأنْ تكفّ لسانك عن أهل القبلة ما أمكنك ، ما داموا قائلين لا إله إلاّ الله محمد رسول الله ، وأمّا القانون فهو أن تعلم أنّ النظريات قسمان : قسمٌ يتعلّق بأُصول القواعد ، وقسمٌ يتعلّق بالفروع .

وأصول الإيمان ثلاثة : الإيمان بالله ، ورسوله ، وباليوم الآخر ، وما عداه فروع ، واعلم أنّه لا تكفير في الفروع أصلاً ، إلاّ في مسألةٍ واحدةٍ هي : أن ينكر أصلاً دينياً من رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) بالتواتر ، ولكن في بعضها تخطئة ، كما في الفقهيات ، وفي بعضها

ـــــــــــــــــــــــ

(1) الكفوي : الكليات .


 

الصفحة 20

تبديع...) (1) .

والإيمان والإسلام واحد ؛ لأنّ الإسلام هو الخضوع والانقياد ، بمعنى قبول الأحكام والإذعان ، وذلك حقيقة التصديق على ما مرّ.. ويؤيّده قوله تعالى : ( فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ) ( الذاريات : 35 ـ 36 ) .

وبالجملة : لا يصحّ في الشرع أن يحكم على أحدٍ أنّه مؤمن وليس بمسلم ، أو مسلم وليس بمؤمن ، فالإيمان لا ينفكّ عن الإسلام حُكماً ، فلا يتغايران (2) .

خلاصة القول : يتبيّن ممّا تقدّم :

1 ـ إنّ الإيمان والإسلام واحد ، فلا يصحّ في الشرع أن يحكم على أحدٍ أنّه مؤمنٌ وليس بمسلمٍ ، أو مسلمٌ وليس بمؤمنٍ .

2 ـ إنّ الإيمان هو الإقرار باللسان ، فمَن نطَق بالشهادتين وهما : أشهد أن لا إله إلاّ الله ، وأشهد أنّ محمداً رسول الله صارَ مسلماً ، أي مواطناً في دولة الإسلام ، وتمتّع بجميع الحقوق التي يتمتّع بها المسلم (3) .

من هذا المفهوم للإيمان ـ وعلى أساسه ـ تكون دراسة أيّة فرقة من الفِرق الإسلامية الكثيرة وتقويمها .

ــــــــــــــــــــــــــ

(1) عبد الحليم الجندي : الشريعة الإسلامية .

(2) السعد التفتازاني : شرح العقائد النفسية .

(3) علي الطنطاوي : تعريف عام بدين الإسلام .


الصفحة 21

الفِرقُ الإسلامية والاختلاف حولها

 

( افترَقَت أُمّة موسى على إحدى وسبعين فرقة ، فرقةٌ ناجية والباقون في النار ، وافترَقت أُمّة عيسى على اثنين وسبعين فرقة ، فرقة ناجية ، والباقون في النار ، وستفترق أُمّتي على ثلاث وسبعين فرقة ، فرقة واحدة ناجية ، والباقون في النار ، قيل : مَن الناجية يا رسول الله ؟ قال : ما أنا وأصحابي عليه اليوم ) .

هذا الحديث ، كان نقطةُ البدء في تقسيم أُمّة الإسلام إلى فرقٍ كثيرة جداً ، إذ استغلّه أصحاب الأهواء والنزعات ، لِبَثّ الفرقة بين أبناء الأُمّة الواحدة ، وكان هدف هؤلاء ـ على ما يبدو ـ تفريغ الدين الإسلامي القويم من خاصيّته ، وإظهاره بصورة آراء متنافرة متضاربة ، لا اتّفاق بينها ، ولا انسجام .

ومن الملاحظ ، أنّ الكتابة عن الفِرق الإسلامية في آثار الأقدَمين التي وصلت إلينا ، جاءت على شكلين :

الأوّل :

عرَضيّاً في سياق الحديث عن موضوعٍ من المواضيع ، فدراسة الفِرق في هذه الحالة لم تكن مقصودة لذاتها ، وهذا ما نلمسه عند :


 

الصفحة 22

الجاحظ في ( الحيوان ) ، ابن قتيبة في ( المعارف ) ، الرازي في ( الزينة ) ، البلخي في ( البدء والتاريخ ) ، المسعودي في ( مروج الذهب ) ، ابن عبد ربّه في ( العقد الفريد ) ، المقدسي في ( أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم ) ، ابن الجوزي في ( تلبيس إبليس ) ، المقريزي في ( الخطط المقريزية ) ، وغيرهم... وغيرهم...

الثاني :

دراسة الفِرَق مقصودة بذاتها ، مستقلّة عن أيّ موضوع آخَر ، وهذا ما نَجده في :

( فِرَق الشيعة ) للنوبختي ، و( التنبيه والرد على أهل الأهواء والبِدع ) للملطي ، و( الفَرق بين الفِرَق ) للبغدادي ، و( الفصل في المِلل والأهواء والنِحل ) لابن حزم الأندلسي ، و( مقالات الإسلاميين واختلاف المصلّين ) للأشعري ، و( التبصير في الدين وتمييز الفِرَق الناجية عن الفِرَق الهالكين ) للأسفرايني ، و( المِلل والنِحل ) للشهرستاني ، و( اعتقادات فِرَق المسلمين والمشركين ) لفخر الدين الرازي  و... و... وغيرهم وغيرهم...

وكل مَن يمعن النظر في كتابات أصحاب الفِرق يجد أنّهم قد اختلفوا فيما بينهم في : 1 ـ عدد الفِرق 2 ـ وفي أسمائها 3 ـ وفي نسبتها 4 ـ وفي مقالاتها .

أوّلاً ـ عددُ الفِرَق :

لم يتّفق كُتّاب الفِرَق على عدد هذه الفِرَق ، فابن قتيبة في ( المعارف ) لم يذكر غير إحدى عشرة فرقة ، على حين أنّ بعض كتّاب الفِرق تجاوزوا في العدد رقم (73) ، والبعض منهم عدّ أكثر من ثلاثمئة فرقة ، ومنهم مَن جعلَ فِرق الشيعة وحدها أكثر من ثلاثمئة فرقة .

حتى أنّ بعضهم ـ المقريزي ـ جعلَ عدد فِرق الرافضة ثلاثمئة فرقة .


 

الصفحة 23

وقد برّرَ فخر الدين الرازي الزيادة في عدد الفِرق بقوله : ( فإن قيل : إنّ هذه الطوائف التي عددهم أكثر من ثلاث وسبعين ، ورسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) لم يُخبِر بأكثر ، فكيف ينبغي أن يعتقد في ذلك ؟

والجواب عن هذا : أنّه يجوز أن يكون مراده ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) من ذكر الفِرق ، الفِرَق الكبار ، وما عَدَدْنا من الفِرق ليست من الفِرق العظيمة ، وأيضاً فإنّه أخبرَ أنّهم يكونون على ثلاث وسبعين فرقة لم يجز أن يكونوا أقل ، وأمّا إذا كانت أكثر فلا يضرّ ذلك ، وكيف لم نذكر في هذا المختصر كثيراً من الفِرق المشهورة ، ولو ذكرناها كلّها مستقصاة لجازَ أن يكون أضعاف ما ذكرنا ، بل ربّما وجِد في فرقة من فِرق الروافض ـ وهم الإمامية ـ ثلاث وسبعون فرقة ) .

ثانياً ـ أسماءُ الفِرَق :

ومن جهة أُخرى ؛ فإنّ كل واحد من الذين تصدّوا للكتابة عن الفِرق الإسلامية ، ذَكر فِرَقاً لم يذكرها غيره .

فالنوبختي في ( فِرَق الشيعة ) ذكرَ : الماصرية ، والحسينية ، والنفيسية.. ولم يذكرها غيره .

والرازي في ( الزينة ) ذكر : الشمرية ، والطاحنية ، والنهدية ، ولم نَجد لها ذكراً عند غيره .

والبلخي في ( البدء والتاريخ ) ذكرَ : الكرنبية ، واليعفورية ، والقحطبية ، والطيارة ، والخشعبية ، ولم يذكرها غيره .

والملطي في ( التنبيه والرد ) ذكر : الجمهورية ، والسرية ، والضررية ، والتغلبية ، والنجرانية ، والعطوية ، والجعدية ، ولم نجدها عند غيره .

والمقدسي المعروف بالبشاري في ( أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم ) ذكر : المنذرية ، والراهوية ، والعطائية ، والأبيضية ، والسرخسية ، والكلابية ، والشفعوية ، والداودية ، ولم يذكرها سواه .


 

الصفحة 24

وابن الجوزي في ( تلبيس إبليس ) ذكر : الكنزية ، والأحمرية ، والوهمية ، والناكثية ، والقاسطية ، والملتزقة ، والواردية ، والمخلوقية ، والفانية ، والقبرية ، واللفظية ، والتاركية ، والراجية ، والمنقوصية ، والمستثنية ، والآمرية ، واللاعنة ، والمتربّصة ، والمضطربة ، والأفعالية ، والمفروغية ، والحبية ، والخوفية ، والفكرية ، والمعية ، والمتأنية ، ولم يذكرها غيره .

وفخر الدين الرازي في ( اعتقادات فِرَق المسلمين والمشركين ) ذكرَ : الأخشيدية ، والناموسية ، والعمادية ، والعسكرية ، والبنانية ، والخالدية ، واليونانية ، والسورمية ، والحوارية ، والسبعية ، والأزلية ، والحماقية ، ولم يذكرها غيره .

والمقريزي في ( الخطط ) ذكر : المزدارية ، والجولقية ، والبطيخية ، والصباحية ، والمجدرية ، والزيادية ، والبسلمية ، والأهومية ، ولم نجد لها ذكراً عند غيره .

والجيلاني في ( توفيق التطبيق ) ذكر : المرتاضون ، والمشاؤون ، ولم يذكرها سواه . إلخ... إلخ...

ثالثاً ـ نسبةُ الفِرَق :

ثمّة فِرَق عديدة اختلفَ أصحاب الفِرق في نسبتها ، منها على سبيل المثال :

البيانية :

نَسَبَها كلٌ من النوبختي والرازي إلى بيان النهدي .

أمّا الملطي ، فقال : سُموا بيانية ببيانٍ قالوا ...

بينما نَسبها البغدادي ، ومثله الإسفرايني والشهرستاني إلى بيان بن سمعان التميمي .


 

الصفحة 25

الحارثية :

قال الرازي ، ومثله النوبختي : إنّها تنتسب إلى عبد الله بن الحارث .

البغدادي ، ومثله الإسفرايني ذكر : أنّهم أتباع حارث بن مزيد الأباضي .

العجلية :

النوبختي والرازي ينسبونها إلى هارون بن سعيد العجلي .

والشهرستاني ينسبها إلى عمير بن بيان العجلي .

أمّا البغدادي ، فيُطلق على أتباع عمير بن بيان العجلي اسم ( العجرية ) .

البشرية :

قال النوبختي : إنّهم أصحاب محمد بن بشير .

وأمّا البغدادي ، ومثله الشهرستاني ، وفخر الدين الرازي ، فقالوا : إنّهم أتباع بِشر بن المعتمر .

الأزارقة :

قال كلٌ من الرازي ، والإسفرايني ، والبغدادي ، والشهرستاني : إنّهم أصحاب نافع الأزرق .

أمّا الملطي ، فقال : إنّهم أصحاب عبد الله بن الأزرق .

بينما قال فخر الدين الرازي : أتباع أبي نافع راشد الأزرق .

رابعاً ـ مقالاتُ الفِرق :

الأهمّ من الاختلاف في عدد الفِرق ، وفي نسبتها : الاختلاف في مقالات تلك الفِرق ، وهذا الاختلاف جاء على أحد شكلين :


 

الصفحة 26

جزئي : يتمثّل في إضافاتٍ قليلة على قول الفرقة الواحدة ، ذكرها كاتب دون أن يذكرها الآخر .

كلّي : بحيث يتضاد قول الواحد من أصحاب الفِرق ، مع ما ذكره غيره عن نفس الفرقة .

والفِرق التي اختلفوا في مقالاتها كثيرةً جداً جداً ، منها على سبيل المثال :

الخطّابية : يذكر النوبختي في ( فِرَق الشيعة ) : وأمّا أصحاب أبي الخطّاب محمد بن أبي زينب الأجدع الأسدي ، ومَن قال بقولها ، فإنّهم افترقوا لمّا بلغهم أنّ أبا عبد الله جعفر بن محمد ( عليه السلام ) لعنَه ، وبريء منه ومن أصحابه ، فصاروا أربعَ فِرق ، وكان أبو الخطاب يدّعي أنّ أبا عبد الله جعفر بن محمّد ( عليه السلام ) جعله قيّمه ووصيّه من بعده ، وعلّمه اسم الله الأعظم ، ثمّ ترقّى إلى أن ادّعى النبوّة ، ثمّ ادّعى أنّه من الملائكة ، وأنّه رسول الله إلى أهل الأرض والحجّة عليهم .

أمّا الرازي في ( الزينة ) فيقول : الخطّابية نُسبوا إلى أبي الخطّاب ، واسمه محمد بن زينب الأسدي الأجدع ، وكان يقول بإمامة إسماعيل بن جعفر في حياة أبيه جعفر ، فلمّا مات إسماعيل رجعوا إلى القول بإمامة جعفر ، وغَلَوا في القول غُلواً شديداً ، وخرجَ أبو الخطّاب في حياة جعفر بالكوفة في المسجد ، في زمن عيسى بن موسى بن علي بن عبد الله بن العباس ، وأظهرَ الدعوة إلى جعفر ، فتبرّأ منه جعفر ولعنهُ ودعا عليه ، وقُتل هو وأصحابه كلّهم .

وكان أبو الخطّاب يقول بإلوهية جعفر ، تعالى الله عمّا يقول الظالمون علوّاً كبيراً ، وثبتَ قومٌ من أهل مقالته بعده على القول بذلك ، وقالوا في الأئمة كلّهم بالغلو الشديد ، وخرَجت فِرقة منهم إلى القول بإمامة محمد بن إسماعيل بعد أبيه إسماعيل ، وزعموا أنّ أبا الخطّاب أمرَهم بذلك ، ودلّهم عليه .

الملطي في ( التنبيه والرد ) يقول : وهُم يزعمون أنّ أبا بكر وعمر


 

الصفحة 27

( رضي الله عنهما ) الجبت والطاغوت ، وكذلك الخمر والميسر عليهم لعنة الله ، وقد فسّروا في كتاب الله أشياءً كثيرةً ما يشبه هذا .

وعن الخطّابية يقول الشهرستاني في ( المِلل والنحل ) : أصحاب أبي الخطّاب محمد بن أبي زينب الأسدي الأجدع ، مولى بني سعد .

زعمَ أبو الخطّاب أنّ الأئمة أنبياء ، ثمّ آلهة ، وقال بإلهية جعفر بن محمد ، وإلهية آبائه رضي الله عنهم ، وهم أبناء الله وأحبّاؤه .

والإلهية نورٌ في النبوّة ، والنبوّة نورٌ في الإمامة ، ولا يخلو العالَم من هذه الآثار والأنوار ، وزعمَ أنّ جعفراً هو الإله في زمانه ، وليس هو المحسوس الذي يرونه ، ولكن لمّا نزلَ إلى هذا العالَم لَبس تلك الصورة فرآه الناس فيها .

وعن هذه الفرقة ، يقول فخر الدين الرازي في ( اعتقادات فِرق المسلمين والمشركين ) : وهُم يزعمون أنّ الله تعالى حلّ في علي ، ثمّ في الحسن ، ثمّ في الحسين ، ثمّ في زين العابدين ، ثمّ في الباقر ، ثمّ في الصادق ، وتوجّه هؤلاء إلى مكّة زمن جعفر الصادق وكانوا يعبدونه ، فلمّا سمعَ الصادق بذلك ، فأبلغَ ذلك أبا الخطّاب ، وهو رئيسهم ، فزعمَ : أنّ الله تعالى قد انفصلَ عن جعفر ، وحلّ فيه ، وأنّه هو أكمل من الله تعالى ، ثمّ إنّه قُتل .

الخلفية : وهي إحدى فِرق ( العجاردة ) :

يقول عنها البغدادي في ( الفَرق بين الفِرق ) : لا يرون القتال إلاّ مع إمامٍ منهم ، وقد كفّوا أيديهم عن القتال ؛ لفَقدهم مَن يصلح للإمامة منهم .

وصارت الخلفية إلى قول الأزارقة في شيءٍ واحد ، وهو : دعواهم أنّ أطفال مخالفيهم في النار .

ومثل هذا القول ، نقلَ الأسفرايني في ( التبصير في الدين ) : أمّا الشهرستاني ، فقال في ( المِلل والنحل ) : خالَفوا الخمرية في القولِ بالقدر ، وأضافوا القَدر خَيره وشَرّه إلى الله تعالى ، وسلكوا في ذلك مسلك أهل السنّة ، وقالوا : الخمرية ناقضوا ، حيث قالوا : لو عذّب الله العباد على أفعالٍ قدّرها عليهم ، أو على ما لم يفعلوه ، كان ظالماً ، وقضَوا بأنّ أطفال


 

الصفحة 28

 المشركين في النار ، ولا عملَ لهم ولا تَرك ، وهذا من أعجب ما يعتقد من التناقض . ابن الجوزي في ( تلبيس إبليس ) يقول عن الخلفية : زعموا أنّ مَن تركَ الجهاد من ذكر وأنثى ، فقد كَفر .

وعنها يقول فخر الدين الرازي في ( اعتقادات فِرق المسلمين والمشركين ) : وهُم لا يرون أنّ الخير والشر من الله تعالى .

* * *

إنّ اختلاف كتّاب الفِرق ، في عدد الفِرق ، وفي أسمائها ، وفي نسبتها ، وفي مقالاتها ، ذلك الاختلاف البيّن يجعلنا نشكّ في وجود هذه الفِرق أصلاً ، خاصّةً وأنّه قد ثبتَ بالتدقيق أنّ ثمّة فِرقاً كثيرة مُبتَدعة لا وجود لها في دنيا الواقع : كالكيسانية ، والكرنبية ، والحارثية ، والمعمرية ، والمزيغية ، والراوندية ، والأبي مُسلمية ، والأبي هريرية (1)... كما ثبتَ أيضاً : أنّ ثمّة شخصيات زعموا أنّ لها تأثيراً كبيراً في الفِرق ومقالاتها ، كانت مختلقة ، لا مكان لها بين البشر ، كعبد الله بن سبأ مثلاً .

وما يهمّنا في هذا المقام : هو المبحث عمّا إذا كان هنالك فرقة تسمّى بالنصيرية ، أمْ أنّ هذا الاسم هو واحدٌ من أسماء عديدة ، أُطلقت على فرقةٍ واحدة ، خاصّةً وأنّ كتُب الفِرق حَملت إلينا أكثر من اسم لبعض الفِرق ، مثالُ ذلك : يذكر أبو حاتم الرازي في ( الزينة ) : إنّ للمارقة خمسة ألقاب ، يقال لهم : المارقة ، والشراة ، والخوارج ، والحرورية ، والمحكمة .

وفي حديثه عن السبأية يذكر : ( ولهم في كلِ بلدٍ ( لقب ) يُلقّبون به ، وهُم يسمّون ببلاد أصبهان الخرمية والكوذلية ، وبالري وغيرها من أرض الجبال المزادكة والسنباذية وبالماهين المحمرة ، وبأذربيجان الدقولية ) .

كما يذكر الغزالي في ( المستظهري ) ، وابن الجوزي في ( المنتظم )

ـــــــــــــــــــــــ

(1) عبد الواحد الأنصاري : مذاهب ابتدعتها السياسة في الإسلام .


 

الصفحة 29

وآخَرون غيرهما : أنّ ألقاب الإسماعيلية التي تداولتها الألسنة على اختلاف الأمصار والأزمنة ، هي : الإسماعيلية ، والباطنية ، والقرامطة ، والخرمية ، والبابكية ، والمحمرة ، والسبعية ، والتعليمية ...

 

الصفحة 30

أصلُ التسمية

ليس من السهل معرفة أصل تسمية ( نصيرية ) ، ولا من أين جاء ذلك ؛ لأنّ الأقوال فيها متناقضة ، وهي إلى جانب تناقضها لا تستند إلى دليلٍ مُقنع ، ولا تخرج عن نطاق التخمين والتكهّنات .

الأكثرون يُرجعونها إلى محمد بن نصير ، أحد دُعاة ، أو أشياع ، أو أصحاب ، أو بوّاب الإمام الحسن العسكري ( عليه السلام ) ، لكنّ أصحاب هذا الرأي يختلفون فيها بينهم اختلافاً كبيراً حول اسم محمد بن نصير وكُنيته .

وها هي أسماء الرجل وكُناه ، كما وردتنا على ألسِنتهم :

محمد بن نصير .

محمد بن نصير النميري .

أبو شعيب محمد بن نصير البصري النميري .

محمد بن نصير الكوفي .

أبو شعيب بن نصير البصري النميري .

ابن نصير .

محمد بن شعيب البصري .

محمد بن نصير الفهري أو النميري .

أبو شعيب محمد بن نصير العبدي البكري النميري .


الصفحة 31

وهناك مَن يشكّك في نسبة هذه التسمية إلى محمد بن نصير ، دون أن يبيّن سبب تشكّكه مصرّحاً بأنّه لا يوجد ما يثبت هذا القول (1) .

ونحن مع هذا الرأي ؛ لجملة من الأسباب هي :

أوّلاً : كُتّاب الفِرق الأقدمون لم ينسبوا هذه الفرقة إلى محمد بن نصير ، كما أنّهم لم ينسبوها إلى شخصٍ معيّن بالذات.

ثانياً : محمد بن نصير ـ كما تذكر كتب التراجم ـ توفي سنة 259هـ/ 873م ، بينما اصطلاح النصيرية وردَ ذكره أوّل مرّة ـ في أوائل المئة الرابعة للهجرة ـ على لسان حمزة بن علي ، أحد مؤسّسي المذهب الدرزي ، في ( الرسالة الدامغة في الرد على الفاسق النصيري ) ، وعلى لسان أبي العلاء المعري في ( رسالة الغفران ) ، و( اللزوميات ) .

ثالثاً : أتباع محمد بن نصير يسمّون بالنميرية ، على ما يذكر النوبختي المتوفّى سنة 288هـ ، إذ يقول :

( وقد شذّت فِرقة من القائلين بإمامة علي بن محمد في حياته ، فقالت : بنبوّة رجلٍ يقال له محمد بن نصير ، وكان يدَّعي أنّه نبيٌ بعثه أبو الحسن العسكري ( عليه السلام ) ، وكان يقول بالتناسخ والغلو في أبي الحسن ، ويقول فيه بالربوبية ، ويقول بالإباحة للمحارم ، ويحلّل نكاح الرجال بعضهم بعضاً في أدبارهم ، ويزعم أنّ ذلك من التواضع والتذلّل ، وأنّه إحدى الشهوات والطيّبات ، وأنّ الله عزّ وجل لم يحرّم شيئاً من ذلك ، وكان يقوّي أسباب هذا النميري محمد بن موسى بن الحسن بن الفرات ، فلمّا توفي قيل له في علّته ـ وكان اعتقلَ لسانه ـ : لِمَن هذا الأمر من بعدك ؟ فقال : لأحمد ، فلم يدروا مَن هو ؟ فافترقوا ثلاث فِرق :

( فرقة ) قالت : إنّه أحمد ابنه ، و( فرقة ) قالت : هو أحمد بن موسى بن الحسن بن الفرات ، و( فرقة ) قالت : أحمد بن أبي الحسين محمد بن محمد بن بشر بن زيد ، فتفرّقوا فلا يرجعون إلى شيء ،

ــــــــــــــــــــــ

(1) عارف تامر : الإمامة في الإسلام .


الصفحة 32


وادّعى هؤلاء النبوّة عن أبي محمد ، فسمّيت النميرية ) (1) .

رابعاً : إذا أمعَنا النظر في ما كَتبه الشهرستاني عن النصيرية ، نَجد أنّه استعملَ صيغة الجمع ، ( لهم جماعة ينصرون مذهبهم ، ويذبّون عن أصحاب مقالاتهم ) ، بحيث يُفهم من ذلك أنّ أصحاب مقالة النصيرية أكثر من شخصٍ واحد .

ثمّة آراء أُخرى قليلة ترى أنّ تسمية نصيرية ، نسبةً إلى نصير غلام الإمام علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) ، ويبدو لنا خطل هذه الآراء ، إذا عَلمنا أنّ أيّاً من كُتب التاريخ أو سواها ، لم تذكر أنّ للإمام علي غلاماً يسمّى نصيراً .

ومن بين الآراء المطروحة رأيٌ مفرد ، يعزو هذه التسمية إلى تغلب اسم الجبل على هذه الفئة (2) ، والمقصود بالجبل : جبل النصيرية .

 

ويبدو أنّ هذا الاسم قد حرِّف إلى نصيرية .

والذي يُعزّز القناعة بصحة هذا الرأي هو : أنّ إطلاق اسم نصيرية على هذا الجبل ، لم يظهر إلاّ أثناء الحَملات الصليبية ، أي بعد عام 488هـ ( 1096م ) ، أي ما قبل هذا التاريخ ، فكان الاسم الشائع لهذا الجبل هو جبل اللكام .

يقول الاصطخري : ( وكورة الشام هي من حدّ فلسطين ، وحدّ الشام ، وثغور الجزيرة جبل اللكام ، وهو الفاصل بين الثغرين ، وجبل اللكام داخل في بلد الروم ، وينتهي إلى نحو مئتي فرسخ ، ويظهر في بلاد الإسلام من مرعش والهارونية وعين زربة ، فيسمّى لكام إلى أن يجاوز اللاذقية ) (3) .

فإذا كانت الحروب الصليبية بدأت سنة 488هـ وانتهت سنة 690هـ ، وإذا كان الشهرستاني ولِد سنة 469هـ وتوفّي سنة 548هـ ، كان معنى ذلك : أنّ اسم نصيرية قد تغلّب على اسم الجبل في زمن

 ـــــــــــــــــــــــــ

(1) فِرَق الشيعة .

(2) محمد كرد علي : خطط الشام .

(3) كتاب الأقاليم .


الصفحة 33

 الشهرستاني .

وترجع أسباب تسمية Nazarie على ما نرى ، إلى وجود الطائفة الإسماعيلية النزارية في أماكن معيّنة من هذا الجبل ـ مصياف ـ قدموس ـ سلمية ـ ، والدّور الهامّ الذي لعبتهُ مصياف منذ أن انتزَعها الإسماعيليون من بني منقذ سنة 535هـ ، وكذلك إلى الدّور الهامّ الذي قامَ به شيخ الجبل سنان راشد الدين ، زعيم الطائفة الإسماعيلية النزارية في مصياف وفدائييه ، أثناء الحروب الصليبية ، ممّا جعلَ اسم هذه الطائفة على كلِ شفةٍ ولسان .

وهناك نقطة أُخرى مهمّة تتعلّق بأصل التسمية ، من الضروري الوقوف عندها قليلاً ، وهي : ما ذكره بعض المؤرّخين المحدَثين ، من أنّ العلويين تسمّوا نصيرية أوّلاً ، ثمّ أُطلق عليهم ـ حسب إرادتهم ـ اسم العلويين في أيّام الانتداب الفرنسي (1) ، ولم يقدّموا أي دليل يدعم أقوالهم .

والحقيقة : أنّه وجِدت فِرقة من الشيعة تسمّى بالعلوية ، عُرفت بهذا الاسم منذ القديم ، ذكرها كلٌ من : المسعودي في ( مروج الذهب ) ، وياقوت الحموي في ( معجم البلدان ) .

يقول المسعودي : ( والغلاة أيضاً ثمان فِرق : المحمدية منهم أربع ، والمعتزلة أربع ، وهُم العلوية ) .

كما ذكرَ ياقوت الحموي عند حديثه عن مدينة قاشان ما نصّه : ( مدينة قرب أصبهان ، تُذكر مع قُم ، وأهلها كلّهم شيعة إمامية .

قرأتُ في كتاب ألّفه أبو العباس أحمد بن علي بن بابه القاشي ، وكان رجلاً أديباً ، قَدِم مرو وأقام بها إلى أن مات بعد الخمسمئة ، ذَكر في كتابٍ ألّفه في فِرق الشيعة إلى أن انتهى إلى ذكر المنتظر ، ومن عجائبه ما يذكر ما شاهدته في بلادنا قومٌ من العلوية من أصحاب التنايات يعتقدون هذا المذهب ) .

ــــــــــــــــــــــــ

(1) يوسف الحكيم : سورية والعهد العثماني ، ص (68) ، ود. صبحي محمصاني : فلسفة التشريع في الإسلام ، ص(85) ، ومحمد كرد علي : خطط الشام ، ص (112) .


الصفحة 34

وهذا دليل على أنّ أصل التسمية هو ( العلوية ) ، لكن تبدّلت التسمية مع الزمن إلى ( نصيرية ) لأسباب سياسية ، أمْلَتها ظروف معيّنة .

تاريخ ظهور النصيرية :

تحديد تاريخ ظهور النصيرية على وجه الدقّة ، أمرٌ من الصعوبة بمكان كبير ؛ لكثرة الأقوال وتناقضها ، ثمّ ابتعادها عن بعضها بعضاً ابتعاداً عظيماً .

فنحن إذا أخذنا بالرأي القائل :  إنّ أصل تسمية نصيرية ، جاءت من نصير مولى الإمام علي ( عليه السلام ) ، كان معنى ذلك : أنّ تاريخ ظهور النصيرية هو زمن الإمام علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) ، أي ما بين سنة 23/ قبل الهجرة و40هـ .

أمّا إذا مِلْنا إلى الرأي الآخَر ، الذي يقول : إنّ أصل التسمية نسبةً إلى محمد بن نصير ،.... المتوفّى سنة 259هـ ، كان معنى ذلك : أنّ تاريخ ظهور النصيرية بين سَنَتَي 232هـ ، و259هـ ، وكما هو واضح ؛ فإنّ بين هذا التاريخ وذاك مدىً زمنياً واسعاً شاسعاً .

ثمّة نفر من المؤرّخين جعلَ تاريخ ظهور النصيرية ـ على وجه العموم ـ دون تحديد لسَنةٍ معيّنة ( في القرن الثالث الهجري ) (1) ، أو ( في النصف الثاني من القرن الثالث ) (2) ، وهناك مَن يقول : إنّ المذهب النصيري أو العلوي ، معاصر للدعوة الدرزية (3) .

وأوّل إشارة إلى ظهور النصيرية وصَلت إلينا ، ما كَتبه أبو الفرج الملطي في ( تاريخ الدول السرياني ) في أخبار سنة 891م = 278هـ ، وهي :

ــــــــــــــــــــــ

(1) الدكتور صبحي المحمصاني : فلسفة التشريع في الإسلام .

(2) كامل مصطفى الشيبي : الصلة بين التصوّف والتشيّع .

(3) عمر فروخ : تاريخ الفكر العربي .


الصفحة 35

( رغبَ الكثيرون أن يعرفوا مَن هم النصيريون ؟ فنقول : في السنة 1202 لليونان (891م) ، ظهرَ شيخ في أطراف الكوفة بقرية الناصرية ، كان يُكثر من الصوم والصلاة ويتظاهر بالزهد ، وتبعهُ كثيرون من أهل البلد .

واصطفى اثني عشر رجلاً بعدد الرسل ، وأوصاهم أن يبثّوا بين الناس تعليماً غريباً ، ولمّا اطّلع حاكم البلد على خبره أرسل فقُبض عليه ، وحبسهُ في إحدى غرف داره ، وأقسم أنّه صباح الغد يشنقه ، وشربَ الحاكم تلك الليلة خمراً حتى سكر ، وفرشوا له لينام .

فطلبَ مفتاح الغرفة التي حُبس فيها الشيخ ، ووضعهُ تحت وسادته ، وغرقَ في النوم ، وكان للحاكم خادمة تنام عنده ، سبقت فاطّلعت على صوم الشيخ وصلاته ، فأخذَتها الشفقة عليه ، وقصَدت مولاها وهو غارق في سباتٍ عميقٍ ، والتقفت المفتاح ، وذهبت فأطلقت الشيخ ، ثمّ أغلقت الباب ، وردّت المفتاح إلى مكانه .

ولمّا أفاقَ الحاكم تناولَ المفتاح ، وفتحَ باب الغرفة فلم يجد فيها أحداً ، فأخذه الدهش ، وتخوّفت الخادمة أن تُعلمه بأنّها هي التي فتحت وأطلقته ، وهكذا ذاعَ الخبر بأنّ الشيخ خرجَ والأبواب مغلقة .

وما عتمَ أن شاهدَ الشيخ اثنين من تلامذته يسوقان فداناً في أراضٍ بعيدة عن القرية ، فقصدَ نحوهما ، وأكّد لهما أنّ الملائكة أطلقوه وجعلوه في البرية ، ثمّ كَتب كتاب مذهبه ، ودَفعه إليهما ليُعلما الناس بموجبه ، وقد أثبتَ فيه ما يلي : إنّي أنا فلان الذي يُظنّ أنّه ابن عثمان من قرية الناصرية ، قد ظهرَ لي في الرؤية المسيح يسوع الكلمة الهادئ ، وهو أحمد بن محمد بن الحنفية ، من ولدِ علي ، وهو جبرائيل الملاك ، وقال لي :

إنّك أنت الداعي ، أنت الحق ، أنت جمل يحقد على غير المؤمنين ، أنت بهيمة حاملة ثقل المؤمنين ، أنت روح ، أنت يوحنا بن زكريا ، فانذرْ الناس ليجثوا أربع ركعات في صلاتهم ، ركعتين قبل بزوغ الشمس ، وركعتين قبل الغروب ، شطر أورشليم ، ويقولون في كل مرّة هذه العبارات الثلاث : الله السامي على الكل ، الله الأعظم من الكل ، الله الأكبر من الكل ، وأن لا يشتغلوا في يَومي الاثنين والجمعة ، وأن يصوموا يَومين في السنة ، وأن يقلّلوا من غسل أعضاء التناسل ، ولا يشربوا المسكر ، بل يشربوا ما أرادوا


الصفحة 36

 من الخمر ، ولا يأكلوا لحوم الحيوانات الضارية . وبعدما لقّنهم تعليماً مثل هذا سقيماً سخيفاً ، انتقلَ إلى فلسطين ، وجعلَ يلقّن الناس الجَهلة القرويين ، ثمّ اختفى من هناك ، ولم يوقَف على مكانه حتى اليوم ) .

بحسب هذه الرواية ، يكون تاريخ ظهور النصيرية هو سنة 278هـ في الكوفة ، وهذا التاريخ هو عينه مبدأ ظهور القرامطة .

وما ذكرهُ الملطي يشابه إلى حدٍ بعيد ، ما رواه ثابت بن سنان بن قرّة الصابئ (ت 365هـ) ، في تاريخه عن بدء ظهور القرامطة :

( في سنة مئتين وثمانية وسبعين من الهجرة ، فيها تحرّك بسواد الكوفة قومٌ يُعرفون بالقرامطة ، وكان ابتداء أمرِهم ـ فيما ذكر ـ أنّ زعيم هذه الطائفة قَدِم من بلدةِ خوزستان إلى عاصمة الكوفة ، فنزلَ بموضعٍ يقال له النهرين ، وتظاهرَ بالزهد والورع والتقشّف ، وكان يسف الخوص ، ويأكل من كسب يده ، ويكثر من الصلاة .

وأقامَ على ذلك زمناً كبيراً ، وكان إذا جاءه شخص وجلسَ معه تحدّث معه في أمر الدين ، وزهده في الدنيا ، وأخبرهُ أنّ الصلاة المفروضة على الناس خمسون صلاة في كل يومٍ وليلة ، حتى فشا ذلك عنه بموضعه ، ثمّ أعلَمهم أنّه يدعو إلى إمامٍ من أهل البيت ، فأقامَ على الدعاية حتى اجتمعَ حوله جمعٌ كبير .

واصطحبَ برجلٍ بقّال ، وكان يكثر الجلوس على باب حانوته ، فجاء يوماً قومٌ إلى البقّال ، وطلبوا منه رجلاً يحفظ عليهم ما حُرموا من نخلهم ، فدلّهم عليه ، وقال لهم : ( إن أجابكم إلى حفظ تَمْركم فإنّه بحيث تحبّون ) ، فكلّموه  في ذلك ، فأجابهم إلى ذلك بأجرٍ معلوم .

فكان يحفظ لهم ويصلّي أكثر نهاره ويصوم ، ويأخذ عند إفطاره رطلاً من التمر من البقّال فيأكله ، ويجمع النوى ويعطيه البقّال ، فلمّا حَمل التجّار تَمْرَهم عند البقّال ودفعوا إليه أجرته ، وحاسب الأجير البقّال على ما أخذه من التمر ، ودفعَ له ثمن النوى ، فسمعَ أصحاب التمر محاسبته للبقّال بثمن النوى فضربوه ، وقالوا له : ( لم ترضَ بأكل تَمْرِنا ، حتى بعتَ النوى ) ، فقال لهم البقّال : ( لا تفعلوا ) ، وقصّ عليهم القصّة ، فندموا على ضربه


الصفحة 37

 ، واستحلّوا منه ، ففعل ، وازدادَ بذلك نُبلاً عند أهل القرية ، لمّا وقفوا من زهده . ثمّ مَرض فمكثَ على الطريق مطروحاً ، وكان في القرية رجل يُدعى ( كرميته ) ؛ لحمرة عينيه ، وهو بالنبطية أحمر العينين ، يحمل على أثوار له ، فكلّم البقّال في حمل المريض إلى بيته ، فحَمله وأقام حتى بريء .

ودعا أهل القرية إلى اعتناق مذهبه فأجابوه ، وكان يأخذ من كلِ رجلٍ ديناراً ، ويزعم أنّه للإمام ، واتّخذ منهم اثني عشر نقيباً ، وأمَرَهم أن يدعوا الناس إلى نِحلته ، وقال لهم : أنتم كحواريي عيسى .

فاشتغلَ أهل كور عن أعمالهم بما رسمَ لهم من الصلوات ، وكان للهيصم ضياع ، فرأى تقصير أهل القرية في عمارتها ، فسألَ عن ذلك ، فأُخبر بخبر القرمطي ، فأخذهُ وحبسه ، وحلفَ أن يقتله ؛ لِمَا اطّلع على مذهبه ، وأغلق باب البيت عليه ، وجعلَ مفتاح البيت تحت وسادته ، واشتغلَ بالشرب .

فسمعَ بعض مَن في الدار من الجواري بقصّته ، فرقّت للرجل ، فأخذت المفتاح ـ حين نام سيّدها ـ وفتحت الباب وأخرجته ، ووضَعت المفتاح مكانه ، فلمّا أصبح الهيصم فتحَ الباب ليقتله فلم يجده ، وشاعَ ذلك في الناس ، فافتتنَ به خلقٌ كثير من تلك القرية ، وقالوا : رُفع .

ثمّ ظهرَ في ناحية أُخرى ، واجتمعَ بأصحابه وغيرهم ، وسألوه عن أمره ، فأخبرَ أنّه لا يمكن أحداً أن يصل إليه بسوء ، فعظمَ من ذاك الوقت في أعينهم ، ثمّ خافَ على نفسه ، فخرجَ إلى ناحية الشام ، فلم يوقَف له على أثَر .

وسمّى نفسه باسم الرجل الذي كان في داره ( كرميته ، صاحب الأثوار ) ، ثمّ خُفّف فقيل : قرمط . هكذا ذَكر أصحاب زكرويه عنه .

وقيل : إنّ قرمط لقب رجل بسواد الكوفة ، كان يحمل غلّته على أثوارٍ له ، واسمه حمدان .

ثمّ فشا مذهب القرامطة بسواد الكوفة ، ووقفَ الطائي أحمد بن محمد على أمرهم ، فجعلَ على الرجلِ منهم ديناراً في العام ، فقَدِم قومٌ من الكوفة ، فرفعوا أمرَ القرامطة والطائي إلى السلطان ، وأخبروه أنّهم أحدثوا ما ليس في دين الإسلام ، وأنّهم يرون السيف على أُمّة محمد ( صلّى الله عليه وسلّم ) إلاّ مَن بايعهم ، فلم يلتفت إليهم ، ولم يسمع منهم .


الصفحة 38

وفيما حُكي عن القرامطة من مذهبهم : أنّهم جاؤوا بكتاب فيه ( بسم الله الرحمن الرحيم ، يقول الفرج بن عثمان ، وهو من قريةٍ يقال لها نصرانة ، داعية المسيح وهو عيسى ، وهو الكلمة ، وهو المهدي ، وهو أحمد بن محمد بن الحنفية ، وهو جبريل .

وذكرَ أنّ المسيح تَصوّر له في جسم إنسان ، وقال له : أنت الداعية ، وإنّك الحجّة ، وإنّك الناقة ، وإنّك الدابّة ، وإنّك يحيى ، وإنّك روح القدس ، وأخبرهُ أنّ الصلاة أربع ركعات ، ركعتان قبل الشروق ، وركعتان بعد الغروب ، ويقيم الأذان في كلّ صلاة ، يكبّر ثلاثاً ( أشهد أن لا إله إلاّ الله مرّتين ، أشهد أنّ آدم رسول الله ، أشهد أنّ نوحاً رسول الله ، أشهد أنّ إبراهيم رسول الله ، أشهد أنّ موسى رسول الله ، أشهد أنّ عيسى رسول الله ، أشهد أنّ محمداًَ رسول الله ، وأشهد أنّ أحمد بن محمد بن الحنفية رسول الله ، ويقرأ في كلّ ركعة الاستفتاح المُنزل على أحمد بن محمد بن الحنفية ، والقبلة إلى بيت المقدس ، وأنّ الجمعة يوم الاثنين ، لا يُعمل فيه شيء ، والسورة :

( الحمد لله بكلمته ، وتعالى باسمه ، المتّخذ لأوليائه بأوليائه ، قل إنّ الأهلّة مواقيتُ للناس ، ظاهرها ليعلم عدد السِنين والحساب والشهور والأيّام ، وباطنها أوليائي الذين عَرّفوا عبادي سبيلي ، اتّقوني يا أُولي الألباب ، وأنا الذي لا أُسأل عمّا أفعل ، وأنا العليم الحكيم ، وأنا الذي أبلو عبادي وأمتحن خلقي ، فمَن صبرَ على بلائي ومحنتي واختباري ألقيته في جنّتي وأخلدتهُ في نعمتي ، ومَن زالَ عن أمري وكذّب رسلي أخذتهُ مهاناً في عذابي ، وأتممتُ أجَلي ، وأظهرت أمْري على ألسِنة رُسلي ، وأنا الذي لم يعلُ عليّ جبّار إلاّ وضعتهُ ، ولا عزيز إلاّ أذللته ، وليس الذي أصرّ على أمره ودامَ على جهالته ، وقالوا : لن نبرحَ عليه عاكفين وبه موقنين أولئك الكافرون ، ثمّ يركع ويقول في ركوعه : سبحان ربّي ربّ العزّة وتعالى عمّا يَصف الظالمون ) ، يقولها مرّتين ، فإذا سجدَ قال : ( الله أعلى ) مرّتين ، ( الله أعظم ) مرّتين .

ومن شريعته الصوم يومين في السنة ، وهما المهرجان ، والنبيذ حرام والخمر حلال ، وألاّ يغتسلوا من الجنابة إلاّ الوضوء كوضوء الصلاة ، وأنّ مَن حاربهُ وجبَ قتله ، ومَن لم يحاربه ممّن خالفهُ وجبَ عليه الجزية ، ولا يأكل كلّ ذي ناب ولا كلّ ذي مخلب ) .


الصفحة 39

يستفاد من ذلك : أنّ الملطي ـ المعروف بابن العبري ، المتوفّى سنة 685هـ ـ اعتبرَ النصيرية هم القرامطة ، وهذا خطأ .

ثمّ إنّه ناقضَ نفسه بنفسه ، في كتابه ( تاريخ مختصر الدول ) عند حديثه عن القرامطة ؛ إذ ذَكر عنهم نفس ما قاله عن النصيرية ، في روايته التي بيّناها ، وإذاً فإنّ تحديد تاريخ ظهور النصيرية بسنة 278هـ ، أخذاً بما ذَكره الملطي ، في غير محلّه .

ويبقى أقرب الأقوال إلى الصواب القول : بأنّ ظهور النصيرية هو النصف الثاني من القرن الثالث ؛ لأنّه عندما كتبَ حمزة بن علي رسالته في الردّ على النصيري بين عامي 408 و410هـ ، كانت الفرقة النصيرية موجودة ومعروفة ، وهذا يعني أنّ وجودها سابق لهذا التاريخ ، لكنّ تحديد ظهورها بسنةٍ معيّنة ، أمر من الصعوبة بمكان كبير ؛ لعدم وجود الدليل القاطع .

***


الصفحة 40

مَوطِن النصيرية

 

يُفهم من الآثار التي وصلت إلينا : أنّ النصيرية تنتشر في أماكن وأقاليم متعدّدة ، عربية وأجنبية .

في سورية أطلقَ المؤرّخون على أماكن تواجد النصيرية أسماء كثيرة : جبال اللاذقية ، جبال النصيرية ، بلاد العلويين ، منطقة العلويين ، منطقة اللاذقية ، الجبل العلوي ، جبل الشام ، جبل اللكام ، إلخ...

ومن الأسماء التي ذُكرت أيضاً ، جبل السمان ( اتخذوا جبل السمان ، الذي يسمّى الآن جبل النصيرية ) (1) .

ولم نعثر في الكتب على أيّ ذِكر لهذا الاسم ، الذي انفردَ به شيخنا محمد أبو زهرة دون سواه ، ولعلّ الشيخ يقصد جبل السماق ، وهو كما ذَكر ياقوت الحموي في معجم البلدان (2) ، جبل عظيم من أعمال حلب الغربية .

وثمّة مَن ذَكر اسماً آخَر ، بعيد كل البُعد عن الأسماء المألوفة المتداولة ، وهو جبل بلاطنس (3) .

أمّا الاختلاف الذي يُذكر فهو في تحديد موقع جبل اللكام ؛ لأنّ

ـــــــــــــــــــــــ

(1) تاريخ المذاهب الإسلامية : الجزء 1، ص63 .

(2) الجزء 2، ص100 .

(3) أبو الفداء : المختصر في تاريخ البشر .


الصفحة 41

الجغرافيين العرب لم يتّفقوا على رأيٍ واحدٍ بصدده .

فالمقدسي المعروف بالبشاري يقول : ( أمّا جبل اللكام ، فإنّه أعمر جبال الشام ، وأكبرها وأكثرها ثماراً ، وهو اليوم بِيَد الأرمن ، وطرسوس ورائه ، وأنطاكية دونه ) (1) .

أمّا الاصطخري فيذكر : ( وكورة الشام إنّما هي من حدّ فلسطين ، وحدّ الشام ، وثغور الجزيرة جبل اللكام ، وهو الفاصل بين الثغرين ، وجبل اللكام داخل في بلد الروم ، وينتهي إلى نحو مئتي فرسخ ، ويظهر في بلاد الإسلام من مرعش والهارونية وعين زربة فيسمّى لكام ، إلى أن يجاوز اللاذقية ثمّ تسمّى بهراء وتنوخ ، إلى حمص ثمّ تسمّى جبل لبنان ) (2) .

وياقوت الحموي يقول : ( اللكام وهو الجبل المشرف على أنطاكية ، وبلاد ابن ليون والمصيصة وطرسوس ، وتلك الثغور ) (3) .

وفي لبنان توجد النصيرية في شمال عكار (4) ، وفي وادي التيم (5) ، كما توجد في جبال الظنيين .

ويقول ابن الوردي : ( أحاطت عساكر الشام بجبال الظنيين المنيعة ، وكانوا عصاة مارقين ، وترجّلوا عن الخيل ، وصعدوا في تلك الجبال من كل جانب ، وقتلوا وأسّروا جميع مَن فيها من النصيرية ) (6) .

ولم يحدّد ابن الوردي مكان وجود هذه الجبال ، ونعتقد أنّه المقصود بجبال الظنيين هو جبل الضنية أو الظنية ، الواقع إلى الشمال من بشري .

يقول أنطوان شكر الله حيدر : ( وهذا الجبل يحمِل إلى هذا اليوم اسم الجماعة الشيعية التي استقرّت به ، وهي الضنية أو الظنية على الأصحّ ، وهو

ـــــــــــــــــــــــ

(1) أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم .

(2) كتاب الأقاليم .

(3) معجم البلدان : الجزء5 ، ص22 .

(4) أحد الآباء اليسوعيين : مختصر تاريخ سورية ولبنان .

(5) الدكتور محمد علي مكي : لبنان من الفتح العربي إلى الفتح العثماني .

(6) تتمة المختصر في أخبار البشر .


الصفحة 42


الاسم الذي أُطلق على عدد من الفِرق الباطنية ، وبخاصة الإسماعيلية ) (1) .

وبهذا المعنى كتبَ الشيخ طه الولي ( وكان آل عمار على مذهب الشيعة الإمامية ، وقد امتدّ سلطانهم حتى شملت ـ بالإضافة إلى طرابلس ـ مناطق عكار ، والضنية ، وبلاد جبيل ، والبترون ، وما تزال الجبال المطلّة على طرابلس من جهة الشرق تحمل حتى اليوم اسم ( الضنية ) ، والضاد هنا حلّت مكان الظاء ، وهذه الكلمة أُطلقت في الماضي على هذه الجبال ؛ لأنّ أهلَها كانوا يُعرفون آنذاك باسم الظنية ، وهو الاسم الذي اشتهروا به ؛ لأنّهم كانوا على مذهب الشيعة ، الذين يقولون بالظنّ والتأويل في تفسير أحكام الشريعة الإسلامية ، الواردة في القرآن الكريم والسنّة الشريفة ) (2) .

وتوجد النصيرية أيضاً في العراق ، في الشرطة ، وهي كما يذكر ياقوت الحموي في معجم البلدان : ( كورة كبيرة من أعمال واسط ، بينها وبين البصرة ، لكنّها عن يمين المنحدر إلى البصرة ) .

كما توجد في بعض أجزاء شمال فلسطين .

أمّا في البلاد الأوروبية ، فتوجد النصيرية في كلٍّ من : تركيا ، واليونان ، وبلغاريا ، وألبانيا السفلى .

وبنتيجة الهجرة ، توطّنت جماعات كثيرة منهم في أمريكا الجنوبية ، وبشكلٍ خاص في الأرجنتين والبرازيل .

ــــــــــــــــــــــ

(1) مجلّة الحوادث : العدد 1143 تاريخ 29/9/1987.

(2) جريدة اللواء ، العدد 3381 ، تاريخ 29/6/1980.

الصفحة 43

عقائدُ النصيرية

 

ذهبت أقوال المؤرّخين حول عقائد النصيرية في كلّ اتجاه ، واختلطت الأقوال اختلاطاً عجيباً ، وتشابكت وبَلَغ تشابكها حدّاً استحالَ معه إيجاد نقطة تلاقٍ واحدة ، ما بين قول وقول ، وبالتالي أصبحت معرفة ما هو حقيقي ، وما هو موضوع مدسوس من أشقّ الأمور على الباحث .

وليس بخافٍ أنّ اصطلاح ( نصيرية ) ظهرَ في عدد كثُرت فيه الفتن ، والانقسامات والميول ، والأهواء والنزعات ، والمذاهب الفلسفية ، والعداوات المذهبية ، كما كثر فيه الدسّ والاختلاق والتحريف ، وتزييف الحقائق وتشويهها .

وأوّل ما يلاحظ أنّ عقائد النصيرية ـ كما وردتنا ـ مأخوذة كلّها من خصوم هذا المذهب ، ولم نرَ أيّاً من المؤرّخين مَن ذَكر اسم كتابٍ واحدٍ من كتب النصيرية ، أو ذَكر اسم رجلٍ واحدٍ من رجالاتها .

ولمّا كان أخذ المذهب من خصومه مغامرة جريئة ، تحتاج إلى كثيرٍ من التحرّي والدقّة ، لذلك فإنّنا تعامَلنا مع مختلف الأقوال بمنتهى الحيطة والحذر ، ووقفنا عند كلّ نقطة ، وحاولنا جهد المستطاع إرجاع الأشياء إلى أُصولها ، ولا غنى عن القول : إنّه لابدّ عند البحث عن عقائد النصيرية من التمييز ما بين نوعين من الكتابات :


الصفحة 44

الأوّل : كتابات المؤرّخين الأقدَمين .

الثاني : كتابات المؤرّخين المحدَثين ، ثمّ المعاصرين ، وهناك اختلافُ كبير ، بين هذين النوعين من الكتابات .

ونحن في هذا الفصل ، سنتكلّم عن عقائد النصيرية كما تحدّث عنها القدماء ، ثمّ كما تحدّث عنها المحدّثون ، ثمّ كما تحدّث عنها رجالات العلويين وشيوخهم ، وكما تظهر في كتاباتهم وأشعارهم .


الصفحة 45

النصيريةُ عند الأقْدمين

 

كان ما كتَبه حمزة بن علي (ت 433هـ) ، أحد مؤسّسي المذهب الدرزي ، في رسالته المسمّاة ( الرسالة الدامغة في الردّ على النصيري ) ، أوّل إشارة وصَلت إلينا عن عقائد النصيرية .

وهذه الرسالة جاءت ردّاً على كتاب ( الحقائق وكشف المحجوب ) ، الذي ألّفه شخصٌ من النصيرية لم نعرف اسمه ، أثارتهُ ـ على ما يبدو ـ دعوى القائلين بتأليه الحاكم ، فصنّفَ كتابه للتشنيع عليهم ، والطعن في مقالتهم ، كما يُفهم ممّا أورده حمزة في رسالته ، لم يكن لهذا الفاسق النصيري ـ لعنة المولى عليه ـ بُغية غير الفساد في دين مولانا جلّ ذِكره ، ودين المؤمنين ، ودين مولانا لا ينفسد أبداً .

لذلك رأينا حمزة يُحذّر من قبول كلام هذا النصيري ، مُعلناً أنّ ( مَن قَبِل كلامه عَبَد إبليس ، واعتقد التناسخ ، وحلّل الفروج ، واستحلّ الكذب والبهتان ) .

ومن خلال ردّ حمزة على ( النصيري ) قارنَ بين أقوال النصيرية ، وأقوال القائلين بإلوهية الحاكم ، موضّحاً حقيقة أقوال مؤلّهة الحاكم ، من ذلك مثلاً قوله : ( مَن اعتقدَ التناسخ مثل النصيرية المعنوية ، في علي بن أبي طالب وعَبَده ـ خسرَ الدنيا والآخرة ، ذلك هو الخسران المبين ) .

وقوله : ( ثمّ إنّه إذا ذكرَ علياً يقول : علينا سلامه ورحمته ، وإذا ذكرَ مولانا جلّ ذكره يقول : علينا سلامه . فيطلب الرحمة من المفقود المعدوم


الصفحة 46

 ويجحد الموجود الحاكم بذاته المنفرد عن مبدعاته ، ولا يكون في الكفر أعظم من هذا ، فصحّ عند الموحّد العارف بأنّ الشرك الذي لا يُغفر أبداً ( هو ) : بأن يُشرك بين علي بن أبي طالب وبين مولانا جلّ ذكره ، ويقول : علي مولانا الموجود ، ومولانا هو علي ، لا فرق بينهما ، والكفر ما اعتقدهُ هذا الفاسق من العبادة في علي بن أبي طالب والجحود لمولانا جلّ ذكره ) .

وإلى جانب اتّهام حمزة بن علي النصيرية ، باعتقادهم التناسخ ، وعبادة علي بن أبي طالب ، فقد اتّهمهم بأمورٍ أخلاقية تنال من سمعتهم وشرفهم ، من ذلك : ( إنّ النصيريين لا يُحرّمون القتل ولا السرقة ، ولا الكذب ولا الافتراء ، ولا الزنا حتى ولا اللواطة ، ولا يحجب عريقو النصيرية نساءهم وبناتهم عن بعضهم ، ولا يعبأون بكلّ ما يمكن حدوثه بين الرجال والنساء ، وإلاّ فلا يكمل إيمانهم ) .

وكان هذا الاتّهام ردّاًَ على اتّهام النصيريين ، القائلين بإلوهية الحاكم بأنّ ( جميع ما حرّموه من القتل والسرقة والكذب والبهتان والزنا والفاحشة ، فهو مطلق للعارف والعارفة ) ، ونحن لا نستطيع أن نطمئن إلى صحة اتّهامات كل واحدٍ منهما إلى الآخَر ؛ لأنّ الدافع إليها خلاف عقائدي شديد ، فلا عجب إذاً أن يَصمَ كلٌ منهما الآخَر بأقبح وأشنع التّهم ؛ للحطّ من مقامه .

وأوّل مَن تنبّه إلى بطلان الاتّهامات التي كالَها حمزة بن علي إلى النصيرية ، صاحبا ( ولاية بيروت ) ، رفيق التميمي ، ومحمد بهجت ، إذ قالا : ( لعلّ هذه الاتّهامات مختلَقة ، إذ لا يُعثر في كتب النصيرية ، ولا في أغانيهم أدنى إشارة تدلّ على صحتها ، وقد أجمعَ كلّ مَن احتكّ بهذه الطائفة واختبرها أنْ لا صحة لوجود تلك الرذائل الأخلاقية فيهم ، ولعلّ مؤلّف الرسالة الدامغة استهجنَ من النصيريين عدم الاحتجاب فضربَ أخماسه بأسداسه ، وتشفّى منهم بهذه التّهمة المشينة ) .

وقد تناسى المؤرّخون كتاب النصيري ، وتمسّكوا بكل ما جاء في رسالة حمزة التي ذاعت وانتشرت ، وكانت نقطة الانطلاق لكلّ مَن يريد أن يطعن في أخلاقيات النصيرية .


الصفحة 47

ومن القدماء الذين أشاروا إلى شيء من عقائد النصيرية أيضاً ، المعرّي في ( اللزوميات ) ، بقوله :

يـا آكِـلَ الـتُفّاحِ لا تَـبعَدَن      وَلا  يُـقِم يَـومُ رَدىً ثـاكِلَك
قـالَ الـنُصَيريُّ وَمـا قُـلتُهُ      فَاِسمَع وَشَجِّع في الوَغى ناكَلَك
قَـد كُـنتَ فـي دَهرِكَ تُفّاحَةً      وَكــانَ تُـفّـاحُكَ ذا آكِـلَك
وَحَرفَ  هاجٍ لُحتَ فيما مَضى      وَطـالَـما تَـشـكُلُهُ شـاكَلَك

وفي ( رسالة الغفران ) عند حديثه عن التناسخ ، إذ قال : ( وتؤدّي هذه النحلة إلى التناسخ ، وهو مذهبٌ عتيقٌ يقول به أهل الهند ، وقد كثر في جماعة من الشيعة ، نسأل الله التوفيق والكفاية ، وينشد لرجلٍ من النصيرية :

أعَجَبي أمنّا لصرف الليالي   جعلتْ أختَنا سكينة قاره

فازجري هذه السنانير عنها   واتركيها وما تضمّ الغراره

وقال آخَرٌ منهم :

تبارك الله كاشفَ المِحن   فقد أرانا عجائب الزمن

حمار شيبان شيخُ بلدتنا   صيّره جارنا أبو السكن

بدّل من مَشيته بحلته    مَشيته في الحزام والرسن

وهذه الأبيات ـ التي رواها المعرّي عن اثنين من النصيرية لم يسمِّهما ـ لا تعطينا أيّة فكرة عن مذهب النصيرية ، وهي تفيد السخرية والدعابة لا أكثر .

وأوّل مَن تعرّض للحديث عن النصيرية ـ من كتّاب الفِرق ـ الشهرستاني في ( الملل والنحل ) ، وجميع الذين كَتبوا عن الفِرق الإسلامية من قَبله ، وهم : ابن قتيبة (ت 276هـ) ، النوبختي (ت: 288هـ) ، الأشعري القمي (ت: 301هـ) ، أحمد بن حمدان الرازي (ت 332هـ) ، الأشعري (ت 324هـ) ، البلخي (ت: 340هـ) ، المسعودي (ت 346هـ) ، الملطي (ت 377هـ) ، البغدادي (ت: 429هـ) ، لم يأتِ


الصفحة 48


 
أيٌ منهم على ذكر للنصيرية ، والشهرستاني عندما تكلّم عن النصيرية ، لم يتكلّم عنها لوحدها ، وإنّما تكلّم عنها وعن الإسحاقية معاً ، معتبراً إيّاهما فرقة واحدة ، قال :

( النصيرية والإسحاقية من جملة غلاة الشيعة ، ولهم جماعة ينصرون مذهبهم ، ويذبّون عن أصحاب مقالاتهم ، وبينهم خلافٌ في كيفية إطلاق اسم الإلهية على الأئمة أهل البيت ) .

قالوا : ظهور الروحاني بالجسد الجسماني أمرٌ لا ينكره عاقل ، أمّا في جانب الخير فكظهور جبريل ( عليه السلام ) ببعض الأشخاص والتصوّر بصورة أعرابي ، والتمثّل بصورة البشر ، وأمّا في جانب الشر فكظهور الشيطان بصورة إنسان حتى يعمل الشرّ بصورته ، وظهور الجن بصورة بشر حتى يتكلّم بلسانه .

فكذلك نقول : إنّ الله تعالى ظهرَ بصورة أشخاص ، ولمّا لم يكن بعد رسول الله ( صلّى الله عليه وسلّم ) شخص أفضل من علي ( رضي الله عنه ) وبعده أولاده المخصوصون ، وهُم خيرُ البريّة ، فظهرَ الحقّ بصورتهم ، ونطق بلسانهم ،  وأخذ بأيديهم ، فعن هذا أطلقنا اسم الإلهية عليهم ، وإنّما أثبتنا الاختصاص لعلي ( عليه السلام ) دون غيره ؛ لأنّه كان مخصوصاً بتأييد إلهي من عند الله تعالى ، فيما يتعلّق بباطن الأسرار .

قال النبي ( صلّى الله عليه وسلّم ) : ( أنا أحكم بالظاهر والله يتولّى السرائر ) ، وعن هذا كان قتال المشركين إلى النبي  ( صلّى الله عليه وسلّم ) ، وقتال المنافقين إلى علي ( رضي الله عنه ) ، ومن هذا شبّهه بعيسى بن مريم ( عليه السلام ) فقال النبي ( صلّى الله عليه وسلّم ) : ( لولا أن يقولَ الناس فيكَ ما قالوا في عيسى بن مريم عليه السلام لقلتُ فيكَ مقالاً ) ، وربّما أثبتوا له شركة في الرسالة ؛ إذ قال النبي ( صلّى الله عليه وسلّم ) : ( فيكم مَن يقاتل على تأويله ، كما قاتلتُ على تنزيله ، ألا وهو خاصف النعل ) .

فعِلم التأويل ، وقتال المنافقين ، ومكالمة الجن ، وقلع باب خيبر لا بقوّة جسدانية ، من أوّل الدليل على أنّ فيه جزءاً إلهياً وقوّة ربّانية ، أو يكون هو الذي ظهرَ الإله بصورته وخلق بِيَده وأمر بلسانه . وعن هذا قالوا : كان هو موجوداً قبل خلق السماوات والأرض ، قال : ( كنّا أظلّة على يمين العرش ، فسبّحنا فسبّحت الملائكة بتسبيحنا ) ، فتلك الظِلال وتلك الصور التي تُنبئ عن الظِلال هي


الصفحة 49

 
 
حقيقته ، وهي مشرقة بنور الربّ ، إشراقاً لا ينفصل عنها ، فسواء كانت في هذا العالَم أو في ذلك العالم ، وعن هذا قال علي ( رضي الله عنه ) : ( أنا مِن أحمد كالضوء من الضوء ، لا فرق بين النورين ، إلاّ أنّ أحدهما سابقٌ ، والثاني لاحقٌ به تالٍ له ) .

قالوا : وهذا يدلّ على نوع من الشركة ، فالنصيرية أمْيَل إلى تقرير الجزء الإلهي ، والإسحاقية أمْيَل إلى تقرير الشركة في النبوّة ، ولهم اختلافات أُخرى لا نذكرها .

وقد نجزت الفِرق الإسلامية وما بقيت إلاّ فرقة الباطنية....) .

وتستوقفنا في هذا النص الملاحظات التالية :

1 ـ لم يذكر الشهرستاني أسماء أصحاب مقالة النصيرية والإسحاقية ، كما أنّه لم يَنسب أيّاً من الفرقتين إلى شخصٍ معيّن بالذات .

2 ـ ذكرَ للبيانية مقالة تشبه مقالة النصيرية شبهاً كاملاً ، هي : ( أتباع بيان بن سمعان التميمي ، قال : حلّ في علي جزء إلهي ، واتّحد بجسده ، فبه كان يعلم الغيب ؛ إذ أخبرَ عن الملاحم وصحّ الخبر، وبه كان يحارب الكفار وله النصرة والظفر ، وبه قلع باب خيبر ، وعن هذا قال : ( والله ، ما قلعتُ باب خيبر بقوّة جسدانية ، ولا بحركة غذائية ، ولكن قلعته بقوّة رحمانية ملكوتية بنور ربّها مضيئة ) .

3 ـ إذا تأمّلنا قوله : ( وقد نجزت الفِرق الإسلامية وما بقيت إلاّ فرقة الباطنية ) ، وقارنّاه بما ذكره عن الإسماعيلية ( وأشهر ألقابهم الباطنية ، وإنّما لزمَهم هذا اللقب لحُكمهم بأنّ لكلّ ظاهر باطناً ، ولكلّ تنزيل تأويل ، ولهُم ألقابٌ كثيرة ، سوى هذه على لسان قوم قوم ، فبالعراق يسمّون الباطنية ، والقرامطة ، والمزدكية ، وبخراسان التعليمية ، والملحدة...) تبيّن لنا أنّ النصيرية غير القرامطة والباطنية ، وأنّه لا رابطة تجمع ما بينهم وبين هؤلاء .

4 ـ يُفهم من كلامه : أنّ مقالة الإسحاقية هي ذاتها مقالة النصيرية ، والخلاف ما بينهما محصور فقط في كيفية إطلاق اسم الإلهية على الأئمة أهل البيت ، وأنّ النصيرية أمْيَل إلى تقرير الجزء الإلهي ، بينما الإسحاقية


الصفحة 50

أمْيَل إلى تقرير الشركة في النبوّة .

لكنّه أوقَع نفسه في تناقضٍ كبير ، حينما ذكر للإسحاقية مقالة تختلف تماماً مع ما تقدّم بيانه ؛ وذلك عند حديثه عن الكرامية ، قال :

( أصحاب أبي عبد الله محمد بن كرام ،... وهُم طوائف بَلَغ عددهم اثنتي عشرة فرقة ، وأصولها ستة : العابدية ، والتونية ، والزرينية ، والإسحاقية ، والواحدية ، وأقربهم الهيصمية ، ولكلّ واحدٍ منهم رأي ، إلاّ أنّه لمّا لم يصدر ذلك عن علماء معتبرين ، بل عن سفهاء اغتام جاهلين ، لم نفردها مذهباً ، وأوردنا مذهب صاحب المقالة ، وأشرنا إلى ما يتفرّع منه .

نصّ أبو عبد الله على أنّ معبوده على العرش استقراراً ، وعلى أنّه بجهة فوق ذاتاً ، وأطلقَ عليه اسم الجوهر ، فقال في كتابه المسمّى عذاب القبر : إنّه أحَدي الذات ، أحَدي الجوهر ، وإنّه مماس للعرش من الصفحة العليا ، وجوّز الانتقال ، والتحوّل ، والنزول ،... وأطلق أكثرهم لفظ الجسم عليه....

ومن مذهبهم جميعاً : جواز قيام كثير من الحوادث بذات الباري تعالى ، ومن أصلهم : أنّ ما يحدث في ذاته فإنّما يحدث بقدرته ، وما يحدث مبايناً لذاته فإنّما يحدث بواسطة الأحداث... ويفرّقون بين الخلق والمخلوق ، والإيجاد والموجود والموجِد ، وكذلك بين الإعدام والمعدوم.....

وزعموا أنّ في ذاته سبحانه حوادث كثيرة ، مثل : الإخبار عن الأمور الماضية والآتية ، والكتب المنزلة على الرسل ( عليهم السلام ) ، والقصص والوعد والوعيد والأحكام ، ومن ذلك المُسمعات والمُبصرات فيما يجوز أن يُسمع ويُبصر ، والإيجاد والإعدام هو القول والإرادة ، وذلك قوله ( كُن ) للشيء الذي يريد كونه ، وإرادته لوجود ذلك الشيء ، وقوله للشيء كُن ، صورتان .

وعلى قول الأكثرين منهم : الخلق عبارة عن القول والإرادة .

ومن أصلهم : أنّ الحوادث التي يحدثها في ذاته واجبة البقاء ، حتى يستحيل عدمها.

ومن أصلهم : أنّ المُحدث إنّما يحدث في ثاني حال ثبوت الأحداث بلا فصل ، ولا أثَر للأحداث في حال بقائه .

ومن أصلهم : أن ما يحدث في ذاته من الأمر فمنقسم إلى أمر

 

الصفحة 51

التكوين ، وإلى ما ليس أمر التكوين ،..... وممّا أجمعوا عليه من إثبات الصفات قولهم : الباري تعالى عالِم بعلم ، قادر بقدرة ، حيٌّ بحياة ، شاءٍ بمشيئة ، وجميع هذه الصفات صفات قديمة أزلية قائمة بذاته .

واتّفقوا على أنّ العقل يحسّن ويقبّح قبل الشرع ، وتجب معرفة الله تعالى بالعقل .

وقالوا : الإيمان هو الإقرار باللسان فقط دون التصديق بالقلب ، ودون سائر الأعمال .

وقالوا في الإمامة : إنّها تثبت بإجماع الأمّة ، دون النصّ والتعيين كما قال أهل السنّة ، إلاّ أنّهم جوّزوا عقد البيعة لإمامين في قطرين .

ومذهبهم الأصلي : اتّهام علي ( رضي الله عنه ) في الصبر على ما جرى مع عثمان ( رضي الله عنه ) والسكوت عنه ، وذلك عرق نزع ) .

وإزاء هذا التناقض بتنا لا نعلم أيّ القولين هو الصحيح . وتزداد حيرتنا إذا عَلمنا أنّ كتّاب الفِرق ، نقلوا عن الإسحاقية كلاماً يختلف جذرياً ، عمّا أوردهُ الشهرستاني .

فالخطيب البغدادي في ( تاريخ بغداد ) يذكر (1) :

( سمعتُ أبا القاسم عبد الواحد بن علي الأسدي يقول : إسحاق بن محمد بن أبان النخعي الأحمر كان خبيث المذهب ، رديء الاعتقاد ، يقول : إنّ علياً هو الله جلّ جلاله وأعز ، قال : وكان أبرص ، فكان يطلي البرص بما يُغيّر لونه فسمّي الأحمر لذلك ، قال : وبالمدائن جماعة من الغلاة يُعرفون بالإسحاقية ، يُنسبون إليه .

سألتُ بعض الشيعة ممّن يعرف مذاهبهم ، ويخبر أحوال شيوخهم عن إسحاق ، فقال : لي مثل ما قاله عبد الواحد بن علي سواء .

وقال : لإسحاق مصنّفات في المقالة المنسوبة إليه ، التي يعتقدها الإسحاقية ، ثمّ وقَع إليّ كتاب لأبي محمد الحسن بن يحيى النوبختي من تصنيفه ، في الردّ على الغلاة ، وكان النوبختي هذا من متكلّمي الشيعة الإمامية ، فذكرَ أصناف مقالات الغلاة ، إلى أن قال : وقد كان ممّن جوَّد الجنون في الغلو في عصرنا ، إسحاق بن محمد المعروف بالأحمر ، وكان ممّن يزعم

ـــــــــــــــــــــــ

(1) المجلّد 6 ، ص380 .


الصفحة 52


أنّ علياً هو الله ، وأنّه يظهر في كلّ وقت ، فهو الحسن في وقت الحسن ، وكذلك هو الحسين ، وهو واحد ، وأنّه هو الذي بعثَ بمحمد ( صلّى الله عليه وسلّم ) ، وقال في كتابٍ له : لو كانوا ألْفاً لكانوا واحداً .

وكان راوية للحديث ، وعمل كتاباً ذَكر أنّه كتاب التوحيد ، فجاء فيه بجنون وتخليط لا يتوهّمان ، فضلاً مَن يدلّ عليهما ، وكان ممّن يقول : باطن صلاة الظهر محمد ( صلّى الله عليه وسلّم ) ؛ لإظهاره الدعوة ، قال : ولو كان باطنها هو هذه التي هي الركوع والسجود ، لم يكن لقوله : ( إِنّ الصّلاَةَ تَنْهَى‏ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَر ِ) يعني أنّ النهي لا يكون إلاّ من حي قادر .

وعن الإسحاقية ، قال ابن الجوزي في ( تلبيس إبليس ) : ( قالوا : إنّ النبوّة متّصلة إلى يوم القيامة ، وكلّ مَن يعلم علم أهل البيت فهو نبي ) .

فخر الدين الرازي في ( اعتقادات فِرق المسلمين والمشركين ) ، يسمّي الإسحاقية ( الإسجافية ) ويقول عنها : ( ويزعمون أنّ الله تعالى كان يحلّ في علي في بعض الأوقات ، وفي اليوم الذي قلعَ علي باب خيبر كان الله تعالى قد حلّ فيه ) .

5 ـ ما تجدر الإشارة إليه : أنّ الشهرستاني كان يتلاعب في الأقوال ، ويورد النصّ بصيغة بعيدة عن الحقيقة ، مثال ذلك قوله : ( عن هذا قالوا : كان هو موجوداً قبل خلق السموات والأرض ، قال... ) ، بحيث يُفهم من صيغة هذا الكلام : أنّ قائله هو جماعة النصيرية أو الإسحاقية ، مع أنّ الحقيقة خلاف ذلك ، وعبارة ( كان هو موجوداً قبل خلق السماوات والأرض )... ليست من كلام النصيرية أو الإسحاقية ، وإنّما هي نصّ حديث شريف ، جاء في كتاب ( غاية المرام ) للعلاّمة البحريني ، عن ( فرائد السمطين ) ، و( مسند أحمد ) ، و( فضائل الخوارزمي ) ، و( مناقب الخطيب ) أنّ النبي ( صلّى الله عليه وسلّم ) ، قال :كنتُ أنا وعلي نوراً بين يدي الله تعالى ، قبل أن يخلق الخلق ، فلمّا خلقَ آدم ركّبَ ذلك النور في صلبه ، فلم يزل في شيء واحد حتى أفرق في صلب عبد المطلب ) .

وهو حديث مشهور ذكره المعري في قصيدته ذات المطلع :


الصفحة 53

علّلاني فإنّ بيضَ الأماني     فنيتُ والزمان ليس بفانِ

يقول:

أحَد الخمسة الذين هُم الأغراض      في كلّ منطقٍ والمعاني

والشخوص الذين خَلقن ضياء     قبل خلق المِرّيخ والميزان

قبل أن تُخلق السماوات أو تؤمر       أفلاكهنّ بالدوران...

هذا التلاعب في الأقوال من قِبَل الشهرستاني ، يجعلنا نتساءل : هل كان الشهرستاني يختلق الأقوال ويحرِّفها ؟ لا نستبعد ذلك ، وهو على كلّ حال متّهم في عقيدته ، وفي نزاهته ، وفي أمانته العلمية .

يقول معاصره أبو محمد الخوارزمي : ( ولولا تخبّطه في الاعتقاد ، ومَيله إلى هذا الإلحاد لكانَ هو الإمام ، وكثيراً ما كنّا نتعجّب من وفور فضله وكمال عقله ، وكيف مالَ إلى شيء لا أصل له ، واختارَ أمراً لا دليل عليه لا معقولاً ولا منقولاً ، ونعوذ بالله من الخذلان والحرمان من نور الإيمان ) (1) ، ومثل هذا الكلام عن الشهرستاني يروي السبكي في ( طبقات الشافعية ) .

ويذكر ظهير الدين البيهقي في ( تاريخ حكماء الإسلام ) : إنّ الشهرستاني كان يصنّف تفسيراً ويؤّول الآيات على قوانين الشريعة والحكمة وغيرها ، فلمّا قيل له : هذا عدول عن الصواب ، امتلأَ من ذلك غضباً .

وكان ممّن جرَحوا الشهرستاني أيضاً ، عبد الحسين أحمد الأميني في ( الغدير ) ، الذي سجّلَ عليه كثيراً من المآخذ والسقطات ؛ وذلك في تعليقه على قول الشهرستاني : ( اختلفَ الشيعة بعد موت علي بن محمد العسكري أيضاً ، فقال قوم : بإمامة جعفر بن علي ، وقال قوم : بإمامة الحسن بن علي ، وكان لهم رئيس يقال له علي بن فلان الطاحن ، وكان من أهل الكلام ، قوّى أسباب جعفر بن علي ،

ــــــــــــــــــــــ

(1) ياقوت الحموي : معجم البلدان ، مادة شهرستان .


الصفحة 54


وأمالَ الناس إليه ، وأعانه فارس بن حاتم بن ماهويه ؛ وذلك أنّ محمداً قد مات ، وخلّف الحسن العسكري ، قالوا : امتحنّا الحسن ولم نَجِد عنده عِلماً ، ولقّبوا مَن قال بإمامة الحسن الحمارية ، وقوّوا أمر جعفر بعد موت الحسن ، واحتجّوا بأنّ الحسين مات بلا خلف ، فبطلت إمامته ؛ لأنّه لم يعقّب ، والإمام لا يكون إلاّ ويكونَ له خلفٌ وعَقب ، وحاز جعفر ميراث الحسن بعد دعوةٍ ادّعاها عليه ، أنّه فعلَ ذلك من صلب جواريه وغيره ، وانكشفَ أمرهم عند السلطان والرعية وخواصّ الناس وعوامّهم ، وتشتّتت كلمة مَن قال بإمامة الحسن ، وتفرّقوا أصنافاً كثيرة ، فثبتت هذه الفرقة على إمامة جعفر ، ورجع إليهم كثير ممّن قال بإمامة الحسن ، منهم الحسن بن علي بن فضّال ، وهو من أجَلّ أصحابهم وفقهائهم ،  كثير الفقه والحديث ، ثمّ قالوا بعد جعفر ، بعلي بن جعفر ، وفاطمة بنت علي أخت جعفر ، وقال قومٌ : بإمامة علي بن جعفر دون فاطمة السيدة ، ثمّ اختلفوا بعد موت علي وفاطمة اختلافاً كثيراً ) .

فكان ردّ الأميني على هذا الكلام : ( ليتَ شِعري متى وقعَ الخلاف في الإمامة بين الإمام الحسن العسكري ( عليه السلام ) ، وبين أخيه جعفر ، الذي ادّعى الإمامة بعد وفاة أخيه ؟ ومَن هو علي بن فلان الطاحن ، الذي قوّى أسباب جعفر ، وأمالَ الناس إليه ؟! ومتى خُلق ؟!  ومتى مات ؟ ولستُ أدري أي هي بن بي هو ؟ وهل وجَد لنفسه مقيلاً في مستوى الوجود ؟

أنا لا أدري والشهرستاني لا يدري والمنجّم أيضاً لا يدري ، وكيف أعانَ جعفراً فارس بن حاتم بن ماهويه ، وقد قتلهُ جنيد بأمر والده الإمام علي الهادي ( عليه السلام ) ، ومَن هو محمد الذي خَلف الإمام الحسن العسكري ؟! أهو الإمام محمد الجواد ؟! ولم يَخلف إلاّ ابنه الإمام الهادي سلام الله عليه ، أو هو أبو جعفر محمد بن علي صاحب البقعة المعظّمة بمقربة بلد ، وقد مات بحياة أبيه الطاهر والإمامة مستقرّة لوالده ، ومتى كان إماماً أو مدّعياً الإمامة حتى يخلف غيره عليها ؟! ومَن هؤلاء الذين امتحنوا الحسن الزكي العسكري فلم يجدوا عنده عِلماً ؟!  ثمّ وجدوه في جعفر ، الذي لم يُعرف عنه شيء غير أنّه ادّعى الإمامة باطلاً بعد أخيه ؟!


الصفحة 55

وقصارى ما عندنا : أنّه أدرَكته التوبة ، ولم يوجد له ذكر بعلم أو ترجمة في أيّ من الكتب ، ولا نَشرت عنه كتب الأحاديث شيئاً من علومه المدّعاة له عند الشهرستاني ، لو صدقت الأوهام ، وهذا الحسن العسكري ( عليه السلام ) تجده في التراجم والمعاجم من الفريقين مذكوراً بالعلم والثقة ، وملأ كتب العلم والحديث تعاليمه ومعارفه ، ومَن هُم الذين لقّبوا أتباع الحسن ( عليه السلام ) بالحمارية ؟!

نعم ، أهل بيت النبوّة محسودون في كل وقت ، فكان يحصل لكلّ منهم في وقته مَن يسبّه حسداً ، ويسبّ أتباعه ، لكن لا يذهب لقباً له أو لأشياعه ، وإنّما يتدهور في مهوى الضعة .

ومتى كان الحسن بن علي بن فضّال في عهد الإمام الحسن العسكري ؟! حتى يرجع عنه جعفر إلى جعفر ، وقد توفّي ابن فضّال سنة 221 ونطفة الحسن وجعفر بعدُ لم تنعقد ، وقبل أن يبلغ الحُلم والدهما الطاهر الإمام الهادي المتولّد سنة 212هـ ، ومَن ذا الذي ذَكر للإمام الهادي بنتاً اسمها فاطمة ؟! حتى يقولَ أحدٌ بإمامتها ؛ فإنّ الإمام ( عليه السلام ) لم يُخلّف من الذكور إلاّ الحسن والحسين وجعفراً ، ومن الإناث إلاّ عليّة ، باتّفاق المؤرّخين ) .

ومهما يكن من أمر ، فإنّ لظهور الروحاني بالجسد الجسماني ، أدلّة كثيرة في الكتاب والسنّة ، قال تعالى في سورة مريم : ( وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَاناً شَرْقِيّاً * فَاتّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَاباً فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً * قَالَتْ إِنّي أَعُوذُ بِالرّحْمنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيّاً...) .

وفي السنّة عن عمر ( رحمه الله ) ، قال : ( بينما نحن جلوس عند رسول الله ( صلّى الله عليه وسلّم ) ذات يوم ، إذ طلعَ علينا رجلٌ شديد بياض الثياب ، شديد سواد الشعر ، لا يرى عليه أثر السفر ، ولا يعرفه منّا أحد ، حتى جلسَ إلى النبي ( صلّى الله عليه وسلّم ) فأسندَ ركبتيه إلى ركبتيه ، ووضع كفّيه على فخذيه ، وقال : يا محمد ، أخبِرني عن الإسلام ؟ فقال رسول الله ( صلّى الله عليه وسلّم ) : ( الإسلام : أن تشهد أن لا إله إلاّ الله ، وأنّ محمداً رسول الله ، وتقيم الصلاة ، وتؤتي الزكاة ، وتصوم رمضان ، وتحجّ البيت إن


الصفحة 56


 استطعتَ إليه سبيلاً ) قال : صدقتَ . فعجبنا له ، يسأله ويصدّقه! .

قال : فأخبِرني عن الإيمان ؟ قال : (أن تؤمن بالله وملائكته ، وكتبهُ ورسله ، واليوم الآخر ، وتؤمن بالقدر خيره وشرّه) .

قال : صدقتَ .

قال : فأخبِرني عن الإحسان ؟

قال : (أن تعبد الله كأنّك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنّه يراك) .

قال : فأخبِرني عن الساعة ؟

قال : (ما المسئول عنها بأعلم من السائل) .

قال : فأخبِرني عن إماراتها ؟

قال : (أن تلد الأمَة ربّتها ، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان) .

ثمّ انطلقَ ، فلبثتُ مليّاً ، ثمّ قال : (يا عمر ، أتدري مَن السائل ؟) ، قلتُ : الله ورسوله أعلم ، قال : (فإنّه جبريل ، أتاكم يعلّمكم دينكم ) (رواه مسلم ، متن الأربعين النووية ، الحديث الثاني ) .

فنحن إذاً لا نستطيع أن نُنزّل كلام الشهرستاني منزلة اليقين ونعطيه الحجّية المطلقة ، وعلينا أن نتعامل معه بمنتهى الحذر ، وأن نضعه في غربال التدقيق والتمحيص . ومع ذلك ، فإنّ ما كُتب عن النصيرية في مرحلة ما بعد الشهرستاني لا يتلاقى مع ما كَتبه الشهرستاني ، ولا في نقطةٍ واحدة ، مثال ذلك : ما رواه ابن الأثير في ( الكامل ) عند حديثه عن الشلمغاني ومذهبه ، قال (1) : ( وكان مذهبهُ أنّه إله الآلهة ، يحقّ الحقّ . وأنّه الأوّل القديم الظاهر الباطن الرازق التام ، الموما إليه بكلّ معنى . وكان يقول : إنّ الله سبحانه وتعالى يحلّ في كل شيء على قدر ما يحتمل ، وإنّه خلقَ الضدّ ليدلّ على المضدود ، فمِن ذلك أنّه حلّ في آدم لمّا خلقهُ ، وفي إبليسه أيضاً ، وكلاهما ضدّ لصاحبه ؛ لمضادّته إيّاه في معناه ، وأنّ الدليل على الحقّ أفضل من الحق ، وأنّ الضد أقرب الشيء من شبهه ، وأنّ الله عزّ وجل إذا حلّ في جسد ناسوتي ظهرَ من القدرة والمعجزة ما يدلّ على أنّه هو ، وأنّه لمّا غابَ آدم ظهرَ اللاهوت في خمسة ناسوتية ، كلمّا غابَ منهم واحد ظهرَ مكانه آخَر . وفي

ــــــــــــــــــــــــ

(1) حوادث سنة 322هـ .

 

الصفحة 57

خمسة أبالسة أضداد لتلك الخمسة . ثمّ اجتمعت اللاهوتية في إدريس وإبليسه ، وتفرّقت بعدهما ، كما تفرّقت بعد آدم . واجتمعت في نوح ( عليه السلام ) وإبليسه ، وتفرّقت عند غيبتهما . واجتمعت في إبراهيم ( عليه السلام ) وإبليسه نمرود ، وتفرّقت لمّا غابا . واجتمعت في هارون وإبليسه فرعون ، وتفرّقت بعدهما . واجتمعت في سليمان وإبليسه ، وتفرّقت بعدهما . واجتمعت في عيسى وإبليسه ، فلمّا غابا تفرّقت في تلامذة عيسى وأبالستهم . ثمّ اجتمعت في علي بن أبي طالب وإبليسه .

ثمّ إنّ الله يظهر في كلّ شيء ، وكلّ معنى ، وإنّه في كلِ أحَد ، بالخاطر الذي يخطر بقلبه ، فيتصوّر له ما يغيب عنه ، حتى كأنّه يشاهده . وإنّ الله اسم لمعنى ، وإنّ مَن احتاج الناس إليه فهو إله ؛ ولهذا المعنى يستوجب كل أحَد أن يسمّى إلهاً . وإنّ كل أحَد من أشياعه يقول : إنّه ربّ لِمَن هو دون درجته ، وإنّ الرجلَ منهم يقول : أنا ربٌّ لفلان ، وفلان ربٌّ لفلان ، وفلان ربُّ ربّي ، حتى يقع الانتهاء إلى ابن أبي القراقر ، فيقول : أنا ربُّ الأرباب ، لا ربوبية بعده ، ولا يُنسب الحسن والحسين (رضي الله عنهما) إلى علي (كرم الله وجهه) ؛ لأنّ مَن اجتمعت له الربوبية لا يكون له ولَد ولا والد .

وكانوا يسمّون موسى ومحمداً ( صلّى الله عليه وسلّم ) الخائنين ؛ لأنّهم يدّعون أنّ هارون أرسلَ موسى ، وعلياً أرسلَ محمداً ، فخاناهما .

ويزعمون أنّ علياً أمهلَ محمداً عدد سِنين أصحاب الكهف ، فإذا انقضت هذه المدّة ـ وهي ثلاثمئة وخمسون سنة ـ انتقلت الشريعة ، ويقولون : إنّ الملائكة كلّ مَن مَلَك نفسه وعرفَ الحق ، وإنّ الجنة مَعرفتهم وانتحال مذهبهم ، والنار الجهل بهم والعدول عن مذهبهم .

ويعتقدون تَرك الصلاة والصيام وغيرهما من العبادات ، ولا يتناكحون بعقدٍ ، ويبيحون الفروج ، ويقولون : أن يمتحنَ الناس بإباحة فروج نسائهم ، وإنّه يجوز أن يجامع الإنسان مَن يشاء من ذوي رحمه ، وحَرَم صديقه وابنه ، بعد أن يكون على مذهبه ، وأن لابدّ للفاضل منهم أن ينكح المفضول ؛ ليولج النور فيه ، ومَن امتنعَ عن ذلك قُلب في الدَّور الذي يأتي بعدَ هذا العالَم امرأة ؛ إذ كان من مذهبهم التناسخ .

وكانوا يعتقدون إهلاك الطالبيين والعباسيين (تعالى الله عمّا يقول الظالمون والجاحدون علوّاً كبيراً) ، وما أشبه هذه المقالة بمقالة النصيرية ، ولعلّها هي هي ؛ فإنّ النصيرية يعتقدون في ابن


الصفحة 58

الفرات ويجعلونه رأساً في مذهبهم ...) .

وإذا كان ابن الأثير شبّه مقالة الشلمغاني بمقالة النصيرية ، وصرّح : ( لعلّها هي هي ) ؛ فإنّ الحقيقة خلاف ما يزعمه ، والأدلّة على ذلك كثيرة ، منها :

1 ـ الشلمغاني مات قتلاً سنة 322هـ ، واصطلاح النصيرية ـ كما رأينا ـ ظهرَ لأوّل مرّة في مطلع المئة الرابعة .

2 ـ ياقوت الحموي ـ الذي نقلَ ابن الأثير عنه ـ لم يقُل : إنّ مقالة الشلمغاني تشبه مقالة النصيرية ، ولم ترد على لسانه كلمة نصيرية (1) .

وكذلك فإنّ جميع المؤرّخين الذين كتبوا عن الشلمغاني : كالمسعودي (ت 345هـ) ، وابن النديم (ت 385هـ) ، والبغدادي (ت 429هـ) ، والأسفرايني (ت 471هـ) ، وابن الجوزي (ت 597هـ) ، والحموي (ت 626هـ) ، وابن خلّكان (ت 681هـ) ، وأبي الفداء (ت 732هـ) ، واليافعي اليمني (ت 768هـ) ، والسيوطي (ت 911هـ) ، وابن العماد (ت 1089هـ) ، والمؤلّف المجهول ، لم يقُل أيّ منهم : إنّ مقالة الشلمغاني تشبه مقالة النصيرية ، ومنهم مَن جاء قبل ابن الأثير ، ومنهم بعده .

3 ـ ما وردنا من أخبار عن مقالة النصيرية على لسان الشهرستاني ، لا يأتلف مع ما ذكره ابن الأثير .

4 ـ ثمّة أقوال أوردها ابن الأثير على أنّها من مذهب الشلمغاني ، قرأناها في كتب الفِرق منسوبة إلى القرامطة ، كالقول بالتناسخ وإباحة نساء بعضهم لبعض ، والقول بالناسوت في اللاهوت ، وإسقاط فرائض العبادات .

يقول الملطي في ( التنبيه والرد ) عن القرامطة : ( وقومٌ منهم يقولون

ـــــــــــــــــــــ

(1) إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب : الجزء الأوّل ، ص (296) تحت عنوان ( إبراهيم بن أبي عون ) .


الصفحة59

 بتناسخ الروح ، وهم يقولون : بالناسوت في اللاهوت ، على قول النصارى سواء ، وزعموا أنّ نساء بعضهم حلال لبعض ، وكذلك أولادهم وأبدانهم ، مباحة من بعضهم لبعض ، لا تحظير بينهم ولا منع ...) .

وفي كُتب الفِرق : أنّ فرقة المخمِّسة هي التي تقول : إنّ الله حلّ في خمسة أشخاص .

وذكرَ البغدادي في ( الفَرق بين الفِرق ) عند حديثه عن الشريعية : أنّ الشريعي هو الذي زعمَ أنّ الله تعالى حلّ في خمسة أشخاص ، وهُم : النبي ( صلّى الله عليه وسلّم ) ، وعلي ، وفاطمة ، والحسن ، والحسين ، وزعموا أنّ هؤلاء الخمسة آلهة ، ولها أضداد خمسة .

ولم يقُل أيُّ أحدٍ من كتّاب الفِرق : إنّ المخمسة ، أو الشريعية هي النصيرية ، أو أنّ مقالتها تشبه مقالة النصيرية .

5 ـ على رأي الشلمغاني ، كما ذكرَ ابن الأثير : يوجد أربابٌ عديدون على شكلٍ هَرَمي ، رأسه الشلمغاني ( ربّ الأرباب ، لا ربوبية بعده ) ، بينما مقالة النصيرية ـ كما ذكرَ الشهرستاني ـ : أنّ في علي ( عليه السلام ) جزءٌ إلهي وقوةٌ ربّانية ، أو يكون هو الذي ظهرَ الإله بصورته .

6 ـ ولنا أن نتساءل : مَن هو ( ابن الفرات ) الذي قال ابن الأثير : إنّ النصيرية يعتقدون فيه ، ويجعلونه رأساً في مذهبهم ، وما مقام هذا الكلام هنا ؟!

ابن الأثير لم يُصرّح باسمه ، وكُتب التاريخ ذكرتْ لنا أسماءً كثيرةً من بني الفرات ، منهم : علي بن محمد بن موسى بن الفرات وزير المقتدر ، وأسد بن الفرات فاتح صقلية ، وإسحاق بن الفرات قاضي ديار مصر ، وجعفر بن الفضل بن الفرات ، والفضل بن جعفر بن موسى بن الفرات ، وأحمد بن الفرات ، والمحسن بن فرات ، ووثيمة بن الفرات ، وعمر بن الفرات .

وكتّاب الفِرق ذَكروا اثنين من بني الفرات :

الأوّل : هو عمر بن الفرات ، والفرقة التي تُنسب إليه تسمّى بالعمرية ، على ما يذكر الحافظ رجب البرسي


الصفحة 60

 في ( مشارق أنوار اليقين ) . والثاني : هو محمد بن موسى بن الحسن بن الفرات ، الذي كان يقوّي أسباب النميري ، على ما روى النوبختي في ( فِرق الشيعة ) .

ويميل ذهننا إلى الظنّ بأنّ المقصود هو علي بن محمد بن موسى بن الفرات ، وزير المقتدر ؛ لأنّ ابن الأثير في أخبار سنة اثنتي عشرة وثلاثمئة ـ عند ذكره اعتراض أبي طاهر القرمطي الحاج في طريق مكّة ـ قال : ( انقلبت بغداد واجتمعَ حرم المأخوذين إلى حرم المنكوبين ، الذين نكبهم ابن الفرات ، وجعلنَ ينادين : القرمطي الصغير أبو طاهر قَتل المسلمين في طريق مكّة ، والقرمطي الكبير ابن الفرات قَتل المسلمين ببغداد ،... فقال له نصر الحاجب : ومَن الذي سَلّم الناس إلى القرمطي غيرك ؛ لِمَا يجمع بينكما من التشيّع والرفض ) .

7 ـ وأخيراً نشير إلى أنّ البغدادي في ( الفَرق بين الفِرق ) أطلقَ على الفرقة التي تُنسب إلى الشلمغاني ، اسم العذاقرية ، وذكرها مرّتين : مرّة عند حديثه عن مذاهب المشبّهة وأصنافهم ، ومرّة ثانية عند ذكر أصناف الحلولية ، وفي المرّتين لم يذكر أنّ مقالة الشلمغاني أو العذاقرية ، تشبه مقالة النصيرية ، ولم يشِر إلى وجود أيّة صلة ما بين العذاقرية والنصيرية .

ما دام الأمر كذلك ، لماذا شبّه ابن الأثير مقالة الشلمغاني بمقالة النصيرية ، واعتبرها هي نفسها ؟!

الجواب برأينا ؛ لأنّ الشلمغاني اتُّهم بالرفض ، وهذا ما يُفهم من أقوال المؤرّخين : ( أظهر الرفض ) ، و( دعا إلى الرفض ) ، و( إنّ زعيم الرافضة الحسين بن روح أظهرَ شأنه ) ، وكذلك لِمَا نُقل عنه من قول : ( إنّ الله عزّ وجل إذا حلّ في هيكل ناسوتي أظهرَ من القدرة والمعجزة ما يدلّ على أنّه هو ) .

***

[تغيُّر وتبدُّل أقوال النصيرية بحسب مؤرِّخي الفِرق :

أ ـ فتواى ابن تيميَّة . ]

وممّا يسترعي الانتباه : أنّه كلمّا تقدّمنا في الزمن ، وجَدنا أقوال النصيرية تتغيّر وتتبدّل عند كتّاب الفِرق والمؤرّخين ، بحيث تختلف هذه


الصفحة 61


الأقوال عن بعضها البعض ، من واحدٍ إلى آخَر ، ومن عصرٍ إلى عصر ، فبتنا ـ من خلال ركام الأقوال ـ لا نعرف على وجه الدقّة ، ماهية أقوال النصيرية ، إذ لم يعُد ينطبق قولٌ على قول ، وما يقوله الأوّل ، لا يقوله الثاني أو الثالث ، وأكبر مثال على ذلك : ما جاء في كتاب ( مجموع الفتاوى ) لابن تيمية ، المتوفّى سنة 728هـ ، جواباً على سؤالٍ موجّه إليه حول النصيرية ، ونصّ السؤال هو :

( 409 مسألة في النصيرية القائلين : باستحلال الخمر ، وتناسخ الأرواح ، وقِدَم العالَم ، وإنكار وجود البعث والنشور والجنّة والنار في غير الحياة ، وبأنّ الصلوات الخمس عبارة عن خمسة أسماء ، وهي : علي ، وحسن ، وحسين ، ومحسن ، وفاطمة ، فذِكر هذه الأسماء الخمسة يجزئهم عن الغسل من الجنابة والوضوء ، وبقية شروط الصلوات الخمس وواجباتها .

وبأنّ الصيام عندهم عبارة عن اسم ثلاثين رجلاً وثلاثين امرأة ، يعدّونهم في كُتبهم ، ويضيق هذا الموضع عن إيرادهم ، وأنّ الذي خلقَ السماوات والأرض هو علي بن أبي طالب ( رضي الله عنه ) ، فهو عندهم الإله في السماء والإمام في الأرض ، فكانت الحكمة في ظهور اللاهوت بهذا الناسوت على رأيهم أنّه يواسي خَلقه وعبيده ، ويعلّمهم كيف يعبدونه ، وبأنّ النصيري عندهم لا يصير نصيرياً مؤمناً ، يجالسونه ويشربون معه ، ويطلعونه على أسرارهم ، ويزوّجونه من نسائهم ، حتى يخاطبه معلّمه ، وحقيقة الخطاب عندهم : أن يحلّفوه على كتمان دينه ، ومعرفة مشايخه وأكابر أهل مذهبه ، وأن لا ينصح مسلماً ولا غيره ، إلاّ مَن كان من أهل دينه ، وعلى أن يعرف إمامه دونه بظهوره في أكواره وأدواره ، فيعرف انتقال الاسم والمعنى في كلِ حينٍ وزمان ، فالاسم عندهم في أوّل القياس آدم ، والمعنى شيث ، والاسم هو يعقوب ، والمعنى هو يوسف ، ويستدلّون على هذه الصورة كما يزعمون بها في القرآن العزيز ، حكاية عن يعقوب ويوسف ( عليهما السلام ) فيقولون :

أمّا يعقوب فإنّه كان الاسم ، فما قَدر أن يجاوز منزلته ، فقال : سوف أستغفر لكم ربّي إنّه هو الغفور الرحيم ، وأمّا يوسف فكان هو المعنى المطلوب ، فقال : لا تثريب عليكم اليوم ، فلم يعلّق الأمر بغيره ؛ لأنّه عَلم أنّه هو الإله المتصرّف ، ويجعلون موسى هو الاسم ، ويوشع هو المعنى ، ويقولون :


الصفحة 62

يوشع رُدّت له الشمس لمّا أمرها ، فأطاعت أمره ، وهل تردّ الشمس إلاّ لربّها ؟

ويجعلون سليمان هو الاسم ، وآصف المعنى ، ويقولون : سليمان عجزَ عن إحضار عرش بلقيس ، وقَدر عليه آصف ؛ لأنّ سليمان كان الصورة ، وآصف كان المعنى القادر المقتدر .

ويعدّون الأنبياء والمرسلين واحداً واحداً على هذا النمط إلى رسول الله ( صلّى الله عليه وسلّم ) ، فيقولون : محمد هو الاسم ، وعلي هو المعنى ، ويوصِلون العدد على هذا الترتيب في كل زمانٍ إلى وقتنا هذا .

ومن حقيقة الخطاب والدين عندهم : أن يُعلم أنّ علياً هو الربّ ، ومحمد هو الحجاب ، وسلمان هو الباب ؛ فإنّ ذلك على الترتيب لم يزَل ولا يزال ، وكذلك الخمسة الأيتام والاثنا عشر نقيباً ، وأسماؤهم معروفة عندهم في كُتبهم الخبيثة ، فهُم لا يزالون يظهرون مع الربّ والحجاب والباب في كلّ كورٍ ودور أبداً سرمداً ، وإنّ أبلس الأبالسة عمر بن الخطّاب ، واثنين في رتبة الإبليسية أبو بكر وعثمان رضي الله عنهم أجمعهم ونزّههم ، وأعلى رتبهم على أقوال الملحدين وانتحال الغالين المفسدين ، فلا يزالون في كلّ وقت موجودين حسبما ذكر ، ولمذاهبهم الفاسدة سعة وتفاصيل ترجع إلى هذه الأصول .

وهذه الطائفة الملعونة استولَت على جانبٍ كبيرٍ من الشام ، فهُم معروفون مشهورون متظاهرون بهذا المذهب ، وقد حقّق أحوالهم كلُّ مَن خالَطهم ، وعَرفهم من عقلاء المسلمين ، وعامّة الناس أيضاً في هذا الزمان ؛ لأنّ أحوالهم كانت مستورة عن كثيرٍ من الناس ، وقت استيلاء الإفرنج المخذولين على البلاد الساحلية ، فلمّا كانت أيّام الإسلام ، انكشفت حالهم ،  وكَثر ضَلالهم ، والابتلاء بهم كثيراً جداً ، فهل يَجوز للمسلم أن يُزّوجهم ، أو يتزوّج منهم ؟ وهل يحلّ لهم أكل ذبائحهم والحالة هذه ، وأكلَ الجبن المعمول من ذبيحتهم ؟ وما حُكم أوانيهم وملابسهم ؟ ولا يجوز دفنهم بين المسلمين أم لا ؟ وهل يجوز استخدامهم في ثغور المسلمين وتسليمها إليهم ، أم يجب على ولي الأمر قطعهم واستخدام غيرهم من الرجال المسلمين الأكفّاء ؟  وهل يأثم إذا أصرّ على طردهم ، أم يجوز له التمهّل ؟ مع أنّ في عزمه ذلك ، فإذا استخدَمهم ثمّ قطعهم ، أو لم يقطعهم هل يجوز له صرف أموال بيت المسلمين عليهم ؟ وإذا صرفها وتأخّر لبعضهم بقية من معلومه المسمّى فأخّره ولي الأمر عنه ، وصرفهُ على


الصفحة 63


 
غيره من المسلمين أو المستحقّين ، أو أرصدهُ لذلك هل يجوز له مثل هذه الصور ، أم يجب عليه ؟  وهل دماء النصيرية المذكورين مباحة ، وأموالهم فيء حلال أم لا ؟  وإذا جاهدهم ولي الأمر باحتمال باطلهم وقطعهم عن حصون المسلمين ، وتحذير أهل الإسلام من مناكحتهم ، وأكل ذبائحهم ، وأمرهم بالصوم والصلاة ، ومنعهم من إظهار دينهم الباطل ، وهُم يلونه من الكفار ، هل ذلك أفضل وأكثر أجراً من التصدّي والترصّد لقتال التتار في بلادهم ، وهُم بلاد سيبس وبلاد الإفرنج على أهلها ، أم هذا أفضل ؟ وهل يُعدّ مجاهد النصيرية المذكورين مرابطاً ، ويكون أجره كأجر المرابط في الثغور على ساحل البحر ، خشية قصد الإفرنج ، أم هذا أكثر أجراً ؟ وهل يجب على مَن عَرف لمذكورين ومذاهبهم أن يشهد أمرَهم ، ويساعدهم على إبطال باطلهم ، وإظهار الإسلام ، ولعلّ الله تعالى أن يجعل ذرّيتهم وأولادهم مسلمين ، أم يجوز له التغافل والإهمال ؟ وما أجر المجتهد في ذلك ، والمجاهد فيه والمرابط له والعازم عليه ؟ وأبسطوا القول في ذلك مثابين ) .

الجواب :

( الحمد لله ، هؤلاء القوم الموصوفون المسمّون بالنصيرية ، وسائر أصناف القرامطة الباطنية ، أكفر من اليهود والنصارى ، بل وأكفر من كثيرٍ من المشركين ، ضررهم على أمّة محمد ( صلّى الله عليه وسلّم ) أعظم ضرراً من الكفار المحاربين ، مثل : كفار الترك والإفرنج ، وغيرهم ؛ فإنّ هؤلاء يتظاهرون عند جهّال المسلمين بالتشيّع وموالاة أهل البيت ، وهُم في الحقيقة لا يؤمنون بالله ولا برسوله ولا بكتابه ، ولا بأمرٍ ولا نهيٍ ، ولا ثوابٍ ولا عقابٍ ، ولا جنةٍ ولا نارٍ ، ولا بأحدٍ من المرسلين مثل محمد ( صلّى الله عليه وسلّم ) ، ولا بملّةٍ من الملل السالفة ، بل يأخذون كلام الله ورسوله المعروف عند المسلمين يتأوّلونه على أمورٍ يغيّرونها ، ويدّعون أنّها من علم الباطن ، من جنس ما ذكره السائل ، ومن غير هذا الجنس ، فإنّهم ليس لهُم حدٌّ محدود ، فيما يدّعونه من الاتّحاد في أسماء الله وآياته ، وتحريف كلام الله ورسوله عن مواضعه ، إذ مقصودهم إنكار الإيمان وشرائع الإسلام


الصفحة 64


بكلّ طريق مع الباطن ، بأنّ لهذه الأمور حقائقٌ يعرفونها من جنس ما ذكر السائل ، ومن جنس قولهم : إنّ الصلوات الخمس معرفة أسرارهم ، والصيام المفروض كتمان أسرارهم ، وحجّ البيت العتيق زيارة شيوخهم ، وأنّ يدا أبي لهب : أبي بكرٍ وعمر ، وأنّ النبأ العظيم والإمام المُبين : علي بن أبي طالب ، ولهم في معاداة الإسلام وأهله وقائعٌ مشهورة ، وكُتب مصنّفة ، وإذا كانت لهم أمكنة سفكوا دماء المسلمين ، كما قتلوا الحجّاج وألقوه في زمزم ، وأخذوا مرّة الحجر الأسود فبقي معهم مدّة ، وقتلوا من علماء المسلمين ومشايخهم وأمرائهم وجندهم مَن لا يحصي عدده إلاّ الله ، وصنّفوا كُتباً كثيرة ، فيها ما ذكره السائل وغيره ، وصنّف علماء المسلمين كُتباً في كشف أسرارهم وهتك أستارهم ، وبيّنوا فيها ما هُم عليه من الكفر والزندقة والإلحاد ، الذين هُم فيه أكفر من اليهود والنصارى ، ومن براهمة الهند الذين يعبدون الأصنام ، وما ذكره السائل في وصفهم قليلٌ من الكثير الذي يعرفه العلماء من وصفهم .

ومن المعلوم عندهم أنّ السواحل الشاميّة إنّما استولَت عليها النصارى من جهتهم ، وهُم دائماً مع كلّ عدوٍ للمسلمين ، فهُم مع النصارى على المسلمين ، ومن أعظم المصائب عندهم فتح المسلمين للساحل وانقهار النصارى ، بل ومن أعظم المصائب عندهم انتصار المسلمين على التتار ، ومن أعظم أعيادهم إذا استولى ـ والعياذ بالله ـ النصارى على ثغور المسلمين ؛ فإنّ ثغور المسلمين ما زالت بأيدي المسلمين حتى جزيرة قبرص ، فتحها المسلمون في خلافة أمير المؤمنين عثمان بن عفّان ، فتحها معاوية بن أبي سفيان في أثناء المئة الرابعة ؛ فإنّ هؤلاء العادين لله ورسوله كثروا حينئذٍ بالسواحل وغيرها ، واستولى النصارى على الساحل وبسببهم استولوا على القدس وغيره ، فإنّ أحوالهم كانت من أعظم الأسباب في ذلك .

ثمّ لمّا أقامَ الله ملوك المسلمين المجاهدين في سبيل الله : كنور الدين الشهيد ، وصلاح الدين وأتباعهما ، وفتحوا السواحل من النصارى ، وممّن كان بها منهم ، وفتحوا أيضاً أرض مصر ؛ فإنّهم كانوا مستولين عليها نحو مئتي سنة ، واتّفقوا هُم والنصارى ، فجاهدهم المسلمون حتى فتحوا البلاد ، ومن ذلك التاريخ انتشرت دعوة الإسلام بالبلاد المصرية والشاميّة .

ثمّ إنّ التتار إنّما


الصفحة 65

دخلوا ديار الإسلام ، وقتلوا خليفة بغداد وغيره من ملوك المسلمين بمعاونتهم ومؤازرتهم ؛ فإنّ منجّم هلاوون ـ الذي كان وزيره النصير الطوسي ـ كان وزيراً لهُم ، وهو الذي أمرهُ بقتل الخليفة وبولاية هؤلاء .

ولهُم ألقابٌ معروفة عند المسلمين : تارة يسمّون الملاحدة ، وتارةً يسمّون القرامطة ، وتارةً يسمّون الباطنية ، وتارةً الإسماعيلية ، وتارةً يسمّون النصيرية ، وتارةً يسمّون الحرمية ، وتارةً يسمّون المحمرة ، وهذه الأسماء منها ما يعمّهم ، ومنها ما يخصّ بعض أصنافهم ، كما أنّ اسم الإسلام والإيمان يعمّ المسلمين .

ولبعضهم اسم يخصّهم ، إمّا لسببٍ ، وإمّا لمذهبٍ ، وإمّا لبلدٍ ، وإمّا لغير ذلك ، وشرح مقاصده يطول كما قال العلماء ، فهُم ظاهر مذهبهم الرفض ، وباطنه الكفر المحض .

وحقيقة أمرِهم : أنّهم لا يؤمنون بشيء من الأنبياء والمرسلين ، لا بنوحٍ ، ولا بإبراهيم ، ولا موسى ، ولا عيسى ، ولا بشيء من كُتب الله المنزلة ، لا التوراة ، ولا الإنجيل ، ولا القرآن ، ولا يعتقدون أنّ للعالَم خالقاً خَلقه ، ولا بأنّ له ديناً أمَر به ، ولا بأنّ له داراً يجزي الناس فيها على أعمالهم غير هذه الدار ، وهُم تارةً يبنون قولهم على مذهب المتفلسفة الطبيعيين ، وتارةً يبنونها على قول المجوس الذين يعبدون النور ، ويصبون إلى ذلك الرفض ، ويحتجّون لذلك من كلام النبوّات ، إمّا بلفظٍ مكذوب ، ينقلونه كما ينقلون عن النبي ( صلّى الله عليه وسلّم ) أنّه قال : ( أوّل ما خلقَ الله العقل ) ، والحديث موضوع باتّفاق أهل العلم بالحديث ، ولفظه : ( أوّل ما خلقَ الله العقل ، فقال : أقبِل ، فأقبلَ ، فقال له : أدبِر فأدبَر ) ، فيصحّحون لفظه ويقولون : أوّل ما خلقَ الله العقل ؛ ليوافق قول المتفلسفة ، أتباع أرسطو ، في قوله : أوّل الصادرات عن واجب الوجود هو العقل .

وإمّا بلفظٍ ثابتٍ عن النبي ( صلّى الله عليه وسلّم ) فيُحرّفونه عن مواضعه ، كما يفعل أصحاب رسائل إخوان الصفا ونحوهم ؛ فإنّهم من أئمتهم ، وقد دخلَ كثير من باطلهم على كثير من المسلمين ، وراجَ عليهم ، حتى صار في كُتب طوائف من المنتسبين إلى العلم والدين ، وإن كانوا لا يوافقونهم على أصل كفرهم ؛ فإنّ هؤلاء لهُم في إظهار دعوتهم الملعونة ـ التي يسمّونها الدعوة الهادية ـ درجات متعدّدة ، ويسمّون : النهاية ، البلاغ الأكبر ، والناموس الأعظم ، ومضمون البلاغ الأكبر ، جحد الخالق والاستهزاء به ، وبمَن يقرّ به ، حتى يكتب أحدهم اسم الله في أسفل رِجله ، وفيه أيضاً جحد شرائعه


الصفحة 66


 
ودينه ، وجحد ما جاء به الأنبياء ، ودعوى بأنّهم كانوا من جنسهم طالبين للرئاسة ، فمنهم مَن أحسن في طلبها ، ومنهم مَن أساء في طلبها حتى قُتل ، ويجعلون محمداً وموسى في القسم الأوّل ، ويجعلون المسيح في القسم الثاني ، وفيها من الاستهزاء بالصلاة والزكاة والصوم والحج ، ومن تحليل نكاح ذوي المحارم وسائر الفواحش ما يطول وصفه .

ولهم إشارات ومخاطبات يعرف بها بعضهم بعضاً ، وهُم إذا كانوا في بلاد المسلمين التي يكثر فيها أهل الإيمان فقد يُخفون على مَن لا يعرفهم ، وأمّا إذا كثروا فإنّه يعرفهم عامّة الناس ، فضلاً عن خاصّتهم ، وقد اتّفق علماء المسلمين على أنّ مثل هؤلاء لا تجوز مناكحتهم ، ولا يجوز أن ينكح موليته منهم ، ولا يتزوّج منهم امرأة ، ولا تباح ذبائحهم .

وأمّا الجبن المعمول بأنفحتهم ، ففيه قولان مشهوران للعلماء : كسائر أنفحة الميتة ، وكأنفحة ذبيحة المجوس ، الذين يقال عنهم : إنّهم يذكّون ، فمذهب أبو حنيفة وأحمد في إحدى الروايتين أنّه يحلّ هذا الجبن ؛ لأنّ أنفحة الميتة على هذا القول لا تموت بموت البهيمة ، وملاقاة الوعاء النجس في الباطن لا تنجس ، ومذهب مالك والشافعي وأحمد في الرواية الأخرى أنّ الجبن نجس ؛ لأنّ الأنفحة عند هؤلاء نجسة ؛ لأنّ لبن الميتة وأنفحتها عندهم نجس ، ومَن لا تؤكل ذبيحتهم ، فذبيحته كالميتة ، وكلٌ من أصحاب القولين ، يحتجّ بآثار ينقلها عن الصحابة ، فأصحاب القول الأوّل : نقلوا أنّهم أكَلوا جبن المجوس ، وأصحاب القول الثاني : نقلوا أنّهم إنّما أكَلوا ما كانوا يظنّونه من جبن النصارى ، فهذه مسألة اجتهاد ، للمقلّد أن يقلّد مَن يفتي بأحد القولين .

وأمّا أوانيهم وملابسهم ، فكأواني المجوس ، على ما عُرف من مذاهب الأئمة ، ولا يجوز دفنهم في مقابر المسلمين ، ولا يصلّى عليهم ؛ فإنّ الله نهى عن الصلاة على المنافقين كعبد الله بن أُبيّ ونحوه ، وكانوا يتظاهرون بالصلاة ، والزكاة ، والصوم ، والحج ، والجهاد مع المسلمين ، لا يظهرون مقالة تخالف دين الإسلام ، لكن يُسرّون ذلك ، فقال تعالى : ( وَلاَ تُصَلّ عَلَى‏ أَحَدٍ مِنْهُم مَاتَ أَبَداً وَلاَ تَقُمْ عَلَى‏ قَبْرِهِ إِنّهُمْ كَفَرُوا بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ ) ، فكيف بهؤلاء الذين هم مع الزندقة والنفاق ، لا يظهرون إلاّ الكفر والإلحاد .

وأما استخدام مثل هؤلاء في ثغور المسلمين وحصونهم أو جندهم ، فهو من

 

الصفحة 67

 

الكبائر ، بمنزلة مَن يستخدم الذئاب لرعي الغنم ؛ فإنّهم من أغشّ الناس للمسلمين ، ولولاة الأمور ، وأحرص الناس على فساد الملّة والدولة ، وهُم شرٌّ من المخامِر ، الذي يكون في العسكر ؛ فإنّ المخامر قد يكون له غرض ، إمّا مع أمير العسكر ، وإمّا مع العدو ، وهؤلاء غرضهم مع الملّة ونبيّها ودينها ، وملوكها وعلمائها ، وعامّتها وخاصّتها ، وهُم أحرص الناس على تسليم الحصون إلى عدو المسلمين ، وعلى إفساد الجند على ولي الأمر ، وإخراجهم عن طاعته .

والواجبُ على ولاة الأمور قطعهم من دواوين المقاتلة ، ولا يستخدمهم في ثغرٍ ولا في غير ثغر ، وضررهم في الثغر أشد ، وأن يستخدموا بدَلهم مَن يحتاج إلى استخدامه من الرجال المأمونين على دين الإسلام ، وعلى النصح لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامّتهم ، بل إذا كان ولي الأمر لا يستخدم مَن يغشّه ، وإن كان مسلماً فكيف يستخدم مَن يغشّ المسلمين ، ولا يجوز له تأخير هذا الواجب مع القدرة عليه ، بل أي وقتٍ قدرَ على الاستبدال بهم ، وجبَ عليه ذلك ؛ لأنّهم عوقِدوا على ذلك ، فإن كان العقد صحيحاً وجب المسمّى ، وإن كان فاسداً وجبت أجرة المثل ، وإن لم يكن استخدامهم من جنس الإجارة اللازمة فهو من جنس الجعالة الجائزة ، لكنّ هؤلاء لا يجوز استخدامهم ؛ فالعقد عقدٌ فاسد ، لا يستحقّون إلاّ قيمة عملهم ، فإن لم يكونوا عملوا عملاً فلا شيء لهم ، لكنّ دماؤهم وأموالهم مباحة .

وإذا أظهروا التوبة ففي قبولها منهم نزاع بين العلماء ، فمَن قَبِل توبتهم ، إذا التزموا شريعة الإسلام ، أقرّ أموالهم إليهم ، ولم تُنقل على ورثتهم من جنسهم ؛ فإنّ مالَهم فيء لبيت المال ، لكنّ هؤلاء إذا أُخذوا فإنّهم يظهرون التوبة ، إذ أصل مذهبهم الاتّقاء وكتمان أمرِهم ، وفيهم مَن يعرف ، وفيهم مَن قد لا يعرف ، فالطريق أن يحتاط في أمرِهم ، فلا يُتركون مجتمعين ، ولا يُمكّنون من حمل السلاح ، وأن لا يكونوا في المقاتلة ، ويلزمون شرائع الإسلام من الصلوات الخمس وقراءة القرآن ، ويُترك بينهم مَن يعلّمهم دين الإسلام ، ويُحال بينهم وبين معلّميهم ؛ فإنّ أبا بكر الصديق ( رضي الله عنه ) ، هو وسائر الصحابة ، لمّا ظهروا على أهل الردّة ، وجاءوا إليه ، قال لهم الصدّيق : اختاروا منّي : إمّا الحرب الملجئة ، وإمّا السلْم المخزية ؟ قالوا : يا خليفة رسول الله ، هذه الحرب الملجئة قد عرفناها ، فما


الصفحة 68


السلْم المخزية ؟ قال : تدون قتلانا ولا ندي قتلاكم ، وتشهدون أنّ قتلانا في الجنّة وقتلاكم في النار ، ونغنم ما أصبنا من أموالكم وتردّون ما أصبتم من أموالنا ، وننزع منكم الحلقة والسلاح ، وتُمنعون من ركوب الخيل ، وتُتركون ترتعون أذناب الإبل ، حتى يرى الله وخليفة رسول الله والمؤمنين أمراً يعذرونكم به ، فوافقهُ الصحابة على ذلك ، إلاّ في تضمين قتلى المسلمين ؛ فإنّ عمر قال له : هؤلاء قُتلوا في سبيل الله ، وأجورهم على الله ، يعني هُم استشهدوا فلا ديّة لهم ، فاتّفقوا على قول عمر في ذلك .

وهذا الذي اتّفق عليه الصحابة هو مذهب أئمة العلماء ، والذي تنازعوا فيه تنازعَ فيه العلماء ، فمذهب أكثرهم أنّ مَن قتَله المرتدّون الممتنعون المحاربون لا يضمن ، كما اتّفق عليه العلماء ، وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد في إحدى الروايتين ، ومذهب الشافعي وأحمد في الرواية الأُخرى ، وهو القول الأوّل ، فهذا الذي فعلهُ الصحابة بأولئك المرتدّين بعد عودهم إلى الإسلام ، يُفعل بمَن أظهر الإسلام والتّهمة ظاهرة فيه ، فيُمنع من ركوب الخيل ، والسلاح ، والدروع التي تلبسها المقاتلة ، ولا يُترك في الجند يهودي ولا نصراني ، ويلزمون شرائع الإسلام ، حتى يظهر ما يفعلونه من خير وشر .

ومَن كان من أئمة ضَلالهم وأظهرَ التوبة ، أُخرج عنهم ، وسُيّر إلى بلاد المسلمين التي ليس لهم فيها ظهور ، فإمّا أن يهديه الله ، أو يموت على نفاقه من غير مضرّة للمسلمين ، ولا ريبَ أنّ جهاد هؤلاء وإقامة الحدود عليهم من أعظم الطاعات وأكثر الواجبات ، وهو أفضل من جهاد مَن يقاتل المسلمين من المشركين وأهل الكتاب ؛ فإنّ جهاد هؤلاء حفظ لِمَا فُتح من بلاد الإسلام ، ولِمَا دخل فيه من الخوارج ، وجهاد مَن يقاتلنا من المشركين وأهل الكتاب ، من زيادة إظهار الدين ، وحفظ الأصل مقدّم على الفرع ، وأيضاً فضرر هؤلاء على المسلمين أعظم من ضرر أولئك ، بل ضرر هؤلاء في الدين على كثيرٍ من الناس أشدّ من ضرر المحاربين من المشركين وأهل الكتاب .

ويجب على كلّ مسلمٍ أن يقوم في ذلك بحسب ما يقدر عليه من الواجب ، فلا يحلّ لأحدٍ أن يكتم ما يعرفه من أخبارهم ، بل يفشيها ويظهرها ؛ ليعرف المسلمون حقيقة حالهم ، ولا يحلّ لأحدٍ أن يعاونهم على بقائهم في الجند والمستخدمين ، ولا يحلّ لأحدٍ السكوت عن القيام


الصفحة 69


عليهم بما أمرَ الله به رسوله ؛ فإنّ هذا من أعظم أبواب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله ، وقد قال تعالى لنبيّه : ( يَا أَيّهَا النّبِيّ جَاهِدِ الْكُفّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ ) ، وهؤلاء لا يخرجون عن الكفار والمنافقون ، والمعاون على كفّ شرّهم وعلى هدايتهم ـ بحسب الإمكان ـ له من الأجر والثواب ما لا يعلمه إلاّ الله ؛ فإنّ المقصود هدايتهم كما قال تعالى : ( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمّةٍ أُخْرِجَتْ لِلْنّاس ِ) . قال أبو هريرة : كنتم خير الناس للناس ، فيأتون بهم في السلاسل والقيود حتى يدخلونهم الإسلام ، فالمقصود بالجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر : هداية العباد لصالح المعاش والمعاد بحسب الإمكان ، فمَن هداهُ الله سَعد في الدنيا والآخرة ، ومَن لم يهتدِ كفّ الله ضرره عن غيره .

ومعلوم أنّ الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو أفضل الأعمال ، كما قال النبي ( صلّى الله عليه وسلّم ) : ( رأس الأمر الإسلام ، وعموده الصلاة ، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله ) ، وفي الصحيحين عنه أنّه قال : ( إنّ في الجنّة لمئة درجة ، ما بين الدرجة والدرجة كما بين السماء والأرض ، أعدّها الله للمجاهدين في سبيله ) ، وقال  ( صلّى الله عليه وسلّم ) : ( رباط يوم وليلة خيرٌ من صيام شهر وقيامه ، ومَن مات مرابطاً مجاهداً أجرى عليه عمله ، وأجرى عليه رزقه من الجنّة ، وأمِن من الفتن ، والجهاد أفضل من الحج والعمرة ، كما قال تعالى : ( أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ اللّهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ * الّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدَوا فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ * يُبَشّرُهُمْ رَبّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ * خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً إِنّ اللّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ) ) .

***

[من هو ابن تيميَّة ؟]

وكانت فتوى ابن تيمية هذه ، وراء المذبحة التي قامَ بها جمال الدين أقوش الأفرم ، في حملته سنة 705هـ على جبال الظنيين ، تلك الحملة المعروفة في التاريخ بالحملة الكسروانية ، وقبل أن نُسجّل ملاحظاتنا على السؤال وجوابه ، لنا وقفة قصيرة عند صاحب الجواب ؛ لنبيّن أيّ رجلٍ هو .


الصفحة 70

ابن تيمية (661هـ ـ 728هـ) : هو تقي الدين أبو العباس أحمد بن تيمية الحراني الحنبلي ، ولِد بحران ، بلاد الصابئة ، يوم الاثنين عاشر ربيع الأوّل سنة 661هـ ، هاجرَ والده به وبأخوته إلى الشام من جوّ التتار ، أثارَ في حياته أكثر من ضجّة ؛ بسبب مخالفته أئمة المذاهب في كثيرٍ من المسائل .

قال ابن الوردي في تتمّة المختصر : ( أعانَ أعداءه على نفسه بدخوله في مسائل كبار : كمسألة التكفير في الحلف بالطلاق ، ومسألة أنّ الطلاق بالثلاث لا يقع إلاّ مرّةً واحدة ، وأنّ الطلاق في الحيض لا يقع ، وفي آخر الأمر ظفروا له بمسألة السفر لزيارة قبور النبيين ، وأنّ السفر وشدّ الرحال لذلك منهي عنه ؛ لقوله ( صلّى الله عليه وسلّم ) : ( لا تُشدّ الرحال إلاّ إلى ثلاثة مساجد ) ، مع اعترافه بأنّ الزيارة بلا شدّ رَحل قربة ، فشنّعوا عليه بها (1) .

وقال اليافعي اليمني (2) : ( وله مسائل غريبة أُنكرَ عليه فيها ، وحُبس بسببها ؛ مباينةً لمذهب أهل السنّة ، ومن أقبحها نهيه عن زيارة قبر النبي عليه الصلاة والسلام ، وطعنه في مشايخ الصوفيّة العارفين : كحجة الإسلام أبي حامد الغزالي ، والأستاذ الإمام أبي القاسم القشيري ، والشيخ ابن العريف ، والشيخ أبي الحسن الشاذلي ، وخلائق من أولياء الله الكبار الصفوة وغيرها ، وكذلك ما قد عُرف من مذهبه ، كمسألة الطلاق وغيرها ، وكذلك عقيدته في الجهة وما نُقل عنه فيها من الأقوال الباطلة ، وغير ذلك ممّا هو معروف في مذهبه... ) .

وقال تقي الدين السبكي (3) : ( ثمّ جاء في أواخر المئة السابعة رجلٌ له فضل ذكاء واطّلاع ، ولم يجِد شيخاً يهديه ، وهو على مذهبهم ، وهو جَسور ، متجرّد لتقرير مذهبه ، ويجد أموراً بعيدة ، فبجسارته يلتزمها ، فقال بقيام

ـــــــــــــــــــــــ

(1) ج2 ، ص363 .

(2) مرآة الجنان ، أخبار سنة 728هـ .

(3) السيف الصقيل في الردّ على ابن زفيل .


الصفحة 71


 
الحوادث بذات الربّ سبحانه وتعالى ، وأنّ الله سبحانه وتعالى ما زالَ فاعلاً ، وأنّ التسلسل ليس بمحالٍ فيما مضى ـ كما هو فيما سيأتي ـ وشَقّ العصا ، وشوّش عقائد المسلمين ، وأغرى بينهم ، ولم يقتصر ضرره على العقائد في علم الكلام ، حتى تعدّى ، وقال : إنّ السفر لزيارة النبي ( صلّى الله عليه وسلّم ) معصية ، وقال : إنّ الطلاق الثلاث لا يقع ، وإنّ مَن حلفَ بطلاق امرأته وحنثَ لا يقع عليه طلاق .

واتّفق العلماء على حبسه الحبس الطويل ، فحبسهُ السلطان ومُنع من الكتابة ) .

وكان ابن تيمية يقول : بنزول الله سبحانه وتعالى إلى سماء الدنيا ، وهذا مشهور عنه ، ذكره ابن بطوطة في رحلته ، تحت عنوان ( حكاية الفقيه ذي اللوثة ) ، قال : ( وكان بدمشق من كبار الفقهاء الحنابلة تقي الدين ابن تيمية ، كبير الشام ، يتكلّم في الفنون ، إلاّ أنّ في عقله شيئاً ، وكنتُ إذ ذاك بدمشق ، فحضرتهُ يوم الجمعة ، وهو يَعظ الناس على منبر الجامع ويُذكّرهم ، فكان من جملة كلامه ، أن قال : إنّ الله ينزل إلى سماء الدنيا كنزولي هذا ، ونزلَ درجةً من درج المنبر ، فعارضهُ فقيه مالكي ، يُعرف بابن الزهراء...) .

وكان المذكور منحرفاً عن الإمام علي ( عليه السلام ) ، تبدو على كلامه آثار بغضه إيّاه ، في كل خطوةٍ من خطوات تحدّثه عنه ، كما يذكر صاحب ( الحاوي ) .

ولم يكن يَعتبر إسلام علي ( عليه السلام ) صحيحاً ؛ لأنّه برأيه أسلمَ صبياً ، والصبي لا يصحّ إسلامه ، وقد لخّص ابن حجر العسقلاني في ( الدرر الكامنة ) موقف الناس من ابن تيمية ، قال : ( وافترقَ الناس فيه شِيعاً ، فمنهم مَن نسبه إلى التجسيم ؛ لِمَا ذكر في العقيدة الحموية والواسطية وغيرها من ذلك ، كقوله : إنّ اليد والقدم والساق والوجه صفات حقيقية لله ، وإنّه مستوٍ على العرش بذاته ، فقيل له : يلزم من ذلك التحيّز والانقسام .

ومنهم مَن نسبه إلى الزندقة ؛ لقوله : إنّ النبي ( صلّى الله عليه وسلّم ) لا يُستغاث به ، وإنّ في ذلك تنقيصاً ومنعاً من تعظيم النبي ( صلّى الله عليه وسلّم ) .


الصفحة 72

ومنهم مَن ينسبه إلى النفاق ؛ لقوله على ما تقدّم ، ولقوله : إنّه كان مخذولاً حيث ما توجّه ، وإنّه حاولَ الخلافة مراراً فلَم ينَلها ، وإنّما قاتل للرئاسة ، ولقوله : أبو بكر أسلَم شيخاً ، يدري ما يقول ، وعلي أسلَم صبياً ، والصبي لا يصحّ إسلامه ، على قول .

وبكلامه قصّة خطبة بنت أبي جهل مات وما نسبها من الثناء عليه ، وقصّة أبي العاص ابن الربيع ، وما يؤخذ من مفهومها ؛ فإنّه شنّع في ذلك ، فألزموه بالنفاق ؛ لقوله ( صلّى الله عليه وسلّم ) : ( لا يبغضك إلاّ منافق ) .

وقد حُبس مراراً ؛ بسبب عقائده ، واستُتيب مراراً ، كما صدرت بحقّه مراسيم سلطانية تمنعه من الإفتاء ، ونودي في دمشق وغيرها : مَن كان على عقيدة ابن تيمية حلّ مالَه ودمَه .

وفي ما يلي صورة من تلك المراسيم ، منقولة من خطّ الحافظ شمس الدين بن طولون (1) :

( نسخة مقال شريف سلطاني ملكي ، تاريخه ثامن عشري رمضان سنة 705 :

الحمد لله الذي تنزّه عن الشَبه والنظير ، وتعالى عن المثال ، فقال : ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ ) ، نحمده على ما ألهمنا العمل بالسنّة والكتاب ، ورفعَ في أيّامنا أسباب الشكّ والارتياب ، ونشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له ، شهادةَ مَن يرجو بإخلاصه حسن العقبى والمصير ، ونزّه خالقه عن التحيّز في جهة ؛ لقوله : ( وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ) .

ونشهد أنّ محمداً عبده ورسوله ، الذي نهجَ سبيل النجاة ، بمَن سلك طريق مرضاته ، وأمرَ بالتفكّر في آلائه ، ونهى عن التفكّر في ذاته ، صلّى الله عليه وعلى آله وأصحابه ، الذين علا بهم منار الإيمان ، ورفعَ وشيّد بهم قواعد الشرع ، وأخمدَ بهم كلمة مَن حادَ عن الحقّ ومالَ إلى البدع .

وبعد ، فإنّ العقائد الشرعية وقواعد الإسلام المرعيّة ، وأركان الإيمان العليّة ، ومذاهب

ـــــــــــــــــــــ

(1) مجلّة مجمع اللغة العربية بدمشق : المجلّد (33) ، ج2 ، نيسان 1958 .


الصفحة 73


الدين المرضيّة ، هي الأساس الذي يُبنى عليه ، والموئل الذي يرجع كلُ أحدٍ إليه ، والطريق التي مَن سلكها فقد فازَ فوزاً عظيماً ، ومَن زاغَ عنها فقد استوجبَ عذاباً أليماً ، فلهذا يجب أن تنفذ أحكامها ، ويؤكّد دوامها ، وتُصان عقائد هذه الملّة عن الاختلاف ، وتُزان بالائتلاف ، وتخمد نوائر البدع ، ويُفرّق من فِرقها ما اجتمع ، وكان التقي ابن تيمية في هذه المدّة قد بسطَ لسانَ قَلَمه ، ومدّ عَنان كَلَمه ، وتحدّث في مسائل الصفات والذات ، ونصّ في كلامه على أمورٍ مُنكَرات ، وتكلّم فيما سكتَ عنه الصحابة والتابعون ، وفاهَ بما تجنّبه السلف الصالحون ، وأتى في ذلك بما أنكرهُ أئمة الإسلام ، وانعقدَ على خلافه إجماع العلماء والحكّام ، وشهرَ من فتاويه ما استخفّ به عقول العباد ، وخالفَ في ذلك فقهاء عصره ،  وعلماء شامه ومصره ، وبعثَ برسائل إلى كلّ مكان ، وسمّى فتاواه بأسماء ما أنزلَ الله بها من سلطان ، فلمّا اتّصل بنا أنّه صرّح في حقّ الله بالحرف والصوت والتجسيم ، قُمنا في الله مشفقين من هذا النبأ العظيم ، وأنكرنا هذه البدعة ، وعزّ علينا أن يشيع عمّن تضمّ ممالكنا هذه السمعة ، وكرهنا ما فاهَ به المبطلون ، وتَلَونا قوله : ( سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ ) ؛ فإنّه جلّ جلاله تنزّه في ذاته وصفاته عن العديل والنظير ، لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار ، وهو اللطيف الخبير .

وتقدّمت مراسيمنا باستدعاء التقي ابن تيمية إلى أبوابنا ، عندما سارت فتاواه في شامِنا ومَصرِنا ، وصرّح فيها بألفاظ ما سمعها ذو فَهم إلاّ وتلا ( لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً ) ، ولمّا وصَل إلينا تقدّمنا بجمع أُولي العقد والحلّ ، وذوي التحقيق والنقل ، وحضرَ قضاة الإسلام ، وحكّام الأنام ، وعلماء الدين وفقهاء المسلمين ، وعقدوا له مجلس شرع ، في ملأ من الأئمة وجَمْع ، فثبتَ عند ذلك جميع ما نُسب إليه بمقتضى خطّ يده الدال على سوء معتقده ، وانفصلَ ذلك الجَمْع وهُم عليه وعلى عقيدته مُنكرون ، وأخذوه بما شهد به قَلَمه ، قائلين : ستُكتب شهادتهم ، ويُسألون ، وبَلَغنا أنّه استُتيب مراراً فيما تقدّم وأخّره الشرع ، لمّا تعرّض إليه وأقْدَم ، ثمّ عاد بعدَ منعه ، ولم تدخل تلك النواهي في سمعه .

ولمّا ثبتَ عليه ذلك في مجلس الحكم العزيز المالكي ، حَكم الشرع الشريف أنّه يُسجن هذا المذكور ، ويُمنع من التصرّف والظهور ، ومن يومنا هذا نأمر بأن لا يسلك أحد


الصفحة 74


مسلك المذكور من المسالك ، وننهى عن التشبّه به في اعتقاده مثل ذلك ، أو يعودَ له في هذا القول مُتبعاً ، أو لهذه الألفاظ مُستمعاً ، وأن يسري في التجسيم مسراه ، أو يفوهَ بحدّ العلو مخصّصاً كما فاه ، أو يتحدّث إنسانٌ في صوتٍ أو حرفٍ ، أو يوسّع القول في ذاتٍ أو وصفٍ ، أو ينطق بتجسيم ، أو يحيد عن الصراط المستقيم ، أو يخرج عن رأي الأئمة ، وينفرد به عن علماء الأُمّة ، أو يجيز الله تعالى في جهةٍ ، أو يتعرّض إلى حيث وكيف ، فليس لمَن يعتقد هذا المجموع عندنا إلاّ السيف ، فليقف كلّ واحدٍ على هذا الحد ، ولله الأمرُ من قبلُ ومن بعد .

وليلزم كلّ الحنابلة بالرجوع عمّا أنكره الأئمة من هذه العقيدة ، والخروج من هذه التشبيهات الشريدة ، ولزوم ما أمرَ الله به ، والتمسّك بأهل المذاهب الحميدة ؛ فإنّه مَن خرجَ عن أمر الله فقد ضلّ سواء السبيل ، وليس له غير السجن الطويل ، مستقرٌّ ومُقيل ، فقد رسمنا أنْ يُنادى في دمشق المحروسة ، والبلاد الشاميّة ، وتلك الجهات مع النهي الشديد ، والتخويف والتهديد ، أن لا يُتّبع التقي ابن تيمية في هذا الأمر الذي أوضحناه ، ومَن تابعه منهم تركناه في مثل مكانه ، وأحللناه ، ووضعناه من عيون الأُمّة كما وضعناه ، ومَن أعرض عن الامتناع وأبى إلاّ الدفاع ، أمَرنا بعزلهم من مدارسهم ومناصبهم ، وإسقاطهم من مراتبهم ، وأن لا يكون لهم في بلادنا حُكمٌ ولا قضاء ، ولا إمامة ولا شهادة ، ولا ولاية ولا إقامة ؛ فإنّنا أزَلنا دعوة هذا المبتدع من البلاد ، وأبطلنا عقيدته التي ضَلّ بها العباد أو كاد ، ولتثبت المحاضر الشرعية على الحنابلة ، بالرجوع عن ذلك ، ولتسير إلينا المحاضر بعد إثباتها ، على قضاة الممالك ، فقد أعذرنا حيث أنذرنا ، وأنصفنا حيث حذّرنا ، وليُقرأ مرسومنا هذا على المنابر ؛ ليكونَ أبلغَ واعظٍ وزاجر ، وأجملَ ناهٍ وآمِر ، والاعتماد على الخطّ الشريف أعلاه الحمد لله ، صلّى الله على سيدنا محمّد وآله وسلّم ) .

كما أُلّفت في الردّ على ابن تيمية مصنّفات عديدة ، منها : ( الملجمة للمجسّمة ) لعلاء الدين البخاري ، الذي قال : ( مَن سمّى ابن تيمية شيخ الإسلام كان كافراً ، لا تصحّ الصلاة وراءه ) .


الصفحة 75

ومنها : ( الدرّة المُضيّة في الردّ على ابن تيمية ) لعلي بن عبد الكافي .

ومنهم أيضاً : عفيف الدين أبو محمد عبد الله بن أسعد بن علي بن سليمان بن فلاح ، شيخ الحجاز اليافعي اليمني ، وكان إماماً يُسترشد بعلومه ويُقتدى ، وعَلماً يُستضاء بأنواره ويُهتدى ، كما وصفه ابن الحنبلي في ( شذرات الذهب ) .

وكَتب إليه شمس الدين الذهبي رسالة جاء فيها : ( يا خيبة مَن اتّبعك ؛ فإنّه معرّض للزندقة والانحلال ، لاسيّما إذا كان قليل العلم والدين ، باطولياً شهوانياً ،... فهل معظم أتباعك إلاّ مقيّدٌ مربوط ، خفيف العقل ، أو عامي كذّاب ، بليد الذهن ، أو غريب واجم ، قوي المَكر ، أو ناشفٌ صالح ، عديم الفَهم ؛ فإن لم تصدّقني ففتّشهم ، وزيّنهم بالعدل ) .

هذا هو ابن تيمية ، ومَن تكن هذه حاله ، كيف تكون أقواله ؟! لننظر إليها أوّلاً ، ثمّ نحكُم ، لكي لا يأتي حُكمنا متأثّراً بما كَتبه الأقدَمون عنه .

وأوّل ما يلاحظ على نصّ السؤال :

1 ـ إنّ الغرض منه سياسي ، بقصد الحصول على فتوى تُبيح إهدار دم فئةً مسلمةً ، تُدين بمذهبٍ مغايرٍ للمذهب الرسمي ، وهذا ما يُفهم ممّا ورد في نصّ السؤال : ( وهل دماء النصيرية المذكورين مباحة ، وأموالهم فيء حلال أم لا ؟ ) .

لأنّه بالاستناد إلى هذه الفتوى أُهدرت دماءُ عددٍ كبيرٍ من النصيرية ، في الحملة المعروفة في التاريخ بالحملة الكسروانية ، سنة 705هـ.

قال ابن الوردي في ( تتمة المختصر ) :

( وفيها.. أحاطَت عساكر الشام بجبال الظنيين المنيعة ،... وصعدوا في تلك الجبال من كلّ جانب ، وقتلوا وأسّروا جميع مَن بها من النصيرية والظنيين ،... وكان الذي أفتى بذلك ابن تيمية ، وتوجّه مع العسكر ) .

2 ـ مُنشئ السؤال أوّل مَن أشار إلى وجود كتب للنصيرية ، لكنّه لم


الصفحة 76

يذكر اسم كتابٍ واحدٍ من هذه الكتب ؛ لنرجع إليه ونتحقّق من صحة الأقوال التي ذكرها .

3 ـ صاحب السؤال تكلّمَ عن انتقال الاسم والمعنى ، وقد رأينا ابن الأثير تحدّثَ فيما زعمه عن النصيرية ، عن انتقال اللاهوت والناسوت ، فهل المعنى هو اللاهوت ؟!

إذا كان المعنى هو اللاهوت ، يكون تسلسل الألوهة بحسب رواية ابن الأثير كالتالي :

خمسة ناسوتية : إدريس ، نوح ، إبراهيم ، هارون ، سليمان ، عيسى ، علي ، بينما تسلسل الألوهة كما جاء في نصّ السؤال ، كان على الشكل التالي :

شيث ، يوسف ، يوشع ، آصف ، علي .

وشتّان ما بين القولين .

4 ـ لم تذكر كُتب التاريخ أنّه كان للنصيرية أي دَور سياسي ، أو عسكري ، حتى يصحّ قول صاحب السؤال : إنّ هذه الطائفة الملعونة استولَت على جانبٍ كبيرٍ من الشام ، على عكس القرامطة والفاطميين ؛ فإنّهم لعبوا دَوراً سياسياً ، واستولَوا على جانبٍ كبيرٍ من الشام ، وغيرها من دول المشرق والمغرب .

إنّ الإفرنج ـ كما تُحدّثنا كُتب التاريخ ـ استولَوا على البلاد الساحلية سنة 503هـ ، وكانوا قبل هذا التاريخ غزوها مراراً ، وتراجعوا عنها مراراً ، وظلّت هذه البلاد بأيديهم إلى أن انتزعها منهم السلطان صلاح الدين الأيوبي ، سنة 584هـ ، لكن ظِلّهم لم ينحصر عن الساحل نهائياً إلاّ على يد الناصر بن قلاوون سنة 686هـ ، فيكون بدء انكشاف حال النصيرية ، أخذاً بأقوال صاحب السؤال بعد سنة 686هـ .

وهذا يعني أنّ كل ما كُتب عن النصيرية قبل هذا التاريخ ، تخرّصات وأوهام ، بما في ذلك ما قاله الشهرستاني ، وما تلبّس على ابن الأثير ، وذَكره في ( الكامل ) عند حديثه عن


الصفحة 77

الشلمغاني ومذهبه .

6 ـ لم يذكر أحدٌ من كتّاب الفِرق ممّن كَتبوا عن النصيرية ، أنّ هذه الفرقة تأوّلت أركان الشريعة على أشخاص ، والذين تأوّلوا أركان الشريعة على أشخاصٍ هم : الكيسانية ، والمنصورية ، كما ذكرَ الشهرستاني ، الذي قال عن الكيسانية : ( ويجمعهم القول : بأنّ الدينَ طاعةُ رجل ، حتى حَملهم ذلك على تأويل الأركان الشرعية ، من الصلاة ، والصيام ، والزكاة ، والحج ، وغير ذلك على رجال ) .

وعن المنصورية قال : ( وتأوّلوا الفرائض على أسماء رجالٍ ، أُمرنا بموالاتهم ) .

فإذا انتقلنا إلى جواب ابن تيمية ، رأينا خليطاً عجيباً من الأقوال الشاذّة المتنافرة .

أوّلاً : ابن تيمية عندما تكلّم عن النصيرية ، خلَط ما بينهم وبين الإسماعيلية ، وهذا ما يفهم من قوله : ( ولهم ألقابٌ معروفة عند المسلمين ، تارة يسمّون الملاحدة ، وتارةً يسمّون القرامطة ، وتارةً يسمّون الباطنية ، وتارةً يسمّون الإسماعيلية ، وتارةً يسمّون النصيرية ، وتارةً يسمّون الحرمية ، وتارةً يسمّون المحمرة ) .

وقوله : ( أصحاب رسائل إخوان الصفا ونحوهم ؛ فإنّهم من أئمتهم ) .

وهذا الكلام لم يقُله أحدٌ من المؤرّخين ، أو كتّاب الفِرق ، لا في القديم ولا في الحديث .

يقول الغزالي في ردّه على الباطنية : ( ألقابهم التي تداولتها الألسنة على اختلاف الأعصار والأزمنة ، وهي عشرة : الباطنية ، والقرامطة ، والقرمطية ، والخرمية ، والخرمدينية ، والإسماعيلية ، والسبعية ، والبابكية ، والمحمرة ، والتعليمية ) .

ومثل ذلك ذَكر ابن الجوزي في ( المنتظم ) ، والديار بكري في ( تاريخ الخميس ) ، وغيرهم... وغيرهم...


الصفحة 78

ومن جهة أُخرى ، فقد أجمعت كافة المصادر التاريخية ، على أنّ القرامطة هُم الذين قتلوا الحِجّاج ، وألقَوا بهم في بئر زمزم ، وهُم الذين أخذوا الحجر الأسود وبقي عندهم مدّة ، وليس النصيرية .

ثانياً : في كلام ابن تيمية مغالطات كثيرة ، لا تصدر عن ذي علم واطّلاع ، منها حديثه عن فتح قبرص ، إذ قال : ( فإنّ ثغور المسلمين ما زالت بأيدي المسلمين ، حتى جزيرة قبرص فتحها المسلمون في خلافة أمير المؤمنين عثمان بن عفّان ، فتحها معاوية بن أبي سفيان في أثناء المئة الرابعة ) .

فإذا كان عثمان قُتل سنة 35هـ ، ومعاوية توفّي سنة 60هـ ، فكيف حصلَ فتح قبرص في ( أثناء المئة الرابعة ) ؟!

ومن ذلك أيضاً قوله :

ثمّ لمّا أقامَ الله ملوك المسلمين المجاهدين في سبيل الله : كنور الدين الشهيد ، وصلاح الدين ، وأتباعهما ، وفتحوا السواحل من النصارى ، وممّن كان بها منهم ، وفتحوا أيضاً أرض مِصر ؛ فإنّهم كانوا مستولين عليها نحو مئتي سنة ، واتّفقوا هُم والنصارى ، فجاهدهم المسلمون حتى فتحوا البلاد ، ومن ذلك التاريخ انتشرت دعوة الإسلام بالبلاد المصرية والشاميّة .

إذا كانت دعوة الإسلام انتشرت في البلاد المصرية والشامية زمن نور الدين الشهيد المتوفّى سنة 569 ، وصلاح الدين المتوفّى 589 وأتباعهما ، كان معنى ذلك : أنّ الإسلام ظلّ حبيساً في الجزيرة العربية طوال خمسة قرون كاملة ، وعلينا في هذه الحالة ، أن نُكذّب كُتب التاريخ كلّها ، التي حدّثتنا عن انتشار الإسلام في مصر والشام عند فتح هذين المصرين ، سنة 14هـ ( الشام ) ، و19هـ ( مصر ) .

ومن جهةٍ أُخرى ، ألَمْ يكن الإسلام منتشراً وراسخ القَدم في مصر والشام زمن الحُكمين الأموي ( من 37هـ إلى 132هـ ) ، والعباسي ( من 132هـ إلى 656هـ ) ؟


الصفحة 79

وما تجدر الإشارة إليه : أنّ دولة صلاح الدين الأيوبي ، قامت على أنقاض الحُكم الفاطمي ، فهل الفاطميّون نصيرية ، وإلاّ فما معنى قول ابن تيمية ( كانوا مُستولين عليها نحو مئتي سنة ) ؟!

ثالثاً : ومن المغالطات أيضاً ، قوله : ( ولهم في معاداة الإسلام وأهله وقائعٌ مشهورة ، وكُتب مصنّفة ) ، فما هي هذه الوقائع ؟! لَيْتَه ذَكر لنا واقعةً واحدةً منها ؛ لأنّ الآثار التي وصَلت إلينا من الأقدَمين ، لا تتضمّن أيّة إشارة إلى هذه الوقائع المزعومة .

ويقول أيضاً : ( وصنّفَ علماء المسلمين كُتباً في كشف أسرارهم ، وهتك أستارهم ، وبيّنوا فيها ما هم عليه من الكفر والزندقة والإلحاد ) .

فما هي أسماء هذه الكتب التي أُلّفت في الردّ على النصيرية ؟! ومَن هُم مؤلّفوها ؟! لأنّنا لم نجِد مُصَنّفاً واحداً في الردّ على النصيرية ، كفرقةٍ أو مذهب .

حتى الكُتب التي صنّفها علماء المسلمين قديماً ، في الردّ على الجهمية والباطنية وسواها ، لا تتضمّن أيّة إشارة إلى النصيرية ، لا من قريبٍ ولا من بعيد .

رابعاً : جواب ابن تيمية يتناقض مع السؤال الموجّه إليه ، فصاحب السؤال ذَكر : أنّ الصلوات الخمس عبارة عن خمسة أسماء وهي : علي ، وحسن ، وحسين ، ومحسن ، وفاطمة ،... وبأنّ الصيام عندهم عبارة عن اسم ثلاثين رجلاً وثلاثين امرأة ) .

بينما يقول ابن تيمية : ( إنّ الصلوات الخمس مَعرفة أسرارهم ، والصيام المفروض كتمان أسرارهم ) .

ومن التناقض أيضاً ، يقول صاحب السؤال : ( وإنّ الذي خلقَ السموات والأرض ، وهو علي بن أبي طالب عليه السلام ) .

أمّا ابن تيمية ، فيقول : ( ولا يقرّون أنّ للعالَم خالقاً خلقه ) .

فعلى أيّ شيء يدلّ هذا التناقض ؟!

 

صفحة 80

 

خامساً : نسبَ صاحب السؤال إلى النصيرية القول : بقِدَم العالَم ، وكان من جملة المآخذ التي أخذها العلماء على ابن تيمية قوله : بقِدَم العالَم .

ذكرَ علي ابن الكافي في ( الدرّة المُضيّة في الردّ على ابن تيمية ) ، ما نصّه :

( وقال بما يقتضي الجسمية والتركيب في الذات المقدّسة ، وبأنّ الافتقار إلى الجزء ليس بمحال ، وقال بحلول الحوادث بذات الله تعالى ، وإنّ القرآن مُحدَث تكلّم الله به بعدَ أن لم يكن ، وإنّه يتكلّم ويسكت ، ويُحدِث في ذاته الإرادات بحسب المخلوقات ، وتعدّى في ذلك إلى استلزام قِدَم العالَم ، والتزامه بالقول : بأنّه لا أوّل للمخلوقات ، فقال : بحوادث لا أوّل لها ، فأثبتَ الصفة القديمة حادثة ، والمخلوق الحادث قديماً ) .

هذا غيضٌ من فيض ، ممّا في كلام ابن تيمية من بُعد عن الحقيقة والواقع ، وبالاستناد إلى هذه الأقوال المهزوزة ، أُهدرت دماءٌ بريئة ظلماً وعدواناً .

***

[ب ـ شمس الدين محمد الأنصاري .]

وهناك شخصٌ معاصر لابن تيمية ، هو شمس الدين محمد الأنصاري ، المعروف بشيخ الربوة ( ت 727 ) ، تكلّم عن النصيرية أيضاً ، من خلال حديثه عن جبل السماق (1) ، قال :

( جبل السماق ، وهذا الجبل معمور بطائفة تسمّى النصيرية ، غلاة في غلاء علي بن أبي طالب عليه السلام ، فالنصيرية نِحلتهم وآراءهم مركّبة على أربعة مذاهب :

الأول : فلسفية يعتقدون النسخ ، وقَبله المسخ والفسخ ، ثمّ آخر ذلك الرسخ ، فالمسخ : انقلاب صورة إنسانية إلى صورة حيوانية ، كالقردة والخنازير ، فجأة بغتة ؛ جزاءً نكالاً ، وانقلاب معنى إلى معنى ، كذلك والنسخ : انتقال المعنى من صورة إلى صورة بالبدل ، ويسمّون الصور قمصاناً ، وكلّ

ــــــــــــــــــــــ

(1) نخبة الدهر في عجائب البر والبحر .


الصفحة 81

صورة هيكلية قميص ، ويزعمون أنّ الإنسان الراقي في درج السعادة بأعماله الزكية ، لا يزال ينتقل بروحه من قميصٍ سعيد إلى قميصٍ سعيد ، حتى ينتقل في سبعين قميصاً إلى الملائكة .

وإنّ الإنسان النكاص في دركٍ أمَدّ درج الشقاوة إلى أسفل السافلين ، لا يزال كذلك ينتقل متردّداً في سبعين قميصاً منه شقياً ، ( وأشقى ومعذّباً وأشدّ عذاباً منه ) ، وكلّها قُمص إنسانية ، حتى يبلغ آخِرها فيدخل في الفسخ ، فيدخل في الصور الحيوانية : كالجمل ، والفرس ، والحمار ، والبغل ، والبقر ، والمعز ، والضان ، والكلب ، والخنزير ، والدب ، وسائر الحيوانات ، فييأس حينئذٍ من الروح والرحمة ، ويكون من الجهنميين المعذّبين بأنواع العذاب : كالذبح ، والقتل ، وأنواع التعذيب بالأغلال والسلاسل ، والتقييد والتغلغل والصمت والحجب عن الربّ ، وغلق أبواب السماء عنه ، ( ولا يُقبل منه قولاً ، ولا يُسمع له شكوى ) .

ويزعمون أنّ الروح المعذّبة الواصلة في قمصٍ حيوانية إلى هذه الدركات لا يدخلون الجنّة ، ولا يجِدون ريحتها ، ولا تُفتّح لهم أبواب السماء ، ولا يزالون في عذابٍ مستمر ، إلى أن يدخل الجمل في سَمِ الخِياط من دقّته ، وحقارة خلقته ، وذمامة صورته ، فيكون كدود الخلّ في الذمامة والحقارة ( فيدخل بجسده الحقير في خرم الإبرة ، الذي هو سَمُ الخِياط ) ، وهناك يصير بعد الفسخ إلى الرسخ في المعدن والنبات قبله ( ثمّ فيه بعده ، وإذا رسخَ لطيفه في المعدن ، وصارت المعادن صورة قميصٍ له ، عُذّب بالنار الحامية ، ونار السبك ، وضُرب بالمزارب كالحديد ،  ويمرَق كلّ مُمرّق ، وهناك الخلود ، فلا موت أبدَ الآباد ، فهذا ما يزعمونه من أمر المعاد .

وهذا مأخوذ من كلام الصابية ، ومن عَبدة الأصنام الهنود الجاهلية ، وغيرهم ممّن لا يدين بدين الرسل ( عليهم السلام ) ، وهو رأيٌّ فاسدٌ ، ونِحلةٌ منقوضةٌ عقلاً وشرعاً ، ولا مبادئ لها ولا مستند ، ومن نقضها : إيراد الملاحم الكبار ، وإيراد المبدأ في خلق الإنسان ، وإيراد نشأة السيد عندهم وحال طفولية ، وإيراد حال جزاء الحيّة والعقرب ، على مقتضى ما زعموه ، ولا يجدون لإيرادٍ منه جواباً .

والنِحلة الثانية : اعتقادهم الحلول ، وكفرهم بالله تعالى ، حيث يزعمون الصورة المرئية هي الغاية الكليّة ، يعنون أن لا شيء أصلاً غير الصورة والمادّة ، فبالوجود الوجود ظاهره خلق ، وباطنه خالقه ، وأنّ هذا الوجود ظهر


الصفحة 82

في كلّ موجودٍ ، فاستعلن في الصورة الإنسانية ، واستعلن من النوع الإنساني في صورة مخصوصة : كآدم وشيث بعده ، ونوح ، وإبراهيم ، وهارون ، ويوسف ، والمسيح ، وعلي بن أبي طالب .

ويزعمون أنّ كلّ صورة وصورة معناها واحد هو هو ، فظاهر الصورة نبوءة وإمامة ، وباطنه غيبٌ لا يُدرك ، بل فعّال لِمَا يريد ، وهو مُنفعل كما يريد ، وأنّ له باباً لا يدخله عِلمُ عالِمٍ به ، ولا عقلُ عاقلٍ له ، ولا معرفةُ عارفٍ به ، إلاّ من ذلك الباب ، وأنّه لا سبيل إلى رؤيته ، والتمتّع بالنظر إلاّ من وراء حجاب ، لابدّ من ذلك الحجاب .

ويزعمون أنّ محمداً ( صلّى الله عليه وسلّم ) حجابُ علي ، وأنّ سلمان الفارسي بابٌ إليه ، ولهم خرافات لا يمكن للعقلاء الإصغاء إليها والفَهم لها ، فالتصدي للردّ عليهم ببيان هذيانهم ؛ لجهالتهم بالقِدَم والحادث ، وإطلاق الوجود والوجود المطلق والذات والصفات ، وما يجب وما يجوز وما يستحيل ، وهُم في ذلك غلاة كالأنعام ، بل هُم أضلّ سبيلاً ، وهذا ما أخذوه من النصارى ، الذين أخذوه من كفر الفلاسفة ، فإنّهم ذهبوا إلى العالَم لا سواه ، وشكّلوا عِلله ومعلولاته إلى علّة العِلل ، وانتهوا إليها ووقفوا عندها ، وكان الوجود بأسره عندهم عاقلٌ وعقلٌ ومعقولٌ ، وعالٍ وعلةٍ ومعلولٍ ، وروح ونفس وجسد ، وأب وابن وروح قدس وباب وحجاب ومعنى ، وقد أوضحت أصول التثليث بهذه الإشارات ، وتعالى الله الحقّ الأحَد عمّا يقول الظالمون والجاحدون علوّاً كبيراً .

والنِحلة الثالثة : زعموا فيما زعموه ، في الديانة والتعبّد والاقتداء والتشريع ، أخذوا الغلو من أبي طاهر القرمطي ، ومن ملوك مصر الفاطميين : كالآمر ، والحاكم ، والمعزّ ، ومَن دسّ أصحاب الرسائل ، وكتّاب النطقاء ، ومن آراء الباطنية في معنى الصلاة والزكاة والحج والصوم ، وتأويل ألفاظ القرآن بما أرادوه دون ما هو المراد منه ، فكانوا بذلك رافضة من وجه ، وزنادقة من وجه ، وكفار من وجه ، ومنافقين من وجه ، وجاهلية جهلاً من وجه ، وخلاصة ما هُم عليه : توفية الطبع حقّه من الأكل والشرب والنكاح لا غير ذلك ) .

هذا الكلام يختلف عن الأقوال السابقة من عدّة نقاط ، هي :


الصفحة 83

 

1 ـ يقول شيخ الربوة : إنّ نحلة النصيرية مركّبة على أربع مذاهب ، لكنّه لم يذكر غير ثلاثة .

2 ـ يتبيّن من حديثه أنّه لا يعلم معنى النسخ  والمسخ والرسخ والفسخ . والتناسخية يسمّون تعلّق روح الإنسان ببدنِ إنسانٍ آخَر : نسخاً ، أو ببدنِ حيوانٍ آخَر : مسخاً ، وبجسمٍ نباتيٍ : فسخاً ، وبجسمٍ جماديٍ : رسخاً (1) . ولم يذكروا أنّ الروح تنتقل من المسخ إلى الفسخ ، ثمّ تصير بعد الفسخ إلى الرسخ .

3 ـ يقول شيخ الربوة : إنّ الوجود ظهرَ في كلّ موجودٍ ، فاستعلن في الصورة الإنسانية ، واستعلن من النوع الإنساني في صورةٍ مخصوصةٍ : كآدم ، وشيث بعده ، ونوح ، وإبراهيم ، ويوسف ، والمسيح ، وعلي بن أبي طالب .

 وهذا الكلام يتناقض مع ما ذكره صاحب السؤال الموجّه إلى ابن تيمية ، عن انتقال الاسم والمعنى ، فعند صاحب السؤال انتقال الاسم والمعنى بالتسلسل التالي :

4 ـ صاحب السؤال الموجّه إلى ابن تيمية ، يتّهم النصيرية بالقول :

ــــــــــــــــــــــ

(1) الكفوي : الكليات ج2 ، ص(90) .


الصفحة 84

 بقِدَم العالَم أمّا شيخ الربوة ، فينفي هذه التهمة عنهم ويقول : ( لجهالتهم بالقِدَم والحادث ، وإطلاق الوجود والوجود المطلق والذات والصفات ، وما يجب وما يجوز وما يستحيل ) .

5 ـ إنّ جميع الآثار التي وصلتنا ، تذكر أنّ سكّان جبل السمّاق من الإسماعيلية .

يذكر ياقوت الحموي في  معجم البلدان : جبل السمّاق... هو جبلٌ عظيم من أعمال حلب الغربية ، يشتمل على مدن كثيرة وقرى وقلاع ، عامّتها للإسماعيلية .

ويذكر القزويني في ( آثار البلاد وأخبار العباد ) ، ما نصّه : ( وبها جبل السمّاق ، وهو جبلٌ عظيم من أعمال حلب ، يشتمل على مدن وقرى أكثرها للإسماعيلية ،... وحُكي أنّ نور الدين صاحب الشام أنكر مَلك الإسماعيلية في وسط بلاده ، فجاءه قاصداً أخْذَه ، فلمّا نزلَ عليه في لَيلته الأُولى أصبحَ فرأى عند رأسه رقعة وسكيناً ، وكان في الرقعة : إنْ لم ترحل الليلة الآتية تكون هذه السكين في بطنك ، فارتحلَ عنه ) .

وذَكر أحد بن إبراهيم الحنبلي في ( شفاء القلوب في مناقب بني أيوب ) : ( بعثَ العادل إلى بلاد الإسماعيلية وأحرق سرمين ومعرة مصرين ، وجبل السمّاق ، وقتلَ معظم أهله ) .

وإذاً ، فإنّ شيخ الربوة يتحدّث عن الإسماعيلية من حيث لا يدري ، وهذا ما يُفهم من قوله أيضاً : ( أخذوا الغلو من أبي طاهر القرمطي ) ، والمعروف تاريخياً : أنّ القرامطة هُم إسماعيلية ، ولو أنّ النصيرية هُم القرامطة ، لتكلّم عنهما أصحاب الفِرق كفرقةٍ واحدة ، لكنّهم اعتبروهما فِرقتين مستقلّتين ، وتحدّثوا عن كلّ فرقةٍ منهما على حدة ، وما قالوه عن هذه يختلف عمّا قالوه عن تلك .

وهناك شخصٌ آخَر معاصر لابن تيمية ولشيخ الربوة ، هو شهاب الدين بن العمري (ت 749هـ) ، تكلّم عن النصيرية أيضاً من خلال حديثه


الصفحة 85

عن ( إيمان طوائف من أهل البدع ) (1) ، وممّا قاله : ( فأمّا النصيرية فهُم القائلون بإلوهية علي ، وإذا مرّ بهم السحاب قالوا : السلام عليك يا أبا الحسن ، يزعمون أنّ السحاب مسكنه ، ويقولون : إنّ الرعد صوته ، وإنّ البرق ضحكه ، وإنّ سلمان الفارسي رسولَه ، ويحبّون ابن ملجم ، ويقولون : إنّه خلّص اللاهوت من الناسوت ، ولهم خطابٌ بينهم ، مَن خاطبوه به لا يعود يرجع عنهم ولا يذيعه ولو ضُربت عنقه ، وجرّب هذا كثيراً ، وهي طائفة ملعونة مرذولة مجوسية المعتقد لا تحرّم البنات ولا الأخوات ولا الأمّهات ، ويُحكى عنهم في هذا حكايات ، ولهم اعتقاد في تعظيم الخمر ويرون أنّها من النور ، ولهم قولٌ في تعظيم النور مثل قول المجوس أيضاً أو ما يقاربه .

أيمانهم :

إنّني وحقّ العليّ الأعلى ، وما أعتقده في المظهر الأسنى ، وحقّ النور وما نشأ منه والسحاب وساكنه ، إلاّ برئتُ من مولاي علي العليّ العظيم وولائي له ومظاهر الحق ، وكشفتُ حجاب سلمان بغير إذن ، وبرئتُ من دعوة الحجّة نصير وخضتُ مع الخائضين في لعنة ابن مُلجم ، وكفرتُ بالخطاب ، وأذعتُ السرّ المصون ، وأنكرتُ دعوى أهل التحقيق ، وإلاّ قلعتُ أصل شجرة العنب من الأرض بيدي حتى اجتثّت أصولها وأمنع سبيلها ، وكنت مع قابيل على هابيل ، ومع النمرود على إبراهيم ، وهكذا مع كلّ فرعون قامَ على صاحبه ، إلى أن ألقى العليّ العظيم وهو عليَّ ساخطٌ ، وأبرأ من قول قنبر ، وأقول : إنّه بالنار ما تطهّر ) .

هذا القول يجعلنا نتساءل عن وجه الشبه ما بينه وبين الأقوال السابقة ، كما يجعلنا نتساءل أيضاً : هل ما ذكره العمري ، هو قول النصيرية حقّاً ؟! لأنّنا إذا رجعنا إلى كُتب الفِرق وجَدنا هذه الأقوال منسوبة إلى فرقة السبأيّة ، وكذلك إلى القرامطة .

ــــــــــــــــــــــ

(1) التعريف بالمصطلح الشريف .


الصفحة 86

يقول الملطي في ( التنبيه والرد ) : ( والفرقة الثانية من السبأيّة يقولون : إنّ علياً لم يمُت ، وإنّه في السحاب ، وإذا نشأت سحابة بيضاء صافية منيرة ، مُبرقة مُرعدة قاموا إليها يبتهلون ويتضرّعون ، ويقولون : قد مرّ علي بنا في السحاب ) .

ويذكر البغدادي في ( الفَرق بين الفِرق ) : ( وزعم بعض السبأيّة أنّ علياً في السحاب ، وأنّ الرعد صوته ، والبرق صوته ، ومَن سمع من هؤلاء صوت الرعد ، قال : عليك السلام يا أمير المؤمنين ) .

ويذكر الأسفرايني في ( التبصير في الدين ) : ( فلمّا قُتل علي ، قال عبد الله بن سبأ : إنّ علياً حيٌ لم يُقتل ولم يمُت... بل هو في السماء ، وعن قريب ينزل وينتقم من أعدائه ، وقال بعضهم : إنّه في الغيم ، والرعد صوته ، والبرق ضحكه ، وإذا سمعوا صوت الرعد ، قالوا : السلام عليك يا أمير المؤمنين ) .

ومثل ذلك يذكر الشهرستاني ، وغيره... وغيره...

وهناك مَن نسب هذا القول إلى فرقة تسمّى المنصورية .

يقول ابن عبد ربّه في ( العقد الفريد ) : ( إنّ من الروافض مَن يزعم أنّ علياً ( رضي الله عنه ) في السحاب ، فإذا أطلّت عليهم سحابة ، قالوا : السلام عليك يا أبا الحسن ، وهؤلاء من الرافضة ، يقال لهم : المنصورية ، وهُم أصحاب أبي منصور الكسف ، وإنّما سمّي الكسف ؛ لأنّه كان يتأوّل في قول الله عزّ وجلّ : ( وَإِن يَرَوْا كِسْفاً مِنَ السّماءِ سَاقِطاً يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ ) (1) .

وما دمنا بصدد الحديث عن ( علي في السحاب ) ، فمن المفيد أن نذكر كيف انتقل هذا القول إلى الألسن .

يقول ابن حجر الهيتمي في ( الصواعق المحرقة ) :

ــــــــــــــــــــــــ

(1) الجزء الثاني ، ص(404) .


الصفحة 87

( وأخرجَ ابن عساكر أنّه لمّا قُتل ـ أي علي عليه السلام ـ حملوه ليدفنوه مع رسول الله ( صلّى الله عليه وسلّم ) ، فبينما هُم في مسيرهم لَيلاً إذ ندا الجَمل الذي عليه ، فلم يُدرَ أين ذهب ولم يُقدر عليه ، فلذلك يقول أهل العراق : هو في السحاب ، وقال غيره : إنّ البعير وقَع في بلاد طيّ ، فأخذوه ودفنوه ) .

وجاء في ( الغدير ) للأميني (1) :

( قال أبو الحسن الملطي في ـ التنبيه والرد ـ ص(26) ، قولهم ـ ( يعني الروافض ) ـ : علي في السحاب ، فإنّما ذلك قول النبي ( صلّى الله عليه وسلّم ) لعلي : ( أقبِل ) ، وهو مُعتم بعمامة للنبي ( صلّى الله عليه وسلّم ) كانت تدعى ( السحاب ) ، فقال ( صلّى الله عليه وسلّم ) : ( قد أقبلَ علي في السحاب ) ، يعني في تلك العمامة التي تسمّى السحاب ، فتأوّلوه هؤلاء على غير تأويله ) .

وقال الغزالي في البحر الزخار (ج1/ 215) : ( كانت له عمامة تسمّى السحاب فوهبها من علي ، فربّما طَلَع عليٌ فيها ، فيقول ( صلّى الله عليه وسلّم ) : ( أتاكم علي في السحاب ) .

وقال الحلبي في السيرة (ج3 / ص369) : ( كان له ( صلّى الله عليه وسلّم ) عمامة تسمّى السحاب ، كساها علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه ، فكان ربّما طَلَع عليه علي كرّم الله وجهه ، فيقول ( صلّى الله عليه وسلّم ) : ( أتاكم علي في السحاب ) ، يعني عمامته التي وهبها له ( صلّى الله عليه وسلّم ) .

قال الأميني : ( هذا معنى ما يُعزى إلى الشيعة من قولهم : إنّ علياً في السحاب ، لم يؤوله أيُّ أحدٍ منهم قط ، من أوّل يومهم على غير تأويله كما حسب الملطي ، وإنّما أوّلَه الناس افتراءً علينا ، والله من ورائهم حسيب ) .

أمّا القول : ( وهي طائفة ملعونة مرذولة ، مجوسية المعتقد ، لا تحرّم البنات ولا الأخوات ولا الأمّهات ، ولهم اعتقادٌ في تعظيم الخمر ... ) .

ــــــــــــــــــــــ

(1) الجزء الأوّل ، ص(290) .


الصفحة 88

فلا يختلف في معناه عمّا نُسب إلى الخرمية والقرامطة .

وأمّا أيمانهم ـ كما رسمها ابن العمري ـ فلنا عودة إليها في مكانٍ آخَر من الكتاب .

وقد نقلَ القلقشندي ( ت 821هـ ) في ( صبح الأعشى ) ما كَتبه عن النصيرية (1) ، عن ابن العمري ، وما كَتبه في ( التعريف بالمصطلح الشريف ) ، وعن الشيخ شمس الدين محمد بن إبراهيم بن ساعد الأنصاري في ( إرشاد القاصد إلى أسنى المقاصد ) ، ولا يوجد في كلام القلقشندي ما يستحقّ الوقوف عنده بعد أن وقفنا عند الذين أخَذَ عنهم . هذه هي أهم أقوال الأقدَمين في النصيرية .

 

[الخلفيات السياسية للتقوُّل على النصيرية :

أ ـ الأُمويون .]

وهي كما تبيّن لم تسِر في خطوطٍ متوازيةٍ متقاربة ، ونحن إذا تجاوزنا كلّ ما فيها من تناقضٍ وسقطات ، ومجانبة للحقيقة ، وسلّمنا بصحتها جميعها أو بعضها ، فمن الغباء أن نتجاهل الخلفيات السياسية ، والموقف من الشيعة عموماً ، على الصعيدين : الرسمي ، والعام ، منذُ بِدء تكوّن نواة الشيعة وحتى نهاية الخلافة العباسية وما بَعد .

فمن المعلوم : أنّ معاوية بن أبي سفيان نالَ الخلافة بالخديعة والمَكر ، وكان أكبر خطر يتهدّد حُكمه وجود الإمام علي ( عليه السلام ) ، وهو ليس بالخصم الهيّن ؛ نظراً لِمَا له من شخصية طاغية لها سحرها الخاص في نفوس المسلمين ؛ لجملةٍ من الأسباب : أهمّها كونُه ربيب رسول الله ( صلّى الله عليه وسلّم ) ، وابن عمّه ، وزوج ابنته الزهراء ، ومنها أيضاً ، مواقفه المشهورة في الدفاع عن الإسلام وتوطيد أركانه ؛ لذلك كان هَمّ معاوية الوحيد حجب بريق هذه الشخصية والحدّ من تأثيرها .

واستخدمَ في سبيل ذلك حرباً ( إعلامية ) مسعورة ، سارت في اتّجاهين :

ــــــــــــــــــــــ

(1) الجزء 13 ، ص(222) .


الصفحة 89

الاتّجاه الأوّل : شتمُ علي على المنابر ؛ لزرع بغضه في قلوب الناس وأذهانهم ، وكان معاوية يقول في آخِر خطبة الجمعة : ( الّلهم إنّ أبا تراب ألْحَدَ في دينك ، وصدّ عن سبيلك ، فالعنهُ لعناً وبيلاً ، وعذّبه عذاباً أليماً ) ، وكَتب بذلك إلى الآفاق ، فكانت هذه الكلمات تسير بها المنابر إلى خلافة عمر بن عبد العزيز (1) ، وقد رَوى الجاحظ : أنّ قوماً من بني أميّة قالوا لمعاوية : ( يا أمير المؤمنين ، إنّك قد بَلغتَ ما أمِلتَ فلو كففتَ عن لعنِ هذا الرجل ، فقال : لا والله ، حتى يربو عليها الصغير ويهرم عليها الكبير ، ولا يذكر له ذاكر فضلاً ) (2) .

كما كان يوصي وُلاتَه بشتم علي ، وإقصاء أصحابه وترك الاستماع منهم ، فلمّا وُلّي المغيرة بن شعبة الكوفة ( في جمادى سنة إحدى وأربعين ، دعاه فحمدَ الله وأثنى عليه ، ثمّ قال : أمّا بعد ، فإنّ لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا ، وقد قال المتلمس :

لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا       وما علم الإنسان إلاّ ليعلَما

وقد يجزي عنك الحكيم بغير تعليم ، وقد أردت إيصاءك بأشياءٍ كثيرة ، فأنا تاركها اعتماداً على بصرك بما يرضيني ، ويسعد سلطاني ويصلح به رعيّتي ، ولستُ تاركاً إيصاءك بخصلةٍ : لا تتحم عن شتم علي وذمّه ، والترحّم على عثمان والاستغفار له ، والعَيب على أصحاب علي ، والإقصاء لهم وترك الاستماع منهم ، وبإطراء شيعة عثمان رضوان الله عليه ، والإدناء لهم ، والاستماع منهم ) (3) .

الاتّجاه الثاني : حَمل صنائعه بالمغريات المادّية ، على وضع الأخبار القبيحة في علي ( عليه السلام ) ، تقتضي الطعن فيه والبراءة منه .

ـــــــــــــــــــــــــ

(1) ابن أبي الحديد : شرح نهج البلاغة ، ج1 ، ص463 .

(2) تاريخ الطبري : ج5 ، ص253 ، طبعة دار المعارف بمصر .

(3) المرجع السابق .

 

الصفحة 90

ذكرَ ابن أبي الحديد (1) نقلاً عن أبي جعفر الاسكافي قوله : ( إنّ معاوية وضعَ قوماً من الصحابة ، وقوماً من التابعين على رواية أخبارٍ قبيحة في علي ( عليه السلام ) ، تقتضي الطعن فيه والبراءة منه ، وجعلَ لهم على ذلك جَعلاً يرغِّب في مثله ، فاختلقوا ما أرضاه ) .

وهكذا فتحَ باب الدسّ والاختلاق على مصراعَيه ، وراحَ معاوية ووُلاته يختلقون الكتب على ألسِنة الناس ، ويحملونهم على الشهادات الكاذبة ، من ذلك مثلاً : شهادة أبي بردة بن أبي موسى في حِجر بن عَدي ، وهي (2) :

( بسم الله الرحمن الرحيم : هذا ما شهدَ عليه أبو بردة بن أبي موسى لله ربّ العالمين ، شهدتُ أنّ حجر بن عدي خَلع الطاعة ، وفارقَ الجماعة ، ولعنَ الخليفة ، ودعا إلى الحرب والفتنة ، وجَمع إليه الجموع يدعوهم إلى نكث البيعة وخَلْع أمير المؤمنين معاوية ، وكفر بالله عزّ وجلّ كُفرةً صلعاء ، فقال زياد على مثل هذه الشهادة ، فاشهدوا أمَا والله لأجهدنّ على قطع عنق الخائن الأحمق ، فشهدَ رؤوس الأرباع على مثل شهادته ) .

ومن ذلك أيضاً ، كتاب زياد بن أبي سفيان إلى معاوية ، ونصّه :

( بسم الله الرحمن الرحيم : لعبد الله معاوية أمير المؤمنين من زياد بن أبي سفيان ، أمّا بعد ، فإنّ الله قد أحسنَ عند أمير المؤمنين البلاء فكادَ له عدوه ، وكفاه مؤنة مَن بغى عليه .

إنّ طواغيت من هذه الترابية السبأيّة ، رأسهم حِجر بن عَدي خالفوا أمير المؤمنين ، وفارقوا جماعة المسلمين ، ونَصَبوا لنا الحرب ، فأظهَرَنا الله عليهم ، وأمكننا منهم ، وقد دعوتُ خيار أهل المصر وأشرافهم وذوي السنّ والدين منهم ، فشهدوا عليهم بما رأوا وعملوا ، وقد بعثتُ بهم إلى أمير المؤمنين ، وكتبتُ شهادة صلحاء أهل

ـــــــــــــــــــــــ

(1) ابن أبي الحديد : شرح نهج البلاغة ، ج5 ، ص467 .

(2) تاريخ الطبري : ج5 ، ص271 .


الصفحة 91


المصر وخيارهم في أسفل كتابي هذا ) (1) .

وذكرَ ابن تغري بردي في ( النجوم الزاهرة ) :  ( قال هشام بن محمد ، عن أبي مخنف ، وجه آخر في حديث قيس بن سعد ومعاوية ، قال : لمّا آيَسَ معاوية من قيس بن سعد ، شَقّ عليه ؛ لِمَا يعرف من حزمه وبأسه ، فأظهرَ للناس أنّ قيساً قد بايعه ، واختلقَ معاوية كتاباً فقرأهُ على أهل الشام ، فيه :

أمّا بعد ، لمّا نظرتُ أنّه لا يسعني مظاهرة قومٍ قتلوا إمامهم مُحرماً مسلماً برّاً تقيّاً مستغفراً ، وإنّي معكم على قتله بما أحببتم من الأموال والرجال متى شئتم عجّلتُ عليكم ) (2) .

وكثيراً ما كانت هذه الكُتب المختلَقة ، تتضمّن إلصاق شتّى التّهم بخيارِ الناس وصُلحائهم ، ممّن والَوا علياً ، وانضمّوا إلى صفّه ، وكان الاتّهام بشرب الخمر من أيسر التّهم ، ذكرَ الطبري في تاريخه ما قاله ابن زياد لمسلم بن عقيل ، متّهماً إيّاه بشرب الخمر :

( إيه يا بن عقيل ، أتيت الناس وأمرهم جميع ، وكلمتهم واحدة لتُشتّتهم وتفرّق كلمتهم ، وتحمل بعضهم على بعضٍ ، قال : كلا ، لستُ أتيت ، ولكنّ أهل المصر زعموا أنّ أباك قتلَ خيارهم وسفك دماءهم ، وعملَ فيهم أعمال كسرى وقيصر ، فأتيناهم لنأمر بالعدل وندعو إلى حكم الكتاب ، قال : وما أنت وذاك يا فاسق ، أو لَم نَكُ نعمل بذلك فيهم إذ أنت بالمدينة تشرب الخمر ، قال : أنا أشرب الخمر ! والله ، إنّ الله ليعلم أنّك غير صادق ، وأنّك قلتَ بغير علم ، وأنّي لستُ كما ذكرتَ ) (3) .

ولم يكتفِ صنائع معاوية باختلاق الأقاويل ، بل تعدّوا ذلك إلى اختلاق الشخصيات والروايات ، اختلقوا مئة وخمسين صحابياً ، نسبوا

ــــــــــــــــــــ

(1) المرجع السابق .

(2) الجزء الأوّل ، ص100 .

(3) تاريخ الطبري : ج5 ، ص377 .


الصفحة 92

إليهم كثيراً من الأقوال الباطلة (1) ، كما اختلقوا شخصية ابن السوداء ، أو عبد الله بن سبأ ، وحرصوا على جعل أصله يهودياً ؛ حتى يتمكّنوا بذلك من ربط أصول الفكر الشيعي الأُولى بجذورٍ يهودية .

وهكذا أخَذت شيعة علي ( عليه السلام ) نَعْتَ السبأيّة ، ونَسبوا إلى ابن سبأ القول بإلوهية علي بن أبي طالب ، كما نَسبوا إليه أقوالاً أُخرى ، وهي : القول بالغَيبة ، القول بالرجعة ، القول بتناسخ الجزء الإلهي في الأئمة بعدَ علي ( عليه السلام ) ، والطعن على أبي بكر وعمر وعثمان... إلخ .

وهُم ـ كما يبدو ـ أخذوا الأحاديث في فضائل علي ( عليه السلام ) وأقوال الإمام التي يتحدّث فيها عن نفسه ، من خلال خطبه ، وتأوّلوها على أنّها شركة في الرسالة وادّعاء بالربوبية ، ونَسبوها إلى عبد الله بن سبأ ؛ للتلبيس على العامّة وتضليلها ، وقد نجحوا في ذلك أيّما نجاح .

من ذلك مثلاً : قول الإمام ( عليه السلام ) عند فتح خيبر( والله ، ما قلعتُ باب خيبر بقوّة جسدية ، وإنّما بقوّة إلهية ) .

ومن ذلك أيضاً : قوله ( عليه السلام ) لسعيد بن الفضل بن الربيع بن مدركة : ( سَل عمّا بدا لك ، فأنا كنز الملهوف ، أنا الموصوف بالمعروف ، أنا الذي قرعتني الصمم الصلاب ، وهطلَ بأمري صوب السحاب ، وأنا المنعوت في الكتاب ، أنا الطود والأسباب ، أنا ق والقرآن المجيد ، أنا النبأ العظيم ، أنا الصراط المستقيم ، أنا البارع أنا العسوس ، أنا القلمس ، أنا الفعوس ، أنا المداعس ، أنا ذو النبوّة والسطوة ، أنا العليم ، أنا الحكيم ، أنا الحفيظ ، أنا الرفيع ، بفضلي نطقَ كلّ كتاب ، وبعلمي شهدَ ذوو الألباب ، أنا علي أخو رسول الله ) (2) .

ومن ذلك أيضاً : قوله ( عليه السلام ) :

ــــــــــــــــــــــ

(1) السيد مرتضى العسكري : خمسون ومئة صحابي مختلق .

(2) حسين بن عبد الوهّاب : عيون المعجزات .


الصفحة 93

( سلوني قبل أن تفقدوني ، فو الذي نفسي بيده لا تسألوني عن شيء فيما بينكم وبين الساعة ، ولا عن فئة تهدي مئة وتضل مئة إلاّ أنبأتكم بناعقها وقائدها وسائقها ، ومناخ ركابها ، ومحطّ رحالها ، ومَن يُقتل من أهلها قتلاً ، ومَن يموت موتاً ) .

وقد تنبّه شارح نهج البلاغة إلى ما تحمله هذه الكلمات من معاني ، فقال :

( وهذه الدعوى ليست منه ( عليه السلام ) ادّعاء الربوبية ولا ادّعاء النبوّة ، ولكنّه كان يقول : إنّ رسول الله ( صلّى الله عليه وسلّم ) أخبرهُ بذلك ، وقد امتحنّا إخباره فوجدناه موافقاً فاستدللنا بذلك على صدق الدعوى المذكورة ، كإخباره عن الضربة التي يضربها في رأسه فتخضب لحيته ، وإخباره بمِلك معاوية الأمر من بعده ، وإخباره عن الحجّاج وعن يوسف بن عمر ، وما أخبرَ به من أمر الخوارج بالنهروان ، وما قدّمه إلى أصحابه من أخبار بقتل مَن يُقتل منهم وصلب مَن يُصلب... ) .

وقد راجت أسطورة عبد الله بن سبأ في الأذهان ، وتناقلها الكتّاب على أنّها حقيقة واقعة ، إلى أن تنبّه إلى زيفها الكتّاب المعاصرون : كطه حسين ، وعلي الوردي ، والسيد مرتضى العسكري ، وسواهم.

يقول طه حسين في ( الفتنة الكبرى ) :

( وأكبر الظنّ كذلك أنّ خصوم الشيعة أيّام الأمويين والعباسيين قد بالغوا في أمر عبد الله بن سبأ هذا ؛ ليشكّكوا في بعض ما نُسب من الأحداث إلى عثمان ووُلاته من ناحية ، وليشنّعوا على علي وشيعته من ناحيةٍ أُخرى ، فيردّوا بعض أمور الشيعة إلى يهودي أسلَم كيداً للمسلمين ، وما أكثر ما شنّعَ خصوم الشيعة على الشيعة ، وما أكثر ما شنّع الشيعة على خصومهم في أمر عثمان وفي غير أمر عثمان .

فلنقف من هذا كلّه موقف التحفّظ والتحرّج والاحتياط ، ولْنُكبِر


الصفحة 94

المسلمين في صدر الإسلام عن أن يعبث بدينهم وسياستهم وعقولهم ودولتهم رجلٌ أقبلَ من صنعاء ، وكان أبوه يهودياً وكانت أمّه سوداء ، وكان هو يهودياً ثمّ أسلَم لا رغباً ولا رهباً ، ولكن مكراً وكيداً وخداعاً ، ثمّ أُتيحَ له من النجح ما كان يبتغي ، فحرّضَ المسلمين على خليفتهم حتى قتلوه ، وفرّقهم بعد ذلك أو قبل ذلك شِيَعاً وأحزاباً .

هذه كلّها أمور لا تستقيم للعقل ، ولا تثبت للنقد ، ولا ينبغي أن تقام عليها أمور التاريخ ) .

ويذكر الدكتور علي الوردي في ( وعّاظ السلاطين ) :

( إنّ ابن سبأ لم يكن سوى عمار بن ياسر ، فلقد كانت قريش تعتبر عماراً رأس الثورة على عثمان ، ولكنّها لم تشأ في أوّل الأمر أن تصرّح باسمه ، فرمزت عنه بابن سبأ أو ابن السوداء ، وتناقلَ الرواة هذا الأمر غافلين ، وهُم لا يعرفون ماذا كان يجري وراء الستار... ) .

فالشيعة ـ زمن الأمويين ـ كانت بالمنظار الرسمي فئة كافرة ، سبأيّة تُألّه علياً ، رجالاتها فسّاق يشربون الخمر .

وهذا ما يتّضح من التّهم التي أُلصقت بعلي ( عليه السلام ) ، وحِجر بن عَدي ، ومسلم بن عقيل .

علي ( عليه السلام ) ألْحَد في دين الله ، وصدّ عن سبيله ، وحِجر بن عَدي ( رأس السبأيّة الكافرة ) ، كفرَ بالله عزّ وجلّ كُفرةً صلعاء ، ومسلم بن عقيل فاسق يشرب الخمر.... إلخ .

[ب ـ العبَّاسيون :]

ولمّا دالت دولة الأمويين وجاء العبّاسيون ، لم تتغيّر النظرة إلى الشيعة ؛ ذلك لأنّ الشيعة في العهد العباسي أصبحت قوّة كبيرة يُحسب حسابها ، أرقت مضاجع خلفاء بني العباس ، وخاصّةً بعدما لَمسوا التفافَ الناس حول العلويين في الثورات التي قاموا بها ضدّ الحُكم العباسي ، أو في الثورات التي قامت باسمهم ، وازدادَ الأمر سوءاً بعد ظهور الدولة الفاطميّة على مسرح الأحداث ؛ ولهذا فلا عجبَ أن رأينا خلفاء بني العباس ، قد سلكوا


الصفحة 95


نفس المسلك الذي سلكه من قَبلهم خلفاء الأمويين ، وهو اللجوء إلى سلاح الدسّ والاختلاق ؛ لحَمل الناس على الصدود عن الشيعة ، وخضد شوكتهم . فالخليفة المهدي ـ حَكم من 158هـ إلى 169هـ ـ أمَر المتكلّمين أن يضعوا الكُتب على أهل ( الإلحاد ) ، والمقصود بهم : الشيعة الإسماعيلية ، والشيعة الإمامية ، والمعتزلة .

[الخليفة القادر بالله وفتوى التكفير :]

والخليفة القادر بالله ـ حَكم من 381هـ إلى 422هـ ـ أمَر بكتابة محضر يتضمّن الطعن في نسب العلويين خلفاء مصر ، جاء فيه : ( وإنّ هذا الناجم بمصر هو وسلفه كفّار وفسّاق فجّار ملحدون زنادقة ، معطّلون وللإسلام جاحدون ، ولمذهب الثنوية والمجوسية معتقدون ، قد عطّلوا الحدود ، وأباحوا الفروج ، وأحلّوا الخمور ، وسفكوا الدماء ، وسبّوا الأنبياء ، ولعنوا السلف ، وادّعوا الربوبية ) (1) ، كما وضعَ كتاباً بمذهب السنّة ،  وكفّر كلّ مَن يقول بخلافه ، وهو :

( يجب على الإنسان أن يعلم أنّ الله عزّ وجلّ وحده لا شريك له ، لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد ، ولم يتخذ صاحبةً ولا ولداً ولم يكن له شريكٌ في الملك ، وهو أوّل لم يزل ، وآخِر لا يزال ، قادرٌ على كل شيء غير عاجز عن شيء ، إذا أراد شيئاً قال له : كن فيكون .

غنيٌ غير محتاج إلى شيء ، لا إله إلاّ هو الحي القيّوم لا تأخذه سِنةٌ ولا نوم ، يُطعِم ولا يُطعَم ، لا يستوحش من وحدةٍ ولا يأنس بشيء وهو الغني عن كلّ شيء ، لا تخلفه الدهور والأزمان ، وكيف تُغيّره الدهور والأزمان وهو خالق الدهور والأزمان ، والليل والنهار ، والضوء والظلمة ، والسماوات والأرض وما فيها من أنواع الخلق والبَرّ والبحر ، وما فيها وكلّ شيء حي أو مَوات أو جماد كان ، ربّنا وحده لا شيء معه ولا مكان يحويه ، فخلقَ كلّ شيء بقدرته ، وخلقَ العرش لا لحاجة إليه فاستوى عليه كيف شاء وأراد ، لا استقرار راحة كما يستريح الخلق ، وهو مدبّر السماوات والأرضين ، ومدبّر ما فيها ومَن في البَرّ والبحر

ــــــــــــــــــــــــ

(1) ابن الجوزي : المنتظم في تاريخ الملوك والأمم ، ج7 ، ص255 .


الصفحة 96


 
ولا مدبّر غيره ولا حافظ سواه ، يرزقهم ويحرّضهم ويعافيهم ويميتهم ويحييهم ، والخلق كلّهم عاجزون والملائكة والنبيّون والمرسلون والخلق كلّهم أجمعون ، وهو القادر بقدرة والعالم بعلم أزلي غير مستفاد ، وهو السميع بسمع والمبصر ببصر يعرف صفتهما من نفسه ، لا يبلغ كُنههما أحدٌ من خلقه ، متكلّم بكلام لا بآلة مخلوقة كآلة المخلوقين ، ولا يوصف إلاّ بما وصفَ به نفسه أو وصفه به نبيّه ( عليه السلام ) ، وكلّ صفةٍ وصَفَ بها نفسه أو وصَفَه بها رسوله فهي صفةٌ حقيقيةٌ لا مجازية .

ويعلم أنّ كلام الله تعالى غير مخلوق ، تكلّمَ به تكليماً وأنزلهُ على رسوله ( صلّى الله عليه وسلّم ) على لسان جبريل بعدما سمعه جبريل منه ، فتلاهُ جبريلُ على محمدٍ ، وتلاهُ محمدُ على أصحابه وتلاهُ أصحابُه على الأمّة ، ولم يصِر بتلاوة المخلوقين مخلوقاً ؛ لأنّه ذلك الكلام بعينه الذي يتكلّم الله به فهو غير مخلوق ، فبكل حالّ متلوّاً ومحفوظاً ومكتوباً ومسموعاً ، ومَن قال : إنّه مخلوق على حال من الأحوال فهو كافر حلال الدم بعد الاستتابة منه .

ويعلم أنّ الإيمان قولٌ وعمل ونيةٌ ، وقولٌ باللسان وعملٌ بالأركان والجوارح وتصديقٌ به ، يزيد وينقص ، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية ، وهو ذو أجزاء وشُعب ، فأرفع أجزائه لا إله إلاّ الله ، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق ، والحياء من الإيمان ، والصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد ، والإنسان لا يدري كيف هو مكتوب عند الله ولا بماذا يُختم له ؛ فلذلك يقول : مؤمنٌ إن شاء الله ، وأرجو أن أكونَ مؤمناً ، ولا يضرّه الاستثناء والرجاء ، ولا يكون بهما شاكّاً ولا مرتاباً ؛ لأنّه يزيد بذلك ما هو مغيّب عنه من أمر آخِرَته وخاتمته ، وكلّ شيء يتقرّب به إلى الله تعالى ، ويعمل لخالص وجهه من أنواع الطاعات فرائضه وسنّته وفضائله ، فهو كلّه من الإيمان منسوب إليه ، ولا يكون للإيمان نهايةً أبداً ؛ لأنّه لا نهاية للفضائل ولا للمتبوع في الفرائض أبداً .

ويجب أن يحبّ الصحابة من أصحاب النبي ( صلّى الله عليه وسلّم ) كلّهم ، ويعلم أنّهم خير الخلق بعد رسول الله ( صلّى الله عليه وسلّم ) ، وأنّ خيرهم كلّهم وأفضلهم بعد رسول الله ( صلّى الله عليه وسلّم ) أبو بكر الصدّيق ، ثمّ عمر بن الخطّاب ، ثمّ عثمان بن عفّان ، ثمّ علي بن أبي طالب رضي الله عنهم ، ويشهد للعشرة بالجنّة ، ويترحّم على أزواج رسول الله ( صلّى الله عليه وسلّم ) ، ومَن سَبّ عائشة فلا حظّ له في الإسلام ، ولا يقول في معاوية إلاّ خيراً ، ولا


الصفحة 97

يدخل في شيء شَجَرَ بينهم ، ويترحّم على جماعتهم ، قال الله تعالى : ( وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ولإخوانِنا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ) ، وقال فيهم : ( وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ ) ، ولا يكفر بترك شيء من الفرائض غير الصلاة المكتوبة وحدها ؛ فإنّه مَن تَركها من غير عذرٍ وهو صحيح فارغ حتى يخرج وقت الأُخرى فهو كافر وإن لم يجحدها ؛ لقول النبي ( صلّى الله عليه وسلّم ) : ( بين العبد والكفر ترك الصلاة ، فمَن تركها فقد كفر ) ، ولا يزال كافراً حتى يندم ويعيدها ، فإن ماتَ قبل أن يندم ويعيد أو يضمر أن يعيد لم يُصَلَّ عليه ، وحُشر مع فرعون وهامان وقارون وأُبي بن خلف ، وسائر الأعمال لا يكفر بتركها وإن كان يفسق حين يجحدها ، ثمّ قال :

هذا قول أهل السنّة والجماعة ، الذي مَن تمسّك به كان على الحقّ المُبين وعلى منهاج الدين والطريق الواضح ، ورجى به النجاة من النار ودخول الجنّة إن شاء الله ، وقال النبي ( صلّى الله عليه وسلّم ) : ( وعلم الدين النصيحة ) ، قيل : لِمَن يا رسول الله ؟ قال : ( لله ، ولكتابه ، ولرسوله ، ولأئمة المسلمين ، ولعامّتهم ) ، وقال ( عليه السلام ) : ( أيّما عبدٍ جاءته موعظة من الله تعالى في دينه فإنّها نعمة من الله سبقت إليه ، فإن قَبِلها يشكر ، وإلاّ كانت حجّة عليه ، والله ، ليزداد بها إثماً ويزداد بها من الله سخطاً ) ، جعلنا الله لآلائه من الشاكرين ، ونَعمائه ذاكرين ، وبالسنّة معتصمين ، وغفرَ لنا ولجميع المسلمين ) (1) .

وبموجب ( الاعتقاد القادري ) أصبحت الشيعة ، وكل مَن لفّ لفّها ، فرقة كافرة ، وأفتى الفقهاء بقتلهم وقطعهم ونفيهم ، وهذا ما أشارَ إليه صراحة كتاب الأمير ، يمين الدولة أبي القاسم محمود ، إلى الخليفة القادر بالله ، ونصّه :

( سلامٌ على سيّدنا ومولانا الإمام القادر بالله أمير المؤمنين ، فإنّ كتاب العبد صدرَ من معسكره بظاهر الري ، غرّة جمادى الآخرة سنة عشرين ، وقد

ـــــــــــــــــــ

(1) المرجع السابق : ج8 ، ص38 .


الصفحة 98

أزالَ الله عن هذه البقعة أيدي الظلمة ، وطهّرها من دعوة الباطنية الكفرة والمبتدعة الفجرة ، وقد تناهت إلى الحضرة المقدّسة حقيقة الحال في ما قصر العبد عليه سعيه واجتهاده ، من غزو أهل الكفر والضَلال ، وقمع مَن نبغ ببلاد خراسان من الفئة الباطنية الفجّار ، وكانت مدينة الري مخصوصة بالتجائهم إليها ، وإعلانهم بالدعاء إلى كفرهم فيها يختلطون بالمعتزلة المبتدعة ، والغالية من الروافص المخالفة لكتاب الله والسنّة ، يتجاهرون بشتم الصحابة ويرون اعتقاد الكفر ، ومذهب الإباحة .

وكان زعيمهم رستم بن علي الديلمي ، فعطف العبد عنانه بالعساكر فطلعَ بجرجان وتوقّف بها إلى انصراف الشتاء ، ثمّ دلفَ منها إلى دامغان ، ووجّه علياً الحاجب في مقدّمة العسكر إلى الري ، فبرزَ رستم بن علي من وجاره على حُكم الاستسلام والاضطرار ، فقبضَ عليه وعلى أعيان الباطنية من قوّاده ، وطلعت الرايات إثر المقدّمة بسواد الري غدوة الاثنين السادس عشر من جمادى الأُولى ، وخرجَ الديالمة معترفين بذنوبهم شاهدين بالكفر والرفض على نفوسهم ، فرجعَ إلى الفقهاء في تعرّف أحوالهم ، فاتّفقوا على أنّهم خارجون عن الطاعة وداخلون في أهل الفساد ، مستمرّون على العناد ، فيجب عليهم القتل والقطع والنفي على مراتب جناياتهم ، وإن لم يكونوا من أهل الإلحاد ، وكيف واعتقادهم في مذاهبهم لا يعدو ثلاثة أوجه تسوّد بها الوجوه في القيامة : التشيّع ، والرفض ، والباطن .

ولا يؤتون الزكاة ولا يعرفون شرائط الإسلام ، ولا يميّزون بين الحلال والحرام ، بل يجاهرون بالقذف وشتم الصحابة ، ويعتقدون ذلك ديانة ، والأمثل منهم يتقلّد مذهب الاعتزال ، والباطنية منهم لا يؤمنون بالله عزّ وجلّ وملائكته وكُتبه ورسله واليوم الآخِر ، وإنّهم يعدّون جميع المِلل مخاريق الحكماء ، ويعتقدون مذاهب الإباحة في الأموال والفروج ) (1) .

 

[الشيعة والمشاعر الجماهيرية المناوئة لهم :]

هذا على الصعيد الرسمي ، أمّا على الصعيد العام ، فكان الشعور ضدّ الشيعة في أعلى درجات الاحتقان والتهييج ، ونتيجة لهذا الشعور العدائي تجاه الشيعة ، كانت الاعتداءات عليهم تتوالى ، وعلى مرأى ومسمع من

ــــــــــــــــــــ

(1) المرجع السابق : ج8 ، ص109 .


الصفحة 99

 الحّكام الذين لم يحرّكوا ساكناً . وقد تمثّلت هذه الاعتداءات في منع الشيعة من عمل عاشوراء ، وحرق ضريح قبر موسى بن جعفر ، وقبر زبيدة ، وقبور ملوك بني بوَيه وجميع الترب التي حواليها ، وقتل رجالاتهم والتشهير بهم ، وهَدْم مساجدهم ، كمسجد براثا الذي اعتُبر مسجد ضرار .

من ذلك مثلاً : ما رواه ابن الجوزي (1) عن البديع صاحب أبي النجيب ، وكان هذا متصوّفاً يعظ الناس ، فحُمل إلى الديوان وأُخذ من عنده ألواح من طين فيها ، قيل : عليها مكتوب أسماء الأئمة الاثنا عشر ، فاتّهموه بالرفض ، فشُهّر بباب النوبي ، وكُشف رأسه وأُدّب وأُلزم بيته .

ومن ذلك أيضاً : ما جرى لأبي السعادات ابن قرايا ، الذين زعموا أنّهم وجَدوا عنده كُتباً كثيرة فيها سَبّ الصحابة وتلقيفهم ، فأُخذ فقُطع لسانه بكرة الجمعة وقُطعت يده ، ثمّ حطّ إلى الشط ليحمل إلى المارستان فضربه العوّام بالآجر في الطريق فهربَ إلى الشط ، فجعلَ يسبح وهُم يضربونه حتى مات ، ثمّ أخرجوه وأحرقوه ، ثمّ رُمي باقيه إلى الماء (2) .

ومن ذلك أيضاً : ما جرى للطبري المؤرّخ ؛ فإنّه لمّا مات سنة 310هـ دُفن ليلاً بداره ؛ لأنّ العامّة اجتمعت ومَنعت من دفنه نهاراً ، وادّعوا عليه الرفض ، ثمّ ادّعوا عليه الإلحاد (3) .

وكما دخلتْ إلى قاموس السياسة في زمن الأمويين ، تهمة السبأيّة لأصحاب علي وشيعته ، دخلتْ إليه في العهد العباسي تهمة الزندقة والقرمطة ، وكما قالوا عن ابن سبأ أنّه : من أصلٍ يهودي ، قالوا عن ميمون القداح أنّه : كان يهودياً ديصانياً .

وصارت تهمة الدعاية للمذهب القرمطي تطال كلّ شيعي ، ذكرَ ابن الجوزي (4) ، عن أبي القاسم الخاقاني : أنّه في أيّام وزارته لم يزَل يبحث عمّن يدّعي عليه من أهل بغداد أنّه يكاتب القرمطي

ــــــــــــــــــــــــ

(1) المنتظم : ج10 ، ص147 .

(2) المرجع السابق .

(3) ابن الأثير : الكامل .

(4) المنتظم : ج6 ، ص195 .

 

 الصفحة 100

ويتديّن بدين الإسماعيلية ، إلى أن تظاهرت عنده الأخبار بأنّ رجلاً يُعرف بالكعكي ينزل في الجانب الغربي رئيس للرافضة ، وأنّه من الدعاة إلى مذهب القرامطة ، فتقدّمَ إلى نازوك بالقبض عليه ، فمضى ليقبض عليه ، فتسلّقَ من الحيطان وهرب ، ووقعَ برجلٍ في داره كان خليفته ، ووجد في الدار رجالاً يجرون مجرى المتعلّمين ، فضربَ الرجلَ ثلاثمئة سوط ، وشهّره على جملٍ ، ونوديَ عليه : هذا جزاءُ مَن شَتَم أبا بكر وعمر ، وحبسَ الباقين .

وبَلَغ كُره الشيعة أقصاه ، بوَصم علمائهم الكبار بخبث المذهب ، والغلو ، والزيغ ، وترك الصلاة ، والشرب ، والجهل ، و... ، من ذلك ـ مثلاً ـ ما جاء في ( شذرات الذهب ) للحنبلي : ( أبان بن تغلب الكوفي القارئ المشهور ، وكان من ثقات الشيعة ، يروي عن الحكم طائفة ، قال في المغني : أبان بن تغلب ثقة معروف ، قال ابن عدي وغيره : غالٍ في التشيّع ، وقال الجوزجاني : زائغٌ مذموم المذهب ، ووثّقه أحمد وابن معين وأبو حاتم ) (1) .

وذَكر الحنبلي أيضاً ، في أخبار سنة 355هـ : ( وفيها توفّي الحافظ أبو بكر الجعابي محمد بن عمر بن أحمد بن سلم التميمي البغدادي ، وكان حافظ مكثراً ، وصنّف الكُتب ، وكان عديم المثل في حفظه ، قال الدارقطني : ثمّ خلط ، ثمّ ذكر وهو شيعي ، قيل : كان يترك الصلاة ، وقال ابن ناصر الدين : كان شيعياً رُمي بالشرب ، وغيره ) (2) .

وقال أيضاً : ( المسبحي الأمير المختار عبد الملك بن محمد بن عبيد الله بن أحمد الحراني ، الأديب العلاّمة صاحب التأليف ، وكان رافضياً جاهلاً ) (3) .

وذكرَ ابن الجوزي في ( المنتظم ) : ( الحسن بن الحسن أبو محمد

ــــــــــــــــــــــــ

(1) الجزء الأوّل : ص210 .

(2) المرجع السابق : ج3 ، ص17 .

(3) المرجع السابق : ج3 ، ص216 .


الصفحة 101

النوبختي... ، قال البرقاني : كان معتزلياً وكان يتشيّع ، إلاّ أنّه يتبيّن أنّه صدوق ، وقال الأزهري : كان رافضياً رديء المذهب ) (1) .

وذكرَ ابن تغري بردي في ( النجوم الزاهرة ) ـ عند حديثه عن أخبار سنة 537هـ ـ : ( وفيها توفّي الحسن بن محمد بن علي بن أبي الضوء الشريف أبو محمد الحسيني البغدادي ، نقيب مشهد موسى بن جعفر ببغداد ، وكان إماماً فاضلاً فصيحاً شاعراً ، إلاّ أنّه كان على مذهب القوم ، متغالياً في التشيّع ) (2) .

ونحبّ أن نشير هنا إلى أنّ موجة الاتّهام ، لم تطل الشيعة ( عموماً ) لوحدهم فحسب ، بل شملت فِرقاً ومذاهب أخرى : كالمعتزلة الحنفية ، والجهمية ، والمشبّهة ، والحنابلة ، والأشعرية... فعندما أظهرَ الخليفة المأمون القول بخلق القرآن ، أرسلَ إلى أبي الحسين إسحاق بن إبراهيم كتاباً يتّهم فيه أهل السنّة بالضَلال ، هو :

( أمّا بعد ، فإنّ حقّ الله على أئمة المسلمين وخلفائهم الاجتهاد في إقامة دين الله الذي استحفظهم ، ومواريث النبوّة التي أورثهم ، وأثَر العلم الذي استودعهم والعمل بالحق في رعيّتهم ، والتشمير لطاعة الله فيهم ، والله يسأل أمير المؤمنين أن يوفّقه لعزيمة الرشد وصريمته ، والإقساط فيما ولاّه الله من رعيّته برحمته ومنّته .

وقد عَرف أمير المؤمنين : أنّ الجمهور الأعظم والسواد الأكبر من حشوِ الرعية وسفلة العامّة ممّن لا نظر له ، ولا رؤية ولا استدلال له بدلالة الله وهدايته ، ولا استضاء بنور العلم وبرهانه في جميع الأقطار والآفاق ، أهل جهالة بالله وعمي عنه ، وضَلالة عن حقيقة دينه وتوحيده والإيمان به ، ونكوب عن واضحات أعلامه وواجب سبيله ، وقصور أن يقدّروا الله حقّ قدره ، ويعرفوه كُنْه معرفته ، ويفرّقوا بينه وبين خلقه ، بضعف آرائهم ونقص عقولهم ، وخفائهم عن التفكير والتذكّر ؛ وذلك أنّهم ساروا بين الله تبارك

__________________

(1) ج7 ، ص 258 .

(2) ج5 ، ص 271 .


الصفحة 102

وتعالى وبين ما أنزل من القرآن ، وأطبقوا مخضعين واتّفقوا غير متجامعين على أنّه قديم أوّل ، لم يخلقه الله ويحدثه ويخترعه ، وقد قال الله تبارك وتعالى في محكم كتابه ، الذي جعلهُ لِمَا في الصدور شفاءً ، وللمؤمنين هدىً ورحمةً : ( إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً ) فكلّ ما جعلهُ الله فقد خلقه الله ، وقال : ( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ) ، وقال عزّ وجلّ : ( كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ ) ، فأخبرَ أنّه قَصَصَ لأمورٍ أحدثها بعده ، وتلا بها فتقدّمها ، وقال : ( الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ) .

وكلُ مُحكم مفصّل فله مُحكم مفصّل ، والله جلّ وعزّ مُحكِم كتابه ومُفصِّله فهو خالقه ومبتدعه ، ثمّ هُم أولئك الذين جادلوا بالباطل إلى قولهم ، ونسبوا أنفسهم إلى السنّة ، وفي كل فصلٍ من كتاب الله قصص من تلاوته مُبطل قولهم ، ومُكذّب دعواهم ، يردّ عليهم قولهم ونِحلتهم ، ثمّ أظهروا مع ذلك أنّهم هُم أهلُ الحقّ والدين والجماعة ، وأنّ مَن سواهم أهل الباطل والكفر والفرقة فاستطالوا بذلك على الناس ، وغرّوا به الجهّال حتى مالَ قومٌ من أهل السمت الكاذب والتخشّع لغير الله ، والتقشّف لغير الدين إلى موافقتهم عليه ، ومواطأتهم على سيء آرائهم ؛ تزيّناً بذلك عندهم وتصنّعاً للرئاسة والعدالة فيهم ، فتركوا الحقّ إلى باطلهم ، واتّخذوا دون هدى الله وليجة إلى ضَلالتهم فقُبلت ـ بتزكيتهم لهم ـ شهاداتهم ونفذت أحكام الكتاب بهم على دغل دينهم ، وبطلَ أديمهم وفساد نيّاتهم وتفنّنهم ، وكان ذلك غايتهم التي إليها أجروا ، وإيّاها طلبوا في متابعتهم ، والكذب على مَولاهُم ، وقد أخذَ عليهم ميثاق الكتاب ألاّ يقولوا على الله إلاّ الحقّ ، ودرسوا ما فيه : ( أُولئِكَ الّذِينَ لَعَنَهُمُ اللّهُ فَأَصَمّهُمْ وَأَعْمَى‏ أَبْصَارَهُمْ * أَفَلاَ يَتَدَبّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى‏ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ) .

فرأى أمير المؤمنين أنّ أولئك شرّ الأمّة ، ورؤوس الضَلالة ، والمنقوصون من التوحيد حظّاً ، والمخسوسون من الإيمان نصيباً وأوعية الجهالة ، وأعلام الكذب ولسان إبليس الناطق في أوليائه ، والهائل على أعدائه من أهل دين الله ، وأحقّ مَن اتّهم في صدقه ، وأُطرحَت شهادته ، ولم يوثق بقوله ولا عمله ، فإنّه لا عمل إلاّ بعدَ يقين ، ولا يقين إلاّ بعدَ استكمال


الصفحة 103

حقيقة الإسلام ، وإخلاص التوحيد ، ومَن عَمى عن رشده وحفظه من الإيمان بالله وبتوحيده ، كان عمّا سوى ذلك من عمله والقصد من شهادته أعمى وأضلُ سبيلاً ، ولعمر أمير المؤمنين إنّ أحجى الناس بالكذب في قوله ، وتخرّص الباطل في شهادته مَن كَذب على الله ووحيه ، ولم يعرف الله حقيقة معرفته ، وإنّ أوْلاهم أن يردّ شهادة الله جلّ وعزّ على كتابه ، وبهت حقّ الله بباطله ، فاجمع مَن بحضرتك من القضاة واقرأ عليهم كتاب أمير المؤمنين هذا إليك ، وابدأ بامتحانهم فيما يقولون ، وتكشيفهم عمّا يعتقدون في خلق الله القرآن وإحداثه .

وأعلِمهم أنّ أمير المؤمنين غير مستعين في عمله ، ولا واثق فيما قلّده الله واستحفظه في أمور رعيّته مَن لا يوثق بدينه وخلوص توحيده ويقينه ، فإذا أقرّوا بذلك ووافقوا أمير المؤمنين فيه وكانوا على سبيل الهدى والنجاة فمُرهُم بنظر مَن بحضرتهم من الشهود على الناس ، ومساءلتهم عن علمهم في القرآن ، وترك الإثبات بشهادة مَن لم يقرّ أنّه مخلوق مُحدث ، ولم يروا الامتناع من توقيعها عنده ، واكتب إلى أمير المؤمنين بما يأتيك من قضاة أهل عملك في مسألتهم والأمر لهم بمثل ذلك ، ثمّ أشرِف عليهم وتفقّد آثارهم ؛ حتى لا تنفذ أحكام الله إلاّ بشهادة أهل البصائر في الدين والإخلاص للتوحيد ، واكتب إلى أمير المؤمنين بما يكون منك في ذلك ، وكتب في شهر ربيع الأوّل سنة ثماني عشرة ومئتين ) (1) .

كما أنّ الخليفة الراضي بالله أصدر بحقّ الحنابلة كتاباً ينسبهم فيه إلى الكفر والضَلال ، ونصّه :

( بسم الله الرحمن الرحيم ، مَن نافَق بإظهار الدين وتوثّب على المسلمين ، وأكلَ به أموال المعاهدين كان قريباً من سخط ربّ العالمين وغضب الله وهو من الضالّين .

وقد تأمّلَ أمير المؤمنين أمرَ جماعتكم ، وكشفت له الخبرة عن مذهب صاحبكم ، زيّن لحزبه المحظور ويدلي لهم حبل الغرور ، فمِن ذلك تشاغلكم بالكلام في ربّ العزّة تباركت أسماؤه ، وفي

ـــــــــــــــــــــــ

(1) ابن طيفور : بغداد في تاريخ الخلافة العباسية .


الصفحة 104

نبيه والعرش والكرسي ، وطعنكم على خيار الأمّة ، ونَسبكم شيعة أهل بيت رسول الله ( صلّى الله عليه وسلّم ) إلى الكفر والضَلال ، وإرصادهم بالمكاره في الطرقات والمحال ، ثمّ استدعاؤكم المسلمين إلى الدين بالبدع الظاهرة والمذاهب الفاجرة ، التي لا يشهد بها القرآن ولا يقتضيها فرائض الرحمان ، وإنكاركم زيارة قبور الأئمة صلوات الله عليهم ، وتشنيعكم على زوّارها بالابتداع ؛ وإنّكم ـ مع إنكاركم ذلك ـ تتلفّقون وتجتمعون لقصد رجلٍ من العوام ليس بذي شرف ، ولا نسب ، ولا سبب برسول الله ( صلّى الله عليه وسلّم ) ، وتأمرون بزيارة قبره والخشوع لدى تربته والتضرّع عند حفرته ، فلعنَ الله ربّاً حَملكم على هذه المنكرات ما أرداه ، وشيطاناً زيّنها لكم ما أغواه ، وأمير المؤمنين يُقسم بالله قَسماً جهد ألية يلزمه الوفاء به ، لئن لم تنصرفوا عن مذموم مذهبكم ومعوّج طريقتكم ليوسعنّكم ضرباً وتشريداً وقتلاً وتبديلاً ، ويستعملنّ السيف في رقابكم والنار في محالّكم ومنازلكم ، فليبلّغ الشاهد منكم الغائب ، فقد أعذر مَن أنذر ، وما توفيق أمير المؤمنين إلاّ بالله عليه يتوكّل وعليه ينيب ) (1) .

 

[نتائج البحث السابق :]

يُستخلص من ذلك : أنّ ما أُلصق بالشيعة من تُهم ، كان لغاياتٍ سياسية ؛ إذ اتّخذ الخلفاء من هذا الاتّهام وسيلةً للقضاء على خصومهم من الهاشميين ، ولم يقتصر ( الأمر على الخلفاء في اتّهام الخصوم بالكفر والرفض و... لأغراض سياسية ، بل كان هناك من الوزراء ، مَن يتّخذون الاتّهام سبيلاً للكيد والوقيعة بنظرائهم أو خصومهم الذين يحقدون عليهم ) .

ويُستخلص أيضاً : أنّ كلمة شيعة كانت تعني طوال العهد العباسي ( الرفض ) ، ومن معاني هذه الكلمة في قاموس السياسة : الغلو والكفر .

وعليه ، تكون التّهم التي وجِّهت للشيعة عموماً ، منذ بدء تكوّن نواة التشيّع ، وحتى نهاية الخلافة العباسية ، هي : 1 ـ الإلحاد ، 2 ـ الغلو ، 3 ـ الرفض ، 4 ـ إباحة المحارم ، 5 ـ التناسخ ، 6 ـ الجهل ، 7 ـ شرب الخمر ، 8 ـ ترك الصلاة .

ــــــــــــــــــــــــ

(1) ابن مسكويه : تجارب الأمم .


الصفحة 105

وهكذا جعلوا الشيعة = السبأيّة + القرمطة + المجوسية + الدهرية (1) + الباطنية + الحلولية ، ولمّا كانت النصيرية فرقة من فِرق الشيعة ، فقد حمّلوها كل هذه التّهم ، بالإضافة إلى تّهمٍ أخرى : كممالئة التتار ، والإفرنج و... إلخ .

[الاتهامات للشيعة : مسائل خلافية .] *

ونحن إذا رجعنا إلى خلفيّات هذه الاتّهامات وبحثنا في الجذور ، تبيّن لنا أنّها من المسائل الخلافية ، التي اشتدّ حولها الجدل بين الفقهاء والمتكلّمين ، وانقسمت حولها الآراء ، ولم ينتصر رأيٌ على رأي ، وتبيّن لنا أنّ الأيدي الخفيّة اختارتها عن قصد للتلبيس على العامّة ، وإثارة مشاعرها ؛ لأنّها حمّالة على وجوه ، كما سنبيّن ذلك عند وقفتنا القصيرة أمام هذه الاتّهامات .

 

[1 ـ ] التناسخ :

التناسخ : هو وصول روح إذا فارقَ البدن إلى جنينٍ قابل للروح ، أو هو خروج الروح من جسد وحلولها في جسد آخَر .

والحديث عن التناسخ ، يجرّنا إلى الحديث عن المعاد ، والقائلون بالمعاد فِرق (2) :

ـ فرقة تجعل المعاد للأبدان وحدها .

ـ وفرقة تجعله للنفوس وحدها .

ـ وفرقة تجعله للنفوس والأبدان جميعاً .

القول بالمعاد للنفوس هو ما يعنينا ، والقائلون به فِرق :

ـــــــــــــــــــــ

(1) الدهرية : فرقة لا تؤمن بدينٍ ولا إله ، وتقول : بقِدَم العالَم ، ولا تؤمن إلاّ بالمحسوس ، ولا تعتقد بوجود عالَم وراء هذا العالَم المادّي ، ولا تؤمن بالبعث والثواب والعقاب .

(2) ابن سينا : رسالة أضحوية في أمر المعاد .

* لا نختلف مع الكاتب في أن القضايا التي ذكرها مما اختلاف فيه المسلمون على مذاهب وأقوال كثيرة ، ولكن إن كان مقصوده إضفاء الشرعية على القول بها بمجرد وجود الخلاف فيها ، أو أن ذلك مما يؤمن به الشيعة عامة ، فهو خطأ لا نوافقه عليه ، على الأقل لدى المذهب الإمامي الاثني عشري ، فقد أجمعت كلمتهم قاطبة على بطلان القول بالتناسخ وقدم العالم (القدم بالذات) ، وعلى حرمة تعاطي الخمر والقول بالغلو . ومصنفاتهم معروفة مشهورة في ذلك ، يمكن للجميع مراجعتها . [شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي] .


الصفحة 106

ـ فرقة تقول بتجسيم النفس .

ـ وفرقة تعتقدها جوهراً نورانياً من عالَم النور مخالطاً للبدن الذي هو جوهر مظلم ، من عالَم الظلمة ، وسعادته خلاص النور من الظلمة وخروجه إلى عالم النور ، وشقاوته بقاؤه في عالَم الظلمة .

ـ وفرقة ترى ذلك لها بالكرور في الأبدان ، وهُم أهل التناسخ .

ـ وفرقة ترى لها ذلك بالاحتباس في العالَم العنصري ، والانفلات منه .

وفرقة ترى ذلك لها باستكمالها لجوهرها ، وخلوصها عن تمكّن آثار الطبيعة فيها ، وضدّ ذلك .

وأهل التناسخ أيضاً فِرق :

ـ فرقة يجوّزون كرور النفس في جميع الأجساد النامية ، نباتية كانت أو حيوانية .

ـ وفرقة يجوّزون ذلك في الأبدان الحيوانية .

ـ وفرقة لا يجوّزون دخول نفسٍ إنسانية في نوعٍ غير الإنسان أصلاً ، وهُم فِرقتان :

* فرقة توجب التناسخ للنفس الشقيّة وحدها ، حتى تستكمل وتستعد فتخلص عن المادّة .

* وفرقة توجب ذلك للنفسين جميعاً : الشقيّة ، والسعيدة . الشقيّة في أبدانٍ تعبة ، والسعيدة في أبدانٍ ذوات نعمة وراحة .

فتكون الروح والحالة هذه ، محور نظرية التناسخ .

وقد اتّفق علماء المسلمين على أنّ الأرواح بعد المفارقة عن الأبدان تنتقل إلى جسمٍ آخَر (1) ، بحديث : ( إنّ أرواح المؤمنين في أجوافِ طيرٍ خُضرٍ تعلّق من ثمار الجنّة ) ، ولكنّهم اختلفوا مع الحكماء في نقطة ، هي : هل تكون

ـــــــــــــــــــــ

(1) الكفوي : الكليات ج2 ، ص376 ، والمنّاوي : فيض القدير ج2 ، ص422 .


الصفحة 107

 مدبّرة لذلك الجسم أو لا ؟ هُم قالوا : تكون مدبّرة ، بدليل آخِر الحديث ، وقال الحكماء : لا يصحّ أن تكون مدبّرة لتلك الأبدان . ومن هنا قال مَن قال : ما من مذهب إلاّ وللتناسخ فيه قَدَمٌ راسخ (1) ، وكان ثمّة كثيرون ممّن يميلون أشدّ الميل إلى مذهب التناسخ ، ومنهم فلاسفة معروفون كنجم الدين النخجواني ، الذي كان ذا يدٍ قوية في الفضائل وعارضة عريضة في علوم الأوائل (2) ، تفلسفَ ببلاده وسار في الآفاق وطوّف وولّي المناصب الكبار ، ثمّ كره كدر الولاية ونَصْبَها ، فارتحلَ إلى الشام وأقامَ بحلب منقطعاً في دارٍ اتّخذها لسُكناه ، لا يمشي إلى مخلوق ولكن يُمشى إليه إلى أن مات بها .

ومنهم أيضاً : محمد بن زكريا الرازي ( طبيب المسلمين غير منازع ، وأحد المشهورين في علم المنطق والفلسفة وغيرها من العلوم ) (3) .

ومذهب التناسخ نشأ في الإسلام من فكرة الرجعة ، وإذا علمنا أنّ الاعتقاد في الرجعة هو من متفرّدات الشيعة ، وكان هذا الاعتقاد من أكبر ما تنبذ به الشيعة ، ويشنّع به عليهم ، إذ اعتبرهُ خصومهم إنكاراً منهم للبعث والنشور ، وضحَ لدينا السبب الذي من أجله صار اتّهام الشيعة ، وكلّ مَن ينتمي إليها بسبب القول بالتناسخ ؛ لأنّ الرجعة في نظرهم تناسخاً ، والتناسخ يعني إنكار البعث والنشور .

ومن جهة أُخرى ، إذا كان علماء المسلمين اتّفقوا على أنّ الأرواح بعد مفارقتها الأبدان تنتقل إلى جسمٍ آخَر ، وكان انتقال الروح من جسدٍ إلى جسدٍ آخَر ، هو التناسخ ، فأيّ معنى يبقى لاتّهام الشيعة ، أو النصيرية ، أو غيرهم من الفِرق ، بالقول بالتناسخ ؟!

ــــــــــــــــــــــ

(1) التفتازاني : شرح العقائد النسفية ص108 .

(2) ابن العبري : تاريخ مختصر الدول .

(3) القفطي : أخبار الحكماء .


الصفحة 108

[2 ـ ] القول بقِدَم العالَم :

من أيّ شيء خلقَ الله هذا العالَم ؟! هل هو شيء حدث بعد أن لم يكن ، وخرجَ إلى الوجود بعد العدم ؟! أمْ هو أمرٌ كان موجوداً فيما سلف ولم يسبقه العدم بوجهٍ من الوجوه ، حول الجواب عن هذا التساؤل ، انقسمَ المفكّرون إلى قسمين :

قسمٌ قال : بأنّ العالَم قديمٌ ، وهُم الفلاسفة .

وقسمٌ قال : بأنّه مُحدَث ، وهُم المتكلّمون .

والحدوث : الخروج من العدم إلى الوجود ، أو كون الوجود مسبوقاً بالعدم اللازم للوجود ، أو كون الوجود خارجاً من العدم اللازم للوجود ، وأظهر التعريفات للحدوث : هو أنّه حصول الشيء بعدما لم يكن (1) ، والحدوث الذاتي عند الحكماء : هو ما يحتاج وجوده إلى الغير ، فالعالَم بجميع أجزائه مُحدَث بالحدوث الذاتي عندهم ، كما أنّ القِدَم الذاتي : هو أن لا يكون وجود الشيء من الغير وهو الباري جلّ شأنه ، والقِدَم المطلق : هو أن لا يكون وجوده مسبوقاً بالعدم .

وأمّا الحدوث الزماني : فهو ما سبقَ العدم على وجوده سبقاً زمانياً ، فيجوز قِدَم بعض أجزاء العالَم بمعنى القِدَم الذي بإزاء المُحدَث بالحدوث الزماني عندهم ، ولا منافاة بينهما ، ويكون جميع الحوادث بالحدوث الزماني عندهم ما لا أوّل لها ، فإنّه لا يوجد لها سبق العدم على وجودها سبقاً زمانياً .

والحدوث الإضافي : هو الذي مضى من وجود الشيء أقلّ ممّا مضى من وجود شيء آخَر ، واتّفقوا على أنّ الحادث القائم بذاته يسمّى حادثاً ، وما لا يقوم بذاته من الحوادث يسمّى مُحدثاً لا حادثاً .

ـــــــــــــــــــ

(1) الكفوي : الكليات ج2 ، ص254 .


الصفحة 109

والممكن : إمّا أن يكون مُحدَث الذات والصفات بحدوثٍ زماني ، وإليه ذهب أرباب المِلل من المسلمين إلاّ قليلاً ، وإمّا أن يكون قديم الذات والصفات بالقِدَم الزماني ، وإليه ذهب أرسطو ومتابعوه ، وإمّا أن يكون قديم الذات بالقِدَم الزماني مُحدَث الصفات بالحدوث الزماني ، وإليه ذهب قدماء الفلاسفة ، وأمّا كونه مُحدَث الذات قديم الصفات ، فممّا لم يذهب إليه أحد .

وفي الجملة : إنّ الكلّ اتّفقوا على أنّ جميع الموجودات ـ غير الواجب سبحانه ـ مُحدَث الذات من غير نكير ، وتحيّر البعض في الباقي ولم يجد إليه سبيلاً .

واختلفَ في أنّ افتقار الموجودات إلى المؤثّر هل هو من حيث الحدوث ، أو من حيث الإمكان والحدوث جميعاً ؟ فإلى الأوّل ذهبَ المتكلّمون ، والثاني مختار محقّقي المتكلّمين على خلاف في كون الحدوث شرطاً ، أو شطراً في العلّيّة .

قال بعضهم : مسلك الحكماء في إثبات الصانع الإمكان ، ومسلك المتكلمين فيه الحدوث ، وقال بعضهم : كِلا المسلكين للمتكلّمين ، والفلاسفة وافقتهم في مسلك الإمكان ، وفي ( تلخيص المحصّل ) القائلون بكَون الإمكان علّة الحاجة هُم : الفلاسفة والمتأخّرون من المتكلّمين ، والقائلون بكَون الحدوث علّيّة هُم : الأقدَمون منهم .

أمّا القديم : فهو عبارة عمّا ليس قبله زماناً شيء ، وقد يُطلق على الموجود الذي لا يكون وجوده من الغير ، وقد يطلق أيضاً على الموجود الذي ليس وجوده مسبوقاً بالعدم .

والأوّل : هو القديم بالذات ( وهو الله سبحانه ) ، ويقابله الحادث بالذات .

والثاني : هو القديم بالزمان ، ويقابله المُحدَث بالزمان .

وإكفار القائلين بتعدّد القديم بالإجماع ، إنّما هو في القِدَم الذاتي بمعنى عدم المسبوقية بالغير لا في القِدَم الزماني ؛ فإنّ قِدَم الصفات زماني .

 

الصفحة 110

والكلام في القديم والمُحدَث من أصعب الأمور عند جلّة الفلاسفة وقُدَمائها ، وقد بيّن جابر بن حيّان وجه الصعوبة في ذلك بقوله :

(اعلَم أنّ الكلام في القديم والمُحدَث ـ عافاك الله ـ من أصعب الأمور عند جلّة الفلاسفة وقُدَمائها ، ولو قلتُ : إنّ أكثرهم ماتَ بحسرته ، لكنتُ صادقاً . فأرباب هذا العلم هم أشدّ الناس تعظيماً لعلمهم هذا ، وصيانةً له ، وحفظاً من غير مستحقّه ، وإن يكن تحصيله سهلاً عليهم ، يسيراً لديهم ؛ لأنّهم يدركون الحقيقة بالشهود المباشر ، ويفيضون بها فيضاً ، فلا يحتاجون في ذلك إلى إعمال فكر في إقامة الدليل على ما قد أدركوا ، ولا إلى استعمال لفظٍ في التعبير عمّا قد أدركوا . غير أنّهم وإن كانوا كذلك في شهودهم للحقّ وإدراكهم له ، فإنّ علمهم لا ينتقل إلى سواهم إلاّ إذا كان هؤلاء في منزلةٍ قريبةٍ من منزلتهم ، فليس الناس في إدراك الحق سواء ، بل منهم مَن يحتاج إلى واسطة ، ومنهم مَن يتّصل بالحقّ صلةً مباشرة لا واسطة بينه وبينه .

وإذا أدركنا القديم استطعنا أن ندرك خصائص المُحدَث بالاستدلال ؛ لأنّ القديم والمُحدَث ضدّان ، والعلم بأحد الضدّين علمٌ بالضدّ الآخَر . فطريق الفكر هو من القديم إلى المُحدَث ، ندرك الأوّل إدراكاً مباشراً ، ثمّ نستدلّ الثاني معه . وليس العكس ، كما ظنّ جهلة المتكلّمين في هذا الباب ، إذ استدلّوا على الغائب (القديم) بالشاهد (المُحدَث) ، على بُعدٍ ما بينهما ، فكأنّهم استشهدوا بالجزء على وجود الكل ، برغم ما في هذا المنطق من فساد .

إنّ أخصّ صفةً (للقديم) هو الوجود الذي يستغني به عن الفاعل ، أي أنّه وجودٌ بغير موجِد ؛ وذلك لأنّه موجودٌ أزليٌ . ولو كان موجودٌ بفعل فاعلٍ ، لكان هذا الفاعل أسبق منه وجوداً ، وأيّ كائنٍ يتقدّمه غيره في الوجود يكون مُحدَثاً وغير أزلي ، لكنّه إذا كان الوجودُ صفةٌ من صفات القديم ، فهو كذلك صفة من صفات المُحدَثات ، بل إنّ وجود المُحدَثات ليس عرضاً ، بل هو وجود بالضرورة أيضاً ؛ وذلك لأنّ الآثار تكون شبيهةٌ بمؤثّرها . وإذا


الصفحة 111


كان الأمر كذلك ، وجبَ الوجود للمُحدَث عن وجود القديم . والفَرق بين الوجودين هو : أنّ وجود القديم يستغني عن الفاعل ، ويكون علّةٌ لوجود غيره . وأمّا وجود المُحدَث ، فهو يحتاج إلى فاعل يكون علّة لغيره .

ومن خواصّ القديم أيضاً : أن تكون جميع المُحدَثات من فعله وأثره ، إذ لابدّ لجميعها من انتهاءٍ إليه ، ورجوع إلى كونه علّة لها : إمّا قريبةً ، وإمّا بعيدة . فليس للقديم سوى هاتين الخاصّتين ، وهما في الحقيقة واحدة ؛ وذلك أنّ الوجود له هذه الصفة التي بها أوجد آثاره ، أي أنّ وجوده تضمّن أن يكون علّة لوجود المُحدَثات) (1) .

وكان أهل السنّة والجماعة ، يرونَ أنّ الله سبحانه وتعالى خلقَ العالَم من العدم مرّةً واحدة على ما هو عليه الآن ، والله خلقَ هذا العالَم حينما أراد ، ولو شاء لأخّر خلقه أو قدّمه ، ولو شاء لخلَق معه عالَماً آخَر أو أكثر من عالَم ، أو لخلقهُ أكبر ممّا هو عليه أو أصغر ، والله قادر على أن يعدم العالَم حينما يشاء .

أمّا الفلاسفة ، فيقولون : بقِدَم العالَم ، أي بقِدَم المادّة الموجودة من الأزل . وحينما يتكلّمون عن صنع الله سبحانه وتعالى للعالَم ، يقولون : إنّ الله هو العلّة الأُولى التي دفعت المادّة الأزليّة في الحركة ، حتى تطوّرت تلك المادّة تدريجياً إلى الحال التي نرى العالَم عليها اليوم .

وقد انقسمَ الفلاسفة المسلمون حول القول بقِدَم العالَم وحدوثه ، إلى فريقين :

الفريق الأوّل : يقول بأنّ العالَم مُحدَث . ومن أهمّ المدافعين عن هذا القول الغزالي .

والفريق الثاني : يقول بقِدَم العالَم . ومن أهمّ المدافعين عن هذا القول : ابن سينا ، وابن رشد .

ولم ينتصر فريقٌ على فريق ، على الرغم من أنّ أصحاب مقالة الحدوث هُم الأكثر عدداً .

ــــــــــــــــــــــــــ

(1) كتاب القديم .


الصفحة 112

وشنّعَ بعضهم على بعض ، فسمّى الحديثون القِدَميين دهرية ، وصار من الأسماء الشُّنْعة عند السامعين . يعتقد الجمهور في معناها جحد الخالق ، المبدأ الأوّل ، ورفعه .

وسمّى أهل القِدم أهل الحدوث مُعطِّلة ؛ لأنّهم قالوا بتعطيل الله تعالى عن وجوده مدّة لا نهاية لها في البداية  (1) .

[3 ـ ] الخمر :

لم يختلف الناس في أمرٍ من الأمور التي وقعَ فيها الحظر والطلاق كاختلافهم في الأشربة ، وكيفية ما يحلّ منها وما يحرم . وقد أجمعَ الناس على تحريم الخمر بكتاب الله ، إلاّ قوماً قالوا : ليست الخمر محرّمة ، وإنّما نهى الله عن شربها تأديباً ، كما أنّه أمر في الكتاب بأشياء ونهى فيه عن أشياء ، على جهة التأديب ، وليس منها فرض .

والخمر التي أجمعوا على تحريمها : هي ما غلا وقذف بالزبد من عصير العنب من غير أن تمسّه النار ، وأنّه لا يزال خمراً حتى يصير خلاًّ

واختلفوا في الحال التي يخرج بها من منزلة الخمر إلى منزلة الخل ، فقال بعضهم : هو أن يتناهى في الحموضة حتى لا يبقى فيها مستزاد . وقال آخرون : هو أن تغلب عليها الحموضة وتفارقها النشوة ؛ لأنّ الخمر ليست محرّمة العين كما حرّم عين الخنزير ، وإنّما حُرّمت بعرضٍ دخلها . فإذا زايلها ذلك العرض ، عادت حلالاً كما كانت قبل الغليان حلالاً . وعينها في كلّ واحدة قائمة ، وإنّما انتقلت أعراضها من حلاوةٍ إلى مرارة ، ومن مرارةٍ إلى حموضة ، كما ينتقل طعم الثمرة إذا أينعت من حموضةٍ إلى حلاوة والعين قائمة ، وكما ينتقل طعم الماء بطول المكث ، فيتغيّر طعمه وريحه والعين قائمة (2) .

ـــــــــــــــــــــــ

(1) أبو البركات البغدادي : المعتبر في الحكمة ج3 ، ص43 .

(2) ابن الرقيق : قطب السرور في أوصاف الخمور .


الصفحة 113

وأمّا النبيذ ، فاختلفوا في معناه ، فقال قوم : هو ماء الزبيب وماء التمر من قبل أن يغليا ، فإذا اشتدّ ذلك وصلب فهو خمر ، وقالوا : إنّما كان الأوّلون من الصحابة والتابعين يشربون ذلك .

أمّا المسكر ، فإنّ فريقاً يذهبون إلى أنّ كل شيء أسْكَرَ كثيره فقليله حرام . فلم يفرّقوا بين ابن ثلاث ليالٍ من نبيذ التمر إذا غلا ، وبين ابن ثلاث أحوال من عتيق المسكر وعتيق الخمر . ولا فرّقوا في ذلك بين منفرد وخليطين ، ولا بين شديد وسهل ، ولا بين ما استخرج بالماء وما استخرج بالنار ، وقضوا عليه كلّه بأنّه حرام وبأنّه خمر (1) . وبنظرهم أنّ كل مسكر حرام ، أي يقوم مقام الخمر ويكون فيه من الصدّ عن ذكر الله ، وفساد العقل ما يكون في الخمر .

والفريق الثاني ـ وهُم المطلِقون ـ قالوا : إنّما حُرّمت الخمر التي أجمع الناس على صفتها وكيفيتها بعينها ، وما سوى ذلك ـ كائناً ما كان ـ فهو نبيذ ، ما دون السكر منه حلال . فسوّوا بين النقيع والطبيخ ، والحديث والعتيق ، والتمر والزبيب ، والمفرد والخليطين ، والسهل والشديد ، وما اتُخذ من عصير العنب إذا ذهبَ منه الثلثان ؛ لأنّه جاء في الحديث أنّ (الثلثين حظّ الشيطان) ، ورد عليه الماء .

واحتجّوا من النظر بأنّ الأشياء كلّها حلال إلاّ ما حرّمه الله ، قالوا : فلا نزيل يقين الحلال بالاختلاف . وقالوا : وجدنا الناس ثلاثة أصناف : أصحاب الرأي ، وهُم جميعاً مجمعون على تحليله . وأصحاب الحديث ، وأكثرهم على التحليل . وأصحاب الكلام ، وهُم أيضاً على ذلك . وكيف نزيل يقين التحليل بطائفة من الناس .

قالوا : ومثل النبيذ مثل نهر طالوت .

وقالوا : لم يحرّم الله شيئاً إلاّ وقد جعلَ منه عوضاً في مثل معناه . فلو كان النبيذ خمراً ، ما كان العوض من الخمر . وإنّما خلقَ الله الأقوات والثمرات قدراً لحاجة الناس إليها .

ــــــــــــــــــــــــ

(1) ابن قتيبة : الأشربة .


الصفحة 114

وقالوا : والله ، لا يحرّم شيئاً إلاّ لعلّة الاستعباد . ولو كان تحريم الخمر للسكر ، لم يُطلقها الله تعالى للأنبياء والأُمم قَبْلَنا ، فقد شربها نوح (عليه السلام) حين خرجَ من السفينة ، واعترس الحبلة حتى سكر منها وبدت فخذه ، وشربها لوط ، وشربها عيسى (عليه السلام) ليلة رُفع ، وشربها المسلمون في صدر الإسلام .

وقالوا : وأمّا قولهم : إنّ الخمر ما خمر ، والمسكر مخمر ، فهو خمر مثله . فإنّ الأشياء قد تتشاكل في بعض المعاني ، فيسمّى بعضها بعلّةٍ فيه وهي في آخَر ، ولا يطلق ذلك الاسم على الآخَر ؛ ألا ترى أنّ اللبن يخمر بروبة تُلقى فيه ويُترك حتى يروب ، ولا يسمّى اللبن خمراً .

ونتيجةً لاختلاف النظر في الخمر ؛ فقد كان شرب الخمر متفشّياً . وحملت لنا الكتب أخبار مَن حدّوا في الخمر ، ومنهم : عبد الرحمان بن عمر بن الخطّاب المعروف بأبي شحمة ، وعاصم بن عمر بن الخطّاب . ومنهم ـ أيضاً ـ : الوليد بن عتبة ، الذي استعملهُ عثمان ، وعُزل سنة 29هـ عن الكوفة بسبب أنّه شربَ الخمر ، وصلّى بالمسلمين الفجر أربع ركعات وهو سكران ، ثمّ التفت إلى الناس ، وقال : هل أزيدكم ؟ فقال ابن مسعود : ما زلنا معك في زيادةٍ منذ اليوم .

وفي ذلك يقول الحطيئة :

شهد  الحطيئة يوم يلقى ربّه       أنّ  الـوليد أحـقّ بـالعذر
نـادى وقد فرغت صلاتهم       أأزيـدكم  سـكراً ولا يدري
لـيزيدهم  خـيراً ولو قبلو       فـيه  لـقادهم عـلى عشر
فـأبوا أبـا وهب ولو أذّنو       لـقرنت بـين الشفع والوتر
حبسوا عنانك إذ جريت ولو       حـلّوا عنانك لم تَزل تجري

وقال فيه أيضاً :

تـكلّم فـي الصلاة وزادَ فيها        عـلانـية  وجـاهرَ بـالنفاق
ومجّ الخمر عن سُنن المصلّي        ونـادى  بـالجميع إلى افتراق
أزيـدكم عـلى أن تحمدوني        فـما لـكم ومـالي من خلاقي

وفي زمن معاوية ، بيعت الخمر علناً . وأوّل مَن باعها : سمرة بن


الصفحة 115

جندب ، الذي ولّي الكوفة سنة 50هـ . وقد شرب الخمر خلفاء بني أُمية ونساؤهم ، ومن أشهرهنّ : أُمّ الحكيم بنت يحيى بن الحكم بن أبي العاص بن أُميّة ، التي كانت معاقرة الشراب ، مدمنة عليه لا تكاد تفارقه ، واشتهرَ كأسها الذي كانت تشرب به بكأس أُمّ حكيم ، وفيه يقول الوليد بن يزيد بن عبد الملك :

عـللاني  بـعاتقات الكروم      واسـقياني  بـكأس أُمّ حكيم
إنّها تشرب الرساطون صرفاً      فـي  إناء من الزجاج عظيم

وكان بعض ولاة بني أُميّة يشرب الخمر في الجامع . جاء في الأخبار : أنّ قرة بن شريك القيسي الذي ولّي مصر سنة 90هـ ، من قِبَل الوليد بن عبد الملك بن مروان ، وكان ظالماً جبّاراً ، بنى جامع مصر ، وكان إذا انصرفَ الصنّاع من البناء دعا بالخمور والزمور والطبول ، فيشرب الخمر في المسجد طول الليل ، ويقول : لنا الليل ولهم النهار (1) .

ومثل خلفاء بني أُميّة ، شربها خلفاء بني العباس أيضاً ، وكثرت في عهدهم الحانات التي تبيعها علناً ، وصارت الخمريات فنّاً من فنون الشعر .

وقد وجِد من الحكّام مَن رخّص فيها ببلاده ، كسيف الدين غازي بن مودود بن الأتابك زنكي ابن أقسنقر، الذي أدارَ الخمر والفواحش ببلاده (2) .

كما كان يتعاطاها علماء ومشايخ وقضاة مَن عِلْيَة القوم .

ذكرَ الحنبلي في (شذرات الذهب) في أخبار سنة 401هـ ما نصّه : (توفّي فيها أبو عبيد الهروي ، أحمد بن محمد بن محمد صاحب الغريبين ، غريب القرآن وغريب الحديث ، قال ابن خلّكان : كان من العلماء الأكابر ، وكان يُنسب إلى تعاطي الخمر) (3) .

ـــــــــــــــــــــــــــ

(1) ابن تغري بردي : النجوم الزاهرة ج1 ، ص218 .

(2) شمس الدين أبو عبد الله : كتاب دول الإسلام .

(3) ج3 ، ص161 .


الصفحة 116

وذَكرَ أيضاً : (كان الشيخ إسماعيل بن يوسف الأنبابي يعمل مَولِد يجتمع فيه من الخلق مَن لا يحصى عددهم ، بحيث إنّه وجِد في صبحة المولد سنة 790هـ مئة وخمسين جرّة من جرار الخمر فارغات ، إلى ما كان في تلك الليلة من الفساد والزنا واللواط والتجاهر بذلك) (1) .

وذكرَ الثعالبي في (يتيمة الدهر) : أنّه كان جماعة من الكبراء ينادمون الوزير المهلّبي ، ويجتمعون عنده في الأسبوع ليلتين على إطراح الحشمة والتبسّط في القصف والخلاعة ، منهم ثلاثة قضاة ، هم : ابن قريعة ، وابن معروف ، والتنوخي ، وما منهم إلاّ أبيض اللحية طويلها . فإذا تكاملَ الأُنس وطاب المجلس ولذّ السماع وأخذ الطرب منهم مأخذه ، وضعَ في يد كلّ منهم كأس ذهب وزنه ألف مثقال مملوء شراباً قطربيلياً ، أو عكبرياً ، فيغمس لحيته فيه ، بل ينقّعها حتى تشرب أكثره ، ويرشّ منه بعضهم على بعض ، ويرقصون أجمعهم وعليهم لباس الشراب من المصبغات . فإذا أصبحوا عادوا إلى عادتهم من التزمّت والتوقّر والتحفّظ بأبّهة القضاة وحشمة المشايخ الكبراء .

وقد جرت محاولات كثيرة من بعض الخلفاء وولاتهم لمنع الخمور وإبطالها ، دون أن تسفر هذه المحاولات عن أيّة نتيجة : فعلي بن سليمان ، الذي ولاّه الخليفة الهادي على مصر سنة 170هـ ، منعَ في أيّامه الملاهي والخمور (2) .

وفي أيّام المقتدر بالله سنة 311هـ ، عندما ولّى الوزارة علي بن عيسى ، سارَ بعفّةٍ وعدلٍ وتقوى ، وأبطلَ الخمور(3) .

وفي زمن القاهر بالله سنة 321هـ ، نوديَ في بغداد بإبطال القينات

ــــــــــــــــــــــ

(1) المرجع السابق ج6، ص311.

(2) ابن تغري بردي ـ النجوم الزاهرة ج2.

(3) السيوطي، تاريخ الخلفاء.


الصفحة 117

والخمر والمخانيث وكسر آلات الطرب (1) .

وفي أيّام المقتدي بالله سنة 478هـ ، أُريقت الخمور وكُسرت الملاهي ونُقضت دور النساء ، وفي سنة 479هـ تقدّم الخليفة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونوديَ بذلك في الأسواق ، وأُريقت الخمور وكُسرت الملاهي ونُقضت دور يلجأ إليها المفسدون .

وفي أيّامه أيضاً ـ سنة 486هـ ، أُريقت الأنبذة والخمور وكُسرت آلات الملاهي .

وفي خلافة المسترشد سنة 514هـ ، تقدّم الخليفة بإراقة الخمور التي بسوق السلطان ونقض بيوتهم (2) .

وفي زمن ابن تيمية ، كان شرب الخمر متفشّياً ويجري علناً ، وقد صدرت مراسيم عديدة بإبطال الخمور دون جدوى .

ففي سنة 663هـ ، لمّا رجعَ الظاهر بيبرس ، أخذ يستعد لحروبٍ جديدة وينظّم داخليته ، فأبطلَ ضمان المزر وجهاته ، وأمرَ بإراقة الخمور وأبطلَ المنكرات (3) .

وفي سنة 665هـ أبطلَ أيضاً ضمان الحشيشة وأمرَ بإحراقها وخرّب بيوت المسكرات ، وكسرَ ما فيها من الخمور وأراقها ، ومنعَ الحانات من الخواطي ، واستتاب العلوق واللواطي ، وعمّ هذا الأمر سائر الجهات المصرية ، وبرزت المراسيم بمنع ذلك من سائر الجهات الشاميّة ، فطهرت في أيّامه سائر البقاع ، ومنعَ الناس من ذلك غاية الامتناع ، ثمّ أحضروا إليه في أثناء هذه الوقعة شخصاً يسمّى ابن الكازروني وهو سكران ، فأمرَ بصلبه ، فصُلب بعدَ حدّ عظيم في مستحقّه وعلّقت الجرّة والقدح في عنقه . فلمّا عاينَ أرباب المجون والخلاعة ما جرى لابن الكازروني ، امتثلوا أمر السلطان بالسمع والطاعة . وقد قال قائل :

ــــــــــــــــــــــــ

(1) شمس الدين أبو عبد الله : كتاب دول الإسلام .

(2) ابن الجوزي : المنتظم ج9 .

(3) سيد علي الحريري : كتاب الأخبار السنّية في الحروب الصليبية .


الصفحة 118

لقد كان حدّ السكر من قبل صلبه    خفيف الأذى إذ كان في شرعنا جلدا

فلمّا بدا المصلوبُ قلتُ لصاحبي    ألا تب فإنّ الحدّ قد جاوز الحدّا (1)

كما أُريقت في زمنه أيضاً الخمور كلّها من دمشق ، أقامَ ذلك شيخ السلطان الشيخ خضر العدوي سنة 668هـ .

وفي زمن الناصر بن قلاوون سنة 717هـ ، أُبطلت الفاحشة والقمار والخمور بالسواحل ، وقويت بذلك المراسيم (2) .

وقد ذّكر المقدسي في (أحسن التقاسيم) عند حديثه عن مصر : (لا يتورّع مشايخهم عن شرب الخمور ، ولا نساؤهم عن الفجور : للمرأة زوجان ، وترى الشيخ سكران ، وفي المذهب حزبان ...) .

 

[4 ـ ] الغلو :

لكلمة غلو معانٍ كثيرة ، منها : مجاوزة الحدّ والإفراط فيه .

أمّا بالاصطلاح السياسي ، فكان لهذه اللفظة ـ في كل عصر ومصر ـ معنىً مختلفاً . وقد ذكرَ ابن حجر العسقلاني في (لسان الميزان) ما نصّه : (الشيعي الغالي في زمان السلف وعُرفهم هو : مَن تكلّم في عثمان والزبير وطلحة وطائفة ممّن حارب علياً (رضي الله عنه) وتعرّض لسبّهم ، والغالي في زماننا وعُرفنا هو : الذي كفّر هؤلاء السادة وتبرّأ من الشيخين أيضاً) .

ـــــــــــــــــــــــــ

(1) ابن إياس : بدائع الزهور ج1 .

(2) شمس الدين أبو عبد الله : كتاب دول الإسلام ج2 .


الصفحة 119

النصيرية عند المؤرّخين المحدَثين

 

[أ ـ نوفل نوفل :]

كان كتاب (الباكورة السليمانية في كشف أسرار الديانة النصيرية) لسليمان الأذني أو الأضني ، المطبوع سنة 1862م ، المعطف الذي خرجَ منه ، جميع الذين كتبوا عن النصيرية في العصر الحديث ، وخاصّةً نوفل نوفل في (سوسنة سليمان في أصول العقائد والأديان) ، ومحمد بهجت ورفيق التميمي في (ولاية بيروت) ، ... وغيرهما.

ونحن نشكّ في وجود شخصٍ باسم سليمان الأذني ، ويترجّح لدينا أنّه مختلَق اختلَقه المرسلون الأجانب في بيروت ، ووضعوا على لسانه أقوالاً نَسبوها إلى النصيرية . وهناك جملة من الأدلّة تحملنا على الظنّ بعدم وجوده ، وبأنّه لم يوجد إلاّ في مخيّلة مختلقيه منها :

أوّلاً : أسطورة حياته . إذ قالوا : إنّه مولودٌ سنة 1832م ، وكان نصيرياً ثمّ انسلخَ عنها إلى اليهودية ، ثمّ أسلَم ولم يلبث أن انتسبَ إلى البروتستانتية ، وألّف كتابه في بيروت وطبعه على عهدته ، وقد حنقَ عليه أبناء النصيرية ؛ لأنّه أوّل مَن فضحَ دينهم وأظهره ، ففتكوا به في قصبة طرسوس .

لأنّ هذا الكلام ، يتناقض مع ما سلف بيانه ، من أنّ (لهم خطابٌ بينهم ، مَن خاطبوه به لا يعود يرجع عنه ولا يذيعه ، ولو ضربت عنقه ، وجرّب هذا كثيراً) .

 

الصفحة 120

ثمّ إذا كان هو أول مَن فضح (دين) النصيرية وأظهرهُ ، كان معنى ذلك أنّ كلّ ما كُتب عن النصيرية زور وبهتان.

ثانياًَ :  في كتاب (المجموع) ـ الذي نشره الأذني في (الباكورة) ـ أكثر من دليل على أنّ هذا الكتاب مختلق ، وأنّه مكتوب بعد عام 1828م :

منها : (روى الخبر عن أبي (كذا بالأصل) ، شعيب محمد بن نصير العبدي البكري النميري ، أنّه قال : مَن أراد النجاة من حرّ النيران فليقول : اللهم العن فئة أسّست الظلم والطغيان : الذين هم التسعة رهط ، المفسدين الذين أفسدوا وما أصلحوا بالدين ، الذين هم إلى جهنّم سائرين وإليها ضالين ، أولهم : أبو بكر اللعين ، وعمر بن الخطّاب الضدّ الأثيم ، وعثمان بن عفّان الشيطان الرجيم ، وطلحة ، وسعد ، وسعيد ، وخالد بن الوليد صاحب العمود الحديد ، ومعاوية ، وابنه يزيد ، والحجاج بن يوسف الثقفي النكيد ، وعبد الملك بن مروان البليد ، وهارون الرشيد . خَلِّد عليهم اللعنة تخليداً ليوم الوعيد ، يوم يقال لجهنّم : هل امتلأت فتقول هل من مزيد .

ثمّ إنّك يا علي بن أبي طالب ، تفعل ما تشاء وتحكم بما تريد ، وأسألك أن تنزل سخطك وعذابك على إسحاق الأحمر المخذول ، وإسماعيل بن خلاّد الجهول ، والعن الشيخ أحمد البدوي ، والشيخ أحمد الرفاعي ، والشيخ إبراهيم الدسوقي ، والشيخ محمد المغربي ..) .

هذا الكلام يفضح نفسه بنفسه .

فمحمد بن نصير توفِّي سنة 259هـ = 873م ، والشيخ أحمد الرفاعي توفِّي سنة 1182م ، والشيخ أحمد البدوي توفِّي سنة 1276م ، والشيخ إبراهيم الدسوقي توفِّي سنة 1277م ، والشيخ محمد المغربي توفِّي في اللاذقية سنة 1828م .. فكيف يقول محمد بن نصير بلعن هؤلاء وقد جاءوا بعده بمئات السنين ؟!

ثمّ إنّ وجود اسم الشيخ محمد المغربي المتوفّى سنة 1828م ، يؤكّد لنا أنّ كتاب (المجموع) مكتوب بعد عام 1828م ، أي زمن حياة الشخص الوهمي ، سليمان الأذني .


الصفحة 121

وإلى جانب ذلك ، ففي (المجموع) ثمّة إشارات كثيرة تدل على أنّه موضوع مختلَق .

[و] منها :

1 ـ ما جاء في السورة الأُولى (الأول) ، وهو : (قال السيد أبو شعيب محمد بن نصير ليحيى بن معين السامري : يا يحيى ، إذا نَزلت بك نازلة ، ... وقد دلّنا إليه وأرشدنا إليه شيخنا وسيدنا وتاج رءوسنا وقدوة ديننا وقرّة أعيننا ، السيد أبي عبد الله الحسين بن حمدان الخصيبي ...) .

فكيف ينقل محمد بن نصير المتوفّى سنة 259هـ ، عن الحسين بن حمدان الخصيبي المتوفّى سنة 358هـ ؟!

2 ـ ومن ذلك أيضاً ، ما جاء في سورة (الإشارة) ، ونصّه : (ونشير إلى ما أشار إليه شيخنا وسيدنا الحسين بن حمدان الخصيبي ، ونشير إلى ما أشار إليه جدّه محمد بن نصير العبدي البكري النميري) .

فكيف جعلَ مختلق (المجموع) محمد بن نصير (جد) الخصيبي ؟! لست أدري . والأول عراقي ، والثاني مصري ، وبين الاثنين نحو مئتي سنة !!

3 ـ إذا أخذنا ما جاء في السورة الأولى (الأول) ، وهو : (شيخنا وسيدنا وتاج رءوسنا وقدوة ديننا وقرّة أعيننا ، السيد أبي عبد الله الحسين بن حمدان الخصيبي) ، وما جاء في السورة الحادية عشرة (الشهادة) ، وهو : (ولا رأي إلاّ رأي شيخنا الحسين بن حمدان الخصيبي ، الذي شرّع الأديان في سائر البلدان ...) ، وقارنّا هذين القولين بما جاء في سورة الشهادة أيضاً ، ونصّه : (أشهدُ بأنّني نصيري الدين ، جندبي الرأي ، جنبلاني الطريقة ، خصيبي المذهب ، جلي المقال ، ميموني الفقه) ؛ تبيّن لنا : أنّ الخصيبي ليس قدوة الدين ، كما جاء في السورة الأولى ، وهناك مَن ينازعه هذه المكانة . كما يتبيّن أنّ الرأي ليس رأيه ، كما


الصفحة 122

 جاء في السورة الحادية عشرة ، وإنّما رأي جندب . وليس من المعقول أن يقع شخص يغترف من بئره ، في مثل هذا التناقض .

4 ـ وفضلاً عن ذلك ، يُفهم ممّا جاء في نصوص السور الست عشرة ، التي تضمّنها كتاب (المجموع) : أنّ هناك (إلهاً) هو علي بن أبي طالب ، إذ تكرّر القول في أكثر من سورة أنّه (لا إله إلاّ علي) .

وهناك أيضاً (ربّين) اثنين : محمد المصطفى ، وسلمان الفارسي ، جاء في سورة (السلام) ما نصّه : (وأقرّ بربوبيّة محمد المصطفى) .

وجاء في سورة (الفتح) : (وأشهد بأنّ السيد محمد خلقَ السيد سلمان من نور نوره ، وجَعله بابه وحامل كتابه ، فهو سلسل وسلسبيل ، وهو جابر وجبرائيل ، وهو الهدى واليقين ، وهو بالحقيقة رب العالمين) .

كما يوجد أكثر من خالق ؛ بدليل ما جاء في سورة (الفتح) أيضاً ، ونصّه : (وأشهد بأنّ السيد محمد خلقَ السيد سلمان من نور نوره ، ... وأشهدُ بأنّ السيد سلمان خلقَ الخمسة الأيتام الكرام ، ... وهم خَلقوا هذا العالَم) .

ثالثاً : ثمّ إنّنا إذا قارنّا بين إيمان النصيرية كما صوّرها ابن العمري ، وبين إيمانهم كما صوّرها مختلق (الباكورة) و(المجموع) ، وهي : (أمّا اليمين الثابتة عند النصيرية كافة ، فهي : أن تضع يدك في يده وتقول : أُحلفك بأمانتك عقد علي أمير المؤمنين ، وبعقد ع م س . فلا يمكنه بعد هذه اليمين أن يكذب ، وأيضاً بِل إصبعك بريقه واجعلها في عُنقه وتقول : تبرّيت من خطاياي وأوضعتها في عنقك ، وأُحلّفك أيضاً بأساس دينك بسرّ عقد ع م س أن تخبرني عن صحة أمر كذا . فلا يمكنه الكذب بعد هذا) ؛ تأكّدَ لنا أنّ كلّ ما كُتب على لسان النصيرية موضوع مدسوس .

هذه السقطات كافية لنبذ كلّ ما في كتاب (الباكورة) وطرحهُ تحت


الصفحة 123

الأقدام . لكن ممّا يؤسف له ، أنّه بالرغم ممّا في الكتاب المذكور من دس مفضوح واختلاق ، فإنّ جميع مَن كتبوا عن النصيرية في العصر الحديث ، أخذوا ما جاء فيه على الانقياد والتسليم من دون تدقيق أو تمحيص ، وأول هؤلاء : نوفل نوفل (+ 1812/ ـ 1887) ، الذي لم يكتفِ بأنّه أخذَ بكلّ ما في (الباكورة) من أقوال باطلة ، وتخرّصات وأوهام ، بل أضافَ إليها من عنده ، ففضحَ نفسه ودلّ على حقيقة ذاته .

ومن جهة أخرى ، فهو عندما نقل عن (الباكورة) لم يتقيّد حرفياً بما نقله ، وإنّما لجأ إلى التحريف ، فجاء ما كتبه في (سوسنة سليمان في أصول العقائد والأديان) المطبوع سنة 1876م ، نسخة محرّفة ومشوّهة عن (الباكورة) .

من ذلك مثلاً ، يقول صاحب (الباكورة) في الفصل الرابع ، وعنوانه "في الهبطة" ، ما نصّه : (ثمّ ظهرَ لهم في القبب السبع : فالقبّة الأولى اسمها : الحن ، وكان اسم المعنى فيها فقط ، والاسم شيث ، والباب جداح ، والضد روباء . وظهرَ لهم بعدها في القبّة : البن ، وكان اسم المعنى فيها هرمس الهرامسة ، والاسم اسمه مشهور ، والباب أذرى ، والضد عشقاء . والقبّة الثالثة اسمها : الطم ، وكان المعنى اسمه فيها أردشير ـ أي أحشورش الوثني ـ ، والاسم ذو قناء ، والباب ذو فقه ، والضد عطرفان . والقبّة الرابعة اسمها : الرم ، كان اسم المعنى فيها أخنوخ ، والاسم هندمه ، والباب شرامه ، والضد عزرائيل . والقبّة الخامسة اسمها : الجان ، كان اسم المعنى فيها درّة الدرر ، والاسم ذات النور ، والباب أشادي ، والضد سوفصط . القبّة السادسة اسمها : الجن ، كان اسم المعنى فيها البر الرحيم ، والاسم يوسف بن ماكان ، والباب أبو جاد ، وكانت خالية من الضد . القبّة السابعة واسمها : اليونان ، فكان اسم المعنى فيها أرستطاليس الحكيم ، والاسم أفلاطون ، والباب سقراط ، واسم الضد درميل ...).

(آذرى) صارت عند نوفل نوفل (أدريا) ، وعشقاء (عشكا) ، وذو قناء (دوقتا) ، وأشادي (أشاذيا) ، ... وهذا يدل على أنّ نوفل نوفل ينقل عن لغة أجنبية وليست عربية .


الصفحة 124

ثمّ لم يكتفِ بهذا التحريف المتعمّد ، بل راحَ يشطح في الخيال ويختلق الأقوال ، فمن المغالطات التي ذكرها في (السوسنة) قوله : (ثمّ يأخذه المرشد إلى بيته ليعلّمه قواعد دينه ، وأول ما يُعلّمه التبرُّؤ ، وهي سورة الشتائم التي يبتدئون بها في صلوات أعيادهم ، وبعدها يُطلعه على ست عشرة سورة أخرى يتلونها في الصلوات أيضاً ، ويسمّون كلّ واحدة منها قداساً ، وكلّها تنطوي على عبادة علي بن أبي طالب ، والذي ألّف لهم صورة الشتائم المذكورة يزعمون أنّه أبو سعيد الميمون بن قاسم الطبراني ...) .

أولاً : لم يذكر صاحب (الباكورة) أنّ هناك صورة باسم التبرّؤ أو سورة الشتائم ، ولو أنّها موجودة لمَا فاتهُ ذكرها ، مع أنّه ذكرَ السور التالية :

السورة الأُولى :                                               واسمها : الأول

السورة الثانية :                                               واسمها : ابن الولي

السورة الثالثة :                                               واسمها : تقديسة أبي سعيد  

السورة الرابعة :                                              واسمها : النسبة

السورة الخامسة :                                            واسمها : الفتح

السورة السادسة :                                             واسمها : السجود

السورة السابعة :                                              واسمها : السلام

السورة الثامنة :                                                واسمها : الإشارة

السورة التاسعة :                                               واسمها : العين العلوية

السورة العاشرة :                                               واسمها : العقد

السورة الحادية عشرة :                                        واسمها : الشهادة

السورة الثانية عشرة :                                          واسمها : الإمامية

السورة الثالثة عشرة :                                           واسمها : المسافرة

السورة الرابعة عشرة :                                         واسمها : البيت المعمور

السورة الخامسة عشرة :                                         واسمها : الحجابية

السورة السادسة عشرة :                                          واسمها : النقيبية

وإلى جانب هذه السور ذكرَ الأذني أربع قداسات ، هي : قداس


الصفحة 125

الطيب ، قداس البخور ، قداس الأذان ، قداس الإشارة . الأمر الذي يدلّ على أنّ للسور أسماء ، وللقداسات أسماء ، خلافاً لِما ذكر نوفل نوفل : أنّ كل سورة يسمّونها قداساً .

ومن جهة أخرى ، ثمّة سور ليس فيها أي ذكر لعلي (عليه السلام) ، كسورة المسافرة ، وسورة النقيبية .

جاء في سورة النقيبية ما نصّه : (فنقّبوا في البلاد هل من محيص) ، نذكر أسامي السادة النقباء الذين اختارهم السيد محمد من السبعين رجلاً في ليلة العقبة في وادي مِنى ، أولهم : أبو الهيثم مالك بن التيهان الأشهلي ، والبراء بن معرور الأنصاري ، والنضر بن لودان بن كناس السامري ، ورافع بن مالك العجلاني ، والأسد بن حصين الأشهلي ، والعباس بن عبادة الأنصاري ، وعبادة بن الصامت النوفلي ، وعبد الله بن عمر بن حزام الأنصاري ، وسالم بن عمير الخزرجي ، وأُبي بن كعب ، ورافع بن ورقة ، وبلال بن رياح الثنوي ، سرّ نقيب النقباء ونجيب النجباء سيدنا محمد بن سنان الزاهري (علينا من ذكرهم الرضى والسلام) ) .

ثانياً : إنّ نوفل نوفل ، المؤرّخ المشارك في بعض العلوم كما وصفهُ صاحب معجم المؤلّفين ، يرمي بالكلام على عواهنه ، من دون روية أو تدقيق ، يقول : (والذي ألّف لهم صورة الشتائم المذكورة ، يزعمون أنّه أبو سعيد بن الميمون بن قاسم الطبراني) .

إنّ الطبراني توفِّي سنة 426هـ = 1035م ، وفي السورة التي سمّاها نوفل نوفل بسورة الشتائم ، وردت أسماء شخصيات دينية توفيت بعد الطبراني بسنوات طويلة : كالشيخ عبد القادر الكيلاني المتوفّى سنة 1165م ، والشيخ أحمد البدوي المتوفّى سنة 1276م ، والشيخ محمد المغربي المتوفّى سنة 1828م .

فكيف لم ينتبه نوفل نوفل إلى ذلك ، وهو معاصر للشيخ محمد


الصفحة 126

المغربي ؟!

ومن جهة أخرى ، في كتاب (المجموع) المختلق ، سورة باسم "تقديسة أبي سعيد" جاء فيها ما نصّه : (نذكر حضرة شيخنا وسيدنا الأجل الأكبر الشاب التقي ، أبي سعيد الميمون بن قاسم الطبراني ، العارف معرفة الله ، المُكف عمّا حرّم الله ، الذي أخذَ حقه بيده من قفا أبي دهيبة ، وعلى أبي دهيبة لعنة الله ، وعلى أبي سعيد السلام ورحمة الله ، سر أبي سعيد الشاب التقي الحر الميمون ابن قاسم الطبراني سرّه أسعد الله) .

وهذا ما ينفي الزعم القائل بأنّ الطبراني هو الذي وضعَ سورة الشتائم أو سور (المجموع) .

ثالثاً : عن اعتقاد النصيرية في الصلاة يقول نوفل نوفل :

(وأمّا اعتقادهم في الصلاة ويسمّونها الخمسة المصطفية ؛ لكون فروض أوقات الصلوات هي خمسة ، فهي الفرض الأول صلاة الظهر لمحمد ، والثاني صلاة العصر لفاطر (وهي فاطمة) ، والثالثة صلاة المغرب للحسن بن علي بن أبي طالب ، والرابع صلاة العشاء لأخيه الحسين ، والخامس صلاة الصبح لمحسن السرّ الخفي) .

وهذا القول يتعارض مع ما ذكرهُ صاحب السؤال الموجّه إلى ابن تيمية ، الذي ذكرَ بأنّ الصلوات الخمس عبارة عن خمسة أسماء وهي : علي ، وحسن ، وحسين ، ومحسن ، وفاطمة .

فيكون نوفل نوفل اعتبرَ محمداً من أشخاص الصلاة ، بينما اعتبرَ صاحب السؤال علياً من أشخاص الصلاة ، فأيّ القولين هو الصحيح يا ترى ؟!

***

[ب ـ رفيق التميمي ، ومحمد بهجت :]

ومن المعاصرين الذين تحدّثوا عن النصيرية أيضاً : رفيق التميمي ، ومحمد بهجت ، في كتابهما (ولاية بيروت) المطبوع سنة 1335هـ =


الصفحة 127

 1916م ، بهمّة الوالي عزمي بك أفندي .

ويعتَبر ما كتبهُ التميمي ورفيقه ، أوسع ما كُتب في هذا المجال ، والمواضيع التي شملتها دراستهما عن النصيرية ، هي : مقدّمة تاريخ النصيرية ـ الديار والنفوس ـ منشأ النصيرية ـ تاريخ النصيرية ـ دين النصيرية ـ أقسام النصيريين ـ تقاليد الدخول في النصيرية ـ أعياد النصيريين ـ الطعن في النصيرية .

وقد اعتمدا في هذه الدراسة ـ كما ادّعيا ـ على العديد من الكتب هي :

1 ـ تاريخ النصيرية ودينهم لرنيه دوسو .

2 ـ كتاب الباكورة السليمانية في كشف أسرار الديانة النصيرية لسليمان الأذني .

3 ـ كتاب المجموع .

4 ـ كتاب مجموع فيه الأعياد والدلالات .

5 ـ كتاب الأسوس .

كما اعتمدا أيضاً على كتابات كل من : دي غوبينو ورينان ولامنس وهوار ، لكنّ أكثر اعتمادهما كان على كتاب (الباكورة السليمانية) ، وليس في دراستهما ما يدلّ على أنّهما اطّلعا على كتاب (مجموع الأعياد) أو كتاب (الأسوس) ؛ لأنّ كلّ الاستشهادات التي ذكراها مأخوذة من (الباكورة) وحده .

وبدون أدنى جهد يستطيع المرء أن يتلمّس نقاط الزلل والتناقض في أقوالهما ، من ذلك : ما قالاه عن كتاب (المجموع) ، وهو : (اختُلفَ في مؤلّفه ، فمنهم مَن يسنده إلى عبد الله بن حمدان الخصيبي ... ) .

والذي نعلمه : أنّه لا يوجد شخص باسم عبد الله بن حمدان الخصيبي ، وإنّما الحسين بن حمدان الخصيبي ، المكنّى بأبي عبد الله . ولم يقل أحد ممّن ترجَموا للخصيبي أنّ له كتاباً باسم (المجموع) ،


الصفحة 128


والكتب التي عدّوها له ، هي : أسماء النبي ، أسماء الأئمة ، الأخوان ، المائدة (1) . وله أيضاً : الهداية الكبرى ، وديوان شِعر .

وعلى كلّ حال ، فلنا وقفة متأنية عند كتاب (المجموع) في مكان آخر من هذا الكتاب .

وعن نسبة النصيرية قالا : (برهنَ الفحص الفنّي على أنّ اسم هؤلاء القوم منسوب إلى محمد بن نصير ، الذي هو من أتباع حسن العسكري) .

ولم يذكرا ماهيّة هذا الفحص الفنّي ، ولا كيف أثبتَ أنّ اسم النصيرية نسبة إلى محمد بن نصير . وكنّا قد بيّنا عند حديثنا عن (أصل التسمية) أنّه من المشكوك فيه نسبة النصيرية إلى محمد بن نصير ؛ لأنّ محمد بن نصير توفِّي سنة 259هـ ، بينما اصطلاح النصيرية وردَ ذكره للمرّة الأولى على لسان حمزة بن علي في مطالع المئة الرابعة للهجرة .

يضاف إلى ذلك : أنّ كتّاب الفِرَق ، لم ينسبوا هذه الفرقة إلى محمد بن نصير ، بل لم ينسبوها إلى شخص معيّن بالذات .

ومن جهة أخرى ، فإنّ المؤلّفين ناقضا نفسيهما بنفسيهما ، فهما عند حديثهما عن تاريخ النصيرية قالا : (كان النصيريون في أيام الرومان أيضاً ، ويروي إسترابون ـ من مؤرّخي يونان ـ أنّ النصيريين حافظوا على كيانهم واستقلالهم تجاه الفينيقيين في العصر الأول للميلاد ، وشدّ ما أمعنت النصرانية في الانتشار والتعمّم بين الوثنيين في سورية ، ولكنّها لم تستطع ولوج تلك الجبال على النصيريين ، فكانوا في معزلٍ عن تبشيرها ، ... واسم النصيرية لم يدخل التاريخ إلاّ منذ القرن الحادي عشر) .

من المعروف أنّ سورية خضعت للحكم الروماني عام 64ق . م ،

ـــــــــــــــــــــــ

(1) العسقلاني : لسان الميزان ج2 ، ص79 .


الصفحة 129


عندما جعلها بومبيوس ولاية رومانية ، وفي سنة 395م أمست جزءاً من مملكة بيزنطية ، ثمّ انحسرَ ظل الرومان عنها نهائياً سنة 635م ، وكان آخر ملوكهم فيها هرقل . فكيف كان النصيريون موجودين في أيام الرومان إذا كان محمد بن نصير ـ الذين يُنسبون إليه ـ توفِّي سنة 873م أي بعد نهاية الحكم الروماني في سورية ، بأكثر من مئتي سنة ؟! ثمّ لماذا وكيف دخلوا التاريخ منذ القرن الحادي عشر ، إذا كانوا موجودين أيام الرومان وذكرهم المؤرّخ اليوناني إسترابون ؟!

إنّنا لنستغرب أشدّ الاستغراب كيف لم ينتبه المؤلّفان إلى هذا التناقض ؟! لكنّ استغرابنا يزول عندما نقرأ قولهما : (ولا جرمَ أنّ الحاكم بأمر الله الفاطمي ، استعانَ بهذه العقيدة النصيرية لمّا توسّع في معنى إلوهية علي ، وادّعى أنّه تمثال لها ، وأسّس الدرزية بمعونة وزيره (حمزة) ، وهكذا فعلَ (رشيد الدين سنان) واتبع عين الخطّة ...) .

معنى هذا الكلام : أنّ النصيرية هم أصل المذهب الدرزي والمذهب الإسماعيلي ، وهذا القول غير صحيح البتة ، ولم يقله أحد قبل التميمي وبهجت . ولو أنّه كان صحيحاً ، لمَا ألّف حمزة بن علي مؤسّس المذهب الدرزي (الرسالة الدامغة في الرد على الفاسق النصيري) ، الذي اتّهم النصيرية فيها بشتّى التُهم ، ومنها حلول المعنى في علي (عليه السلام) وعبادته .

أمّا رشيد الدين سنان ، فليس هذا اسمه ، واسمه الصحيح هو : سنان بن سليمان بن محمد المعروف بسنان راشد الدين ، وهو لم يؤسّس أيّ مذهب ، وإنّما كان من دعاة الإسماعيلية ، أرسلهُ الإمام الإسماعيلي في (ألموت) ممثّلاً له ؛ ليتدبّر شئون إسماعيلية سورية ، وجَعل مقرّه منطقة


الصفحة 130


(
مصياف) ، ولم يذكر له صاحب (أعلام الإسماعيلية) (1) أي كتاب ، أو أيّة مقولة مذهبية أو عقائدية .

وإذا نظرنا فيما جاء في (ولاية بيروت) عن (دين النصيرية) ، رأينا الاضطراب الشديد والتناقض الصارخ . يذكر المؤلّفان : أنّ أوّل اعتقاد النصيرية هو "تثليث الآلهة" ، أي إيمانهم بثلاثة آلهة ، ويسمّون أول هؤلاء الآلهة (المعنى) ، والثاني (الاسم) ، والثالث (الباب) . ويقصدون الغيب المطلق من المعنى ، والاسم : الصورة الظاهرة للمعنى . وأمّا الباب : فهو الطريق الموصِل إلى الغيب المطلق ...) .

ثمّ بعدئذ وجدناهما يقولان : (إنّ النصيريين يعتقدون بحلول الإلوهية في علي ، ونرى في السورة الحادية عشرة من كتاب المجموع هذه العبارة : (أشهدُ بأنّ ليس إلهاً إلاّ علي بن أبي طالب الأصلع المعبود) ، وهي (تنطق بحقيقة تلك العقيدة وأُسسها) .

ويقولان أيضاً : (ويزعمون أنّ الأوقات الخمسة يُقصد بها الأشخاص الخمسة المقدّسة لديهم ، ويقيمون صلاة الظهر باسم (محمد) ، والعصر باسم (فاطمة) ـ أو بتعبيرهم (فاطر) ـ ، وصلاة المغرب باسم (الحسن) ، والعشاء باسم (الحسين) ، والصبح باسم (محسن) . ويعتقدون أيضاً بأنّ الإلوهية تمثّلت في هؤلاء الخمسة ، كما تمثّلت في علي) .

فبموجب هذا الكلام ، كم إلهاً صارَ لدينا ؟! ويبدو أنّه غابَ عن ذهن مؤلّفي (ولاية بيروت) أنّ الفرقة المسمّاة بالمخمّسة هي التي تقول إنّ الله جلّ وعزّ ظهرَ في خمسة أشباح وخمس

ــــــــــــــــــــــــ

(1) مصطفى غالب : أعلام الإسماعيلية ، ص295 .

 

الصفحة 131

 صور مختلفة ، ظهرَ في صورة محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين .

وقد أطلقَ الشهرستاني على هذه الفرقة اسم ( العلبائية ) ، وقال : ( ومنهم مَن قال بالإلهية لجملة أشخاص أصحاب الكساء ، وهم : محمد ، وعلي ، وفاطمة ، والحسن ، والحسين ) .

هذا أهمّ ما كتبه المؤرّخون المحدّثون عن النصيرية .

 

[النصيرية عند المؤرّخين المعاصرين]

أمّا بالنسبة إلى المؤرّخين المعاصرين ، ونقصد بهم المؤرّخين منذ عصر النهضة وحتى اليوم ، فقد وجدنا أقوالهم عن النصيرية ، سارت في خمسة اتجاهات :

الاتجاه الأول :

ترديد أقوال الشهرستاني في ( المِلل والنحل ) على الانقياد والتسليم ، وعلى رأس ممثّلي هذا الاتجاه :

1ـ الدكتور علي سامي النشار في ( نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام ) .

2ـ والدكتور كامل مصطفى الشيبي في ( الصلة بين التصوّف والتشيّع ) .

وبما أنّنا عَرضنا ما قاله الشهرستاني عن النصيرية ، والمآخذ عليه ، فليس ثمّة من ضرورة إلى تكرار الحديث .

الاتجاه الثاني :

من أصحاب هذا الاتجاه مَن اعتبرَ النصيرية فرعاً من فرع الإسماعيلية ، ككامل الغزّي في ( نهر الذهب في تاريخ حَلب ) ، والدكتور فيليب حتّى في ( تاريخ سورية ولبنان وفلسطين ) ، والدكتور عمر فروخ في ( تاريخ الفكر العربي ) .

ومنهم مَن خلطَ بين النصيرية وبين الإسماعيلية ، كالشيخ محمد أبو زهرة في ( تاريخ المذاهب الإسلامية ) .


الصفحة 132

* يقول الغزّي (1) في آخر حديثه عن طائفة الإسماعيلية : ( والناس في هذه النواحي لا يفرّقون بينهم وبين طائفة النصيرية ، التي هي فرع من فروعهم ) .

* أمّا الدكتور فيليب حتَّى فيقول (2) : ( والنصيرية : فرع آخر من الفروع الإسماعيلية الباقية ، والراجح أنّ اسمهم متحدّر من محمد بن نصير الكوفي ( زها في أواخر القرن التاسع ) ، وهو أحد مشايعي الحسن العسكري (ت 874) ، الإمام الحادي عشر من أئمّة العَلويين . وقد وردت أقدم إشارة هامة إلى ابن نصير وأتباعه في بعض آثار حمزة ، وغير حمزة من فقهاء الدروز السابقين ، على أنّ آخر مؤسّسي هذه الشيعة ـ على ما في مدوّناتهم ـ هو الحسين بن حمدان الخصيبي (ت حوالي 957) ، وقد كان قبلاً مولى إسماعيلياً من موالي الحمدانيين في حَلب .

أمّا المعروف عن مذهبهم ، فليس بالشيء الكثير ، إنّه مذهب سرّي الطابع ، كهنوتي النظام ، باطني التعليم ، ومدوّناتهم المقدّسة لم يُعرف عنها بمقدار ما عُرف عن مدوّنات الدروز ؛ فإنّ الكثير من هذه قد كُشف في أعقاب الفتن الأهلية التي نَشبت في غضون القرن التاسع عشر .

وإذ وجدت هذه الملّة نفسها جماعة صغيرة خارجة ، بين أكثرية معادية ، آثرت اللجوء إلى العمل في الخفاء ، وهي الآن اللغز الديني الذي لم يُحل حلاً كاملاً في الشرق الأدنى .

وبعد ، فالمعروف من أمرهم هو هذا : إنّ النصيرية ـ شأن غلاة الشيعة ـ يؤلّهون علياً ، وهو ـ في ما يرون ـ آخر مراحل التجسّد الإلهي وأهمّها .

أمّا المتأخّرون من أتباع هذه الملّة ، فمنهم : ( التختخية ) ، ( الخطّابون ) في غربي الأناضول ، و( القزلباشية ) ( ذوو الرءوس الحمراء ) في شرقي

ــــــــــــــــــــــــ

(1) نهر الذهب في تاريخ حلب : ج2 ، ص214 .

(2) تاريخ سورية ولبنان وفلسطين : ج2 ، ص219 ، وأيضاً لبنان في التاريخ : ص322 .


الصفحة 133


الأناضول ، و( العلي إلهية ) في فارس وتركستان . ولذلك يسمّى النصيرية أحياناً بالعَلويين ، وقد اشتهروا بهذا الاسم عندما حوّل الفرنسيون المنطقة التي تكتنف اللاذقية إلى دويلة منفصلة سمّوها ( العلويين ) ، لكنّهم سُمّوا في تاريخ الصليبيين ( النزري ) (Nazarei) ، ويتمثّل مذهب هذه الملّة في آراء شيعية متطرّفة نابتة في أصل وثني ، أو هو بتعبير آخر : رواسب من مِلل سورية وثنيّة مغلّفة بغشاء من التعليم الشيعي المنحرف .

وينبغي أن يكون أعلامها قد تحوّلوا من الوثنية إلى المذهب الإسماعيلي بصورة مباشرة ، ثمّ تبنّوا بعض الظواهر السطحية ، فهم مثلاً يحتفلون جماعياً لأداء بعض شعائرهم بما يشبه ( القداس ) ، ويشاركون النصارى في عيد الميلاد وعيد القيامة ، ويستخدمون أسماء انفردَ بها النصارى نظير : متّي ، وجبرائيل ، ويوحنّا ، وهيلانة .

أمّا طبقة (الشيوخ) ، التي تقابل ( العقال ) في نظام الدروز ، فمنظّمة في ثلاث مراتب كهنوتية . وأمّا سائر الملّة ، فتؤلّف طبقة العاميين . والنصيرية يخالفون الدروز في أنّهم لا يتيحون للنساء الدخول في طبقة المكرّسين ، وهم يقيمون اجتماعاتهم ليلاً في أماكن خفيّة ، ولقد اتُهموا بإتيان بعض المنكرات في مجتمعاتهم الليلية هذه ، ونسبوا إلى عبادة أشياء غريبة ، وقد طالما اتُهم بمثل ذلك سائر أصحاب المذاهب السرّية ) .

وكلام الدكتور حتى تنقصه الدقّة ؛ إذ لم نجد من المؤلّفين القدامى مَن قال : إنّ النصيرية فرع من فروع الإسماعيلية .

والدكتور عارف تامر ـ وهو من مؤلّفي الإسماعيلية المعتبرين في يومنا هذا ـ عدّد في كتابه ( الإمامة في الإسلام ) فِرَق الإسماعيلية واحدة واحدة ، ولم يذكر من بينها النصيرية ، والفِرَق التي ذكرها كفروع من الإسماعيلية : المستعلية أو الطيبية ، الداءودية ، السليمانية ، النزارية ، المؤمنية ، القاسمية أو الآغاخانية ، الدروز ، القرامطة ، الخسروية . ولو أنّ النصيرية إحدى فِرق الإسماعيلية ، لمَا فات على الدكتور تامر ذكرها .


الصفحة 134

ومن جهة أُخرى ، فإنّ الحسين بن حمدان الخصيبي ، لم يكن في يوم من الأيام مولى إسماعيلياً ، وإنّما كان إمامياً ، وهو أحد المصنّفين في فقه الإمامية ، كما يصفه ابن حجر العسقلاني في ( لسان الميزان ) ، وكذلك كان سيف الدولة إمامياً .

ويبدو عدم التروّي جلياً في قول حتى : ( وينبغي أن يكون أعلامها تحوّلوا من الوثنية إلى المذهب الإسماعيلي ) ، فالمصادر التاريخية المتوفِّرة بين أيدينا ، تشير إلى أنّ الحركة الإسماعيلية نشأت نشأتها الأولى سنة 128هـ = 745م ، فهل كانت توجد الوثنية بعد انتشار الديانة المسيحية في العهد البيزنطي الذي انتهى في سورية سنة 635م ، وبعد انتشار الإسلام مع فتوح الشام سنة 637م ؟

وليس النصيريون هم المعنيون باسم ( النزري ) (Nazarei) كما جاء في تاريخ الصليبيين ، وهذه التسمية أُطلقت على الإسماعيليين ، إذ كانت لهم في زمن الصليبيين شبه دولة مستقلّة وخاصة في عصر سنان راشد الدين ، وصلاح الدين الأيوبي ، وهؤلاء كانوا من الإسماعيليين النزاريين ، فنزري : أقرب إلى ( نزاري ) منها إلى نصيري .

* ويقول الدكتور عمر فروخ : ( المذهب النصيري أشدّ إيغالاً في تأويل الباطن ونسبة الإلوهية إلى الأئمة من سائر المذاهب الإسماعيلية ) .

* أمّا الشيخ محمد أبو زهرة فقد قال (1) : ( وبجوار الحاكمية في دمشق طائفة خلعت الربقة ، وإن كانت لا تنسب نفسها للإسماعيلية ، ولكنّها تتلاقى مع بعضها في المخالفة للأصول وانحلال بعضها وانخلاعه عن الإسلام ، وهذه الطائفة هي ( النصيرية ) . وهي لم تنسب نفسها للإسماعيلية ، ولكن تربّت في أحضان الذين خلعوا الربقة منها .

ـــــــــــــــــــــــــ

(1) تاريخ المذاهب الإسلامية : ج1 ، ص63 .


الصفحة 135

وإنّ هؤلاء سكنوا الشام في الماضي كالحاكمية وكانوا مع الاثنا عشرية ، أو هم يدّعون الانتساب إليهم ، ويعتقدون أنّ آل البيت أُوتوا المعرفة المطلقة ، ويعتقدون أنّ علياً لم يمت وأنّه إله أو قريب من الإله . وهم يشتركون مع الباطنية في أنّ للشريعة ظاهراً وباطناً ، وأنّ باطنها عند الأئمة ؛ إذ إنّ إمام العصر هو الذي أشرقَ عليه النور فجعلهُ يفهم حقيقة هذه الشريعة وباطنها ، لا ظاهرها فقط .

وفي الجملة كانت آراء هذه الطائفة مزيجاً من الآراء المغالية في الفِرَق المنسوبة للشيعة ، والتي يتبرّأ أكثرهم منها : فأخذوا عن السبئية الكافرة المنقرضة إلوهية علي وخلوده ورجعته ، ومن الباطنية كون الشريعة لها ظاهر وباطن .

خلعَ أولئك الغلاة ربقة الإسلام وأطرحوا معانيه ، ولم يُبقوا لأنفسهم منه إلاّ الاسم ، وقد اتّسع عملهم في عهد قيام الدولة الفاطمية بمصر والشام ، ولقد وجدوا من الحاكم بأمر الله مَن يتلاقى معهم في أهوائهم ، ولذلك كان ظهور زعيمهم الحسن بن الصباح في فارس في عهد الحاكم بأمر الله ، وقد أخذَ يثير الفتن ضدّ الدولة العباسية في الوقت الذي كان يدّعي الحاكم الإلوهية ، وقد بثّ الحسن دعاته في الشام يدعون إلى نحلته .

وقد كثُر بعد ذلك أولئك الغلاة في الشام واتخذوا لهم مقرّاً هو جبل ( السمان ) ، الذي يسمّى الآن ( جبل النصيرية ) . وقد كان بعض كبرائهم يستهوون مريديهم بالتخدير بالحشيش ، ولذلك سمّوا في التاريخ : " الحشّاشين " . وعند الهجوم الصليبي على البلاد الشامية ، ومن ورائها البلاد الإسلامية ، مالئوا الصليبيين ضدّ المسلمين . ولمّا استولى أولئك على بعض البلاد الإسلامية ، قرّبوهم وأدنوهم وجعلوا لهم مكاناً مرموقاً .

ولمّا جاء نور الدين زنكي ، وصلاح الدين من بعده ، ثمّ الأيوبيين ، اختفوا عن الأعين واقتصر عملهم على تدبير المكايد والفتك بكبراء المسلمين وقوّادهم العظام ، إن أمكنتهم الفرصة وواتاهم الزمان . ولمّا أغارَ التتار من بعد ذلك على الشام مالأهم أولئك


الصفحة 136

 النصيريون ، كما مالئوا الصليبيين من قبل ، فمكّنوا للتتار من الرقاب ، حتى إذا انحسرت غارات التتار ، قبعوا في جبالهم قبوع القواقع في أصدافها ؛ لينتهزوا فرصة أخرى ...) .

يبدو من هذا الكلام : أنّ شيخنا (رحمة الله عليه) لا يدري ما يقول ، وأنّه خلطَ ما بين النصيرية وبين الإسماعيلية ، مثله في ذلك مَثل ابن تيمية وغيره وغيره ... وهذا ما يتّضح من قوله : ( ظهور زعيمهم الحسن بن الصباح ) ، وقوله : ( سُمّوا في التاريخ : " الحشّاشين " ) . فالحسن بن الصباح ـ شيخ الجبل الثاني ـ كان إسماعيلياً ، وهو الذي أسّس دولة ( ألموت ) النزارية في بلاد فارس سنة 483هـ ، ولم نجد أحداً من المؤرّخين قال عنه إنّه كان نصيرياً أو كان زعيماً لهم . وكذلك فإنّ لقب ( الحشّاشين ) أطلقهُ المؤرّخون على الإسماعيليين ، بدعوى أنّهم يكثرون من تدخين الحشيش ، أو يستهوون مريديهم بالتخدير بالحشيش ، وهي تهمة باطلة لا أساس لها من الصحة .

ولسنا ندري من أين جاء شيخنا باسم ( جبل السمان ) ، الذي يسمّى الآن ( جبل النصيرية ) على حدّ زعمه ، وأغلب الظن أنّ المقصود هو ( جبل السماق ) وهو ـ كما ذكر ياقوت الحموي ـ ( جبل عظيم من أعمال حلب الغربية ، يشتمل على مُدن كثيرة وقرى وقلاع عامتها للإسماعيلية ) . وكان هذا الجبل يُعتبر من بلاد الإسماعيلية كما ذكرَ أحمد بن إبراهيم الحنبلي في كتابه ( شفاء القلوب في مناقب بني أيوب ) ، إذ قال : ( بعثَ العادل إلى بلاد الإسماعيلية وأحرقَ سرمين ، ومعرة مصرين ، وجبل السماق وقتلَ معظم أهله ) ؛ لأنّ جبال النصيرية ـ قبل أن يُطلق عليها هذا الاسم في زمن الصليبيين ـ كانت تسمّى (جبل اللكام) .

وكنا نتمنّى على شيخنا الجليل ، أن يذكر لنا اسم كبير من كبراء المسلمين أو ( قوّادهم العظام ) فتكَ به النصيريون ، أو دبّروا له المكايد ؛ لأنّنا لم نجد في الآثار التي وصلتنا من الأقدَمين ما يثبت هذا الزعم ، وكذلك ليس في الآثار ما يثبت ممالئة


الصفحة 137

 النصيرية للصليبيين أو للتتار ، وأنّ هذا الفعل فَعَله غيرهم .

ذكر ابن شداد في ( الأعلاق الخطيرة ) ما نصّه (1) : ( واتفق في ذلك الوقت أنّ الزين الحافظي (2) (لا بَلَّ الله له ثرى) وصلَ من عند هولاكو إلى ماردين ، فكتبَ إلى التتار الذين على حصار الموصل ، وعرّفهم أنّ شمس الدين البرلي في جماعة قليلة ، وأشارَ عليهم بقصده وقتاله ) .

ويذكر محمد كرد علي في ( خطط الشام ) ما نصّه : ( آذنت شمس الدولة الأتابكية ، دولة أبناء طغتكين ، بالمغيب لهلاك الرجال الغيورين ، ولأنّ أربابها أخذوا يتقوون بالفرنج على بناء نحلتهم ، حبّاً بأن يبقوا في ملكهم ورفاهيّتهم ) (3) .

ويذكر ابن أبي الحديد في ( شرح نهج البلاغة ) (4) : اختلفَ أهل أصبهان في سنة ثلاث وثلاثين وستمئة ، وهم طائفتان : حنفية ، وشافعية ، وبينهم حروب متصلة وعصبية ظاهرة . فخرجَ قوم من أصحاب الشافعي إلى مَن يجاورهم ويتاخمهم من ممالك التتر ، فقالوا لهم : اقصدوا البلد حتى نسلّمه إليكم . فنُقل ذلك إلى قاآن بن جنكزخان بعد وفاة أبيه ، والملك يومئذٍ منوط بتدبيره ، فأرسلَ جيوشاً من المدينة المستجِدَّة التي بنوها وسمّوها قراحرقم ، فعبرت جيحون مغربة . وانضمّ إليها قوم ممّن أرسله صرماغون على هيئة المدد لهم ، فنزَلوا على أصبهان في سنة ثلاث وثلاثين المذكورة وحصروها . فاختلفَ سيفا الشافعية والحنفية في المدينة حتى قُتل كثير منهم ، وفُتحت أبواب المدينة ، فتحها الشافعية على عهدٍ بينهم وبين التتر : أن يقتلوا الحنفية ويعفوا عن الشافعية . فلمّا دخلوا البلد ، بدءوا بالشافعية

ــــــــــــــــــــــــــ

(1) ج3 ، القسم الأول ، ص210 .

(2) هو سليمان بن المؤيد بن عامر العقرباني الطبيب .

(3) ج2 ، ص24 .

(4) ج2 ، ص553 .


الصفحة 138

فقتلوهم قتلاً ذريعاً ، ولم يقفوا مع العهد الذي عهدوه لهم ، ثمّ قَتلوا الحنفية ، ثمّ قتلوا سائر الناس ، وسبوا النساء وشقّوا بطون الحبالى ، ونهبوا الأموال وصادروا الأغنياء ، ثمّ أضرموا النار فأحرقوا أصبهان ...) .

وقد أجمعت المصادر التاريخية ، على أنّ أبناء صلاح الدين الأيوبي كان الواحد منهم يتقوّى بالصليبيين على أخيه للإبقاء على إمارته ..

فكيف تغاضى شيخنا الجليل عن هذه الوقائع ؟ لست أدري ، ولا أظنّه يجهلها .

 

الاتجاه الثالث :

أصحاب هذا الاتجاه أخذوا أقوالهم عن أكثر من مصدر واحد ، وألّفوا بين الأقوال ، من هؤلاء : محمد كرد علي في ( خطط الشام ) ، ومحمد عزة دروزة في ( العرب والعروبة ) ، والدكتور عبد الرحمان بدوي في ( مذاهب الإسلاميين ) ، والدكتور مصطفى الشكعة في ( إسلام بلا مذاهب ) .. وغيرهم .. وغيرهم .

* محمد كرد علي نقلَ ما كتبهُ عن النصيرية ، عن القلقشندي في ( صبح الأعشى ) ، وعن محمد أمين غالب الطويل في ( تاريخ العلويين ) ، ونصّ كلامه هو (1) : ( قال القدماء : هم أتباع نصير ، غلام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ، وهم يدّعون إلوهية علي ( رضي الله عنه ) مغالاة فيه ، ويزعمون أنّ مسكنهُ السحاب . وإذا مرّ بهم السحاب ، قالوا : السلام عليك يا أبا الحسن . ويقولون : إنّ الرعد صوته والبرق ضحكهُ ؛ وهم من أجل ذلك يعظّمون السحاب . ويقولون : إنّ سلمان الفارسي رسوله . وإنّ كشفَ الحجاب عمّا يقوله من أيّ كتاب ـ بغير إذن ـ ضلال . ويحبّون ابن مُلجم قاتل علي ويقولون : إنّه خلّصَ

ــــــــــــــــــــــــ

(1) خطط الشام : ج6 ، ص260 .


الصفحة 139

  اللاهوت من الناسوت ، ويخطِّئون مَن يلعنه . وإنّ لهم خطاباً بينهم ، مَن خاطبوه به لا يعود يرجع عنهم ولا يذيعه ولو ضربَ عُنقه . وهم يُخفون مقالتهم ، ومَن أذاعها فقد أخطأ عندهم . ولهم اعتقاد في تعظيم الخمر ويرون أنّها من النور ، ولزَمهم من ذلك أن عظّموا شجرة العنب التي هي أصل الخمر حتى استعظموا قَلعها . ويزعمون أنّ الصدّيق وأمير المؤمنين عمر وأمير المؤمنين عثمان تعدّوا على علي ومنعوه حقّه من الخلافة .

وقال المحدّثون منهم أنفسهم ، على ما ذكره صاحب تاريخ العلويين : إنّ النصيرية رجعَ لهم اسمهم القديم بعد انتهاء الحرب العامة (1918) وسمّيت العلوية ، وكانت محرومة مدة 412 سنة ، أي من قتال الأتراك للعلويين . وإنّ اسم العلويين ـ الذي كان يُطلق على طائفتهم ـ دُثرَ عدة قرون ، وسمّي الموجود باسم الجبل . ويظنّ بعضهم أنّ اسم النصيرية هو نسبة للسيد أبي شعيب محمد بن نصير البصري النميري ، مع أنّ الأصح هو لأنّه تغلّب اسم الجبل عليهم وأصبحت كلمة نصيري أشنع كلمات التحقير .

وقال : إنّ قوله تعالى : ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ) ، معناه : كمال الدين ، وكمال الدين هو ولاية علي ، وهذه هي الحكمة المقصودة من نزول القرآن بالتدريج . ويقول العلويون : إنّه لمّا أُعلنَ كمال الإسلام ، كان لا يزال بعض العقائد مكتوماً وخفياً ، ولذلك بقيَ إلى هذا اليوم مكتوماً بخصوصيته . وبتعبير أصح : إنّ بقاء عقيدة العلويين مكتومة هو من كمال الإسلام وإعلانها مضرّ به ؛ لأنّ الرسول ( صلّى الله عليه وسلّم ) بشّر المؤمنين بولاية علي وبذلك كملَ الإسلام ، ولكنّه بقيَ حريصاً على كتمان البقية ، ولذلك كان كتمان البقية من كمال الإسلام أيضاً ؛ وهذا هو تعليل تكتّم العلويين في عقيدتهم .

وهم يقولون أيضاً : إنّ بني هاشم كانوا يعرفون في زمن النبي أحكاماً ما كان يعرفها الأُمويون ، وإنّ أهل البيت تعلّموا علوماً لم يسمعها غيرهم ، وهنا مبدأ أسرار العلويين . ومن جملة تكتّم العلويين : أنّ بيعة غدير خم لم تكن إلاّ إفشاء لبعض حقوق أهل البيت والأمر باتباعها واحترامها ... ) .

من هذا الكلام يتأكّد لنا أنّه غربَ عن بال الأستاذ الرئيس ـ وهو


الصفحة 140

المحقّق المدقّق والمؤرّخ الرصين ـ أنّ أحداً من المؤرّخين ، أو كتاب السيَر والتراجم ، لم يذكر أنّ للإمام علي ( عليه السلام ) غلاماً يُدعى نصيراً ، وقد ذكروا أنّ له مولى يسمّى بقنبر . ثمّ مَن هم هؤلاء القدماء الذين قالوا : إنّ النصيرية هم أتباع نصير غلام أمير المؤمنين ؟! لقد بيّنا أنّ القدماء لم ينسبوا النصيرية إلى شخصٍ معيّن بالذات ، ومَن نَسَبهم إلى نصير غلام أمير المؤمنين ، هو أبو الفداء في ( تقويم البلدان ) نقلاً عن ابن سعيد المغربي ، وكذلك الشيخ شمس الدين محمد بن إبراهيم بن ساعد الأنصاري في ( إرشاد القاصد إلى أسنى المقاصد ) ، والأول توفِّي سنة 732هـ ، والثاني توفِّي سنة 794هـ ، مع أنّ أوّل إشارة إلى النصيرية ـ كما سبق أن ذكرنا ـ كانت في أوائل المئة الرابعة .

* أمّا ما كتبهُ محمد عزة دروزة (1) فكان ترديداً لِما جاء في ( ولاية بيروت ) لرفيق التميمي ومحمد بهجت ، و( تاريخ العلويين ) لمحمد أمين غالب الطويل  .

لكنّ دروزة ـ خلافاً لمحمد كرد علي ـ كان خلال عرضه لأقوال صاحب ( ولاية بيروت ) و( تاريخ العلويين ) يقف عند بعض الأفكار ويناقشها ، مبيّناً رأيه فيها ، متّخذاً في بعض الأحيان موقف المدافع كقوله : ( وواضح ممّا نقلناه وما ذكره الطويل في كتابه : أنّ النحلة شيعية إمامية اثنا عشرية في الأصل ، وقد غَدت بما تسرّب إليها من أفكار وعقائد ذات طابع خاص كالنحلة الدرزية ، وقد أُحيطت مثلها بالمراسم والشكليات للتأثير والإيهام . ولنرجّح أنّ كثيراً ممّا تسرّب إليها قد تسرّب بعد الداعية الأول الطبراني ، وإن كان من المحتمل أن يكون هو الذي غرسَ النواة ؛ لأنّ انحرافاً مثل انحرافهم قد غرسَ في مثل هذه الظروف في النحلة الشيعية الدرزية ، متمثِّلاً بنوع خاص في تجلّي الله في الحاكم بأمر الله الخليفة الفاطمي على

ــــــــــــــــــــــــــ

(1) العرب والعروبة : ج2 ، ص14 وما بعدها .

 

الصفحة 141

 على ما شرحناه في بحث تنوخيِّي لبنان في الجزء الأول . وإنّ جهلَ الدعاة والمدعوّين معاً ، والظروف السياسية والاجتماعية التي عاشَ فيها النصيريون خلال قرون عديدة ، ونظرة الاستعلاء والعداء التي كان ينظر إليهم بها السنّيون المسلمون ، قد ساعدت على تسرّبها ، كما ساعدت على إبقاء أصحابها منطوين على أنفسهم ، محتفظين بسرّية نحلتهم ومتمسّكين بها .

ولقد خَفت من جهة شدّة هذه الظروف ، بل زالت أو كادت أن تزول ، ووجدَ العلم من جهة أخرى طريقه إلى النصيريين ، فأخذَ المستنيرون والمثقفون منهم يدركون ما كانوا عليه من أفكار وتأويلات وعادات باطلة ، ويتراجعون عنها : فيعترفون بالقرآن ويتعلّمونه ، ويقومون بالطقوس الإسلامية العادية ، ويطبّقون شئونهم الشخصية ، من : نكاح ، وطلاق ، وإرث على المذهب الجعفري الإمامي ، بل لقد ذَهبوا إلى أكثر من ذلك حيث أذاعَ رجالهم الدينيون بلاغاً في تموز 1936 قالوا فيه : دَحضاً لِما يُشاع عن أنّ المسلمين العَلويين غير مسلمين ، وبعد التداول بالرأي والرجوع إلى النصوص الشرعية قرّرنا البندين الآتيين :

1 ـ كلّ عَلوي مسلم ، والعَلويون المسلمون هم الذين يعتقدون بالشهادتين ويقيمون أركان الإسلام الخمسة .

2 ـ كلّ مَن لا يعترف بالإسلام وينكر أنّ القرآن الشريف كتابه ، وأنّ محمداً ( صلّى الله عليه وسلّم ) نبيه ، لا يُعد في نظر الشرع عَلوياً .

وحيث وضعَ مؤتمر علوي شَهده جمهور من رجال العلويين البارزين ـ من مدنيين ودينيين في الشهر نفسه ـ قرارات من جملتها : أنّ العلويين ليسوا سوى أنصار الإمام ، وما الإمام سوى ابن عم رسول الله ووصيه ، وأنّ القرآن الشريف هو كتاب العلويين قاطبة . وكان هذا رداً على مكيدة استعمارية تبشيرية في عهد الانتداب الإفرنسي المشئوم ، حيث أرادَ المستعمرون والمبشّرون اليسوعيون ـ لمآرب استعمارية ـ استغلال فكرة التثليث الملموحة في العقيدة النصيرية ( علي الأب ، ومحمد الابن ، وسلمان روح القدس ) ، فأخذوا يبدون ويعيدون في زعم أنّ النصيريين من أحفاد الصليبيين ، وأنّهم نصارى العقيدة في الأصل ، ممّا هو وَهم من الأوهام التي يتعمّد المستعمرون


الصفحة 142

والمبشّرون المأجورون لهم إثارتها في المناسبات المماثلة ، فعروبة معظم سكان المنطقة حقيقة من حقائق التاريخ التي لا تحتمل مكابرة ، ومظاهر الدعوة والتلقينات الشيعية والأسماء والعادات الإسلامية هي الغالبة على النحلة ، بحيث لا يصح لمنصف أن يتجاهلها ويتمسّك بفكرة التثليث ، التي قوامها أسماء إسلامية ، ليتخذها دليلاً على أصالة العقيدة النصرانية في النصيريين . وهذا فضلاً عن أنّ فكرة التثليث ليست فكرة نصرانية أصيلة ، حيث تُلمح في الأفكار والعقائد الدينية العديدة قبل المسيح وفي بلاد لا صلة لها بالمسيحية .

ولقد انتهى ذلك العهد المشئوم وقويَ اندماج العلويين في الدولة وسائر طبقات أهلها ، بحيث صارَ من المأمول أن لا يمرّ جيل أو جيلان حتى يتمّ الاندماج والانسجام الاجتماعي والثقافي والروحي معاً ) .

النقطة التي يجب الوقوف عندها في كلام دروزة هي قوله : (المرجّح أنّ كثيراً ممّا تسرّب إليها قد تسرّب بعد الداعية الأول الطبراني ، وإن كان من المحتمل أن يكون هو الذي غرسَ النواة ) .

فما هو دليل الأستاذ محمد عزة دروزة على أنّ الطبراني هو ( الداعية الأول ) ؟! والذي حَدا بنا إلى طرح هذا السؤال ، ما قرأناه في سور ( المجموع ) ، إذ جاء في بعضها ما نصّه : ( شيخنا وسيدنا وتاج رءوسنا وقدوة ديننا وقرّة أعيننا ، السيد أبي عبد الله الحسين بن حمدان الخصيبي ...) .

وجاء في بعضها أيضاً : ( لا رأي إلاّ رأي شيخنا الحسين بن حمدان الخصيبي ، الذي شرّع الأديان في سائر البلدان ) . وأيضاً : ( أشهدُ بأنّني نصيري الدين ، جندبي الرأي ، جنبلاني الطريقة ، خصيبي المذهب ، جلي المقال ، ميموني الفقه ) .

فبموجب ذلك يجب أن يكون الطبراني هو ( الداعية الأخير ) ، لا الأول ؛ لأنّه جاء آخر الحلقة بعد محمد بن نصير ، ومحمد بن جندب ،


الصفحة 143

وعبد الله بن محمد الجنان الجنبلاني ، والحسين بن حمدان الخصيبي ، ومحمد بن علي الجلي .

ومن جهة أخرى ، لم يبيّن لنا الأستاذ دروزة الأسباب والأدلّة التي جَعلته يرجّح أنّ الطبراني هو الذي غرسَ نواة الانحراف ؟! لأنّ الكلام غير المقرون بدليل ساقطٌ عن درجة الاعتبار .

* أمّا الدكتور عبد الرحمان بدوي ، فقد نقلَ كلام الشهرستاني والقلقشندي عن النصيرية بحذافيره ، ثمّ أوردَ نص السؤال الموجّه إلى ابن تيمية ، وفتوى ابن تيمية في ذلك ، معتبراً أنّ هذا النصّ من النصوص المفيدة في معرفة مذهب النصيرية ، لكنّه بدلاً من أن يرجع إلى ( كتاب مجموع الفتاوى ) لابن تيمية ـ وهو مطبوع في مطبعة كردستان العلمية سنة 1326هـ ـ قدّم نصّ الفتوى نقلاً عن الجمعية الآسيوية JA سنة 1871 .

وهناك اختلاف واضح في نصّ السؤال الذي وجِّه إلى ابن تيمية ، بين مخطوط الجمعية الآسيوية الفرنسية ، وبين ( كتاب مجموع الفتاوى ) ، مثال ذلك جاء في المخطوط : ( ويجعلون موسى هو الاسم ، ويوشع المعنى ، ويقولون : يوشع ردّت له الشمس لمّا أمرَها فأطاعت أمرَه ، وهل ترد الشمس إلاّ لربها ، ويجعلون سليمان هو الاسم ، وآصف هو المعنى القادر المقتدر ) .

بينما وردت هذه العبارات في ( مجموع الفتاوى ) على الشكل التالي : ( ويجعلون موسى هو الاسم ، ويوشع هو المعنى ، ويقولون : يوشع ردّت له الشمس لمّا أمرَها فأطاعت أمره ، وهل ترد الشمس إلاّ لربّها ، ويجعلون سليمان هو الاسم ، وآصف هو المعنى ، ويقولون : سليمان عجزَ عن إحضار عرش بلقيس وقدرَ عليه آصف ؛ لأنّ سليمان كان الصورة ، وآصف كان المعنى القادر المقتدر ) .

وجاء في المخطوط أيضاً :  (ومن شِعر بعض فضلائهم المشهور عنه ، قوله الملعون :


الصفحة144

أشـهد  أن لا إلـه إلاّ      عـلي  الأنزع البطين
ولا  حـجاب عليه إلاّ      مـحمد الصادق الأمين
ولا طـريق إلـيه إلاّ      سليمان ذو القوّة المكين

ولم نجد هذه العبارة ، ولا هذه الأبيات ، في نص السؤال كما جاء في ( كتاب مجموع الفتاوى ) ، لكنّا وجدنا هذه الأبيات في جواب ابن تيمية عن المسألة 210 : ( في طائفة من رعيّة البلاد كانوا يرون مذهب النصيرية ، ثمّ أجمعوا على رجل منهم واختلفت أقوالهم فيه : فمنهم مَن يَزعم أنّه إله ، ومنهم مَن يزعم أنّه نبي مرسل ، ومنهم مَن ادّعوا أنّه محمد بن الحسن ، يعنون المهدي ) .

فكان من ضمن جواب ابن تيمية ، هذا القول : ( والنصيرية يكتمون أمرهم ، بل هم معروفون عند جميع المسلمين ، لا يصلّون الصلوات الخمس ، ولا يصومون شهر رمضان ، ولا يحجّون البيت ، ولا يؤدّون الزكاة ، ولا يقرّون بوجوب ذلك ، ويستحلّون الخمر وغيرها من المحرّمات ، ويعتقدون أنّ الإله علي بن أبي طالب ، ويقولون :

أشـهد  أن لا إلـه إلاّ      عـلي  الأنزع البطين
ولا  حـجاب عليه إلاّ      مـحمد الصادق الأمين
ولا طـريق إلـيه إلاّ      سليمان ذو القوّة المكين

والذي يبعث على الدهشة اعتبار الدكتور بدوي نصّ السؤال الذي وجِّه إلى ابن تيمية ، من النصوص المفيدة في معرفة مذهب النصيرية ، مع أنّه صادر عن شخصٍ مجهول من غير النصيرية ، بل من خصومهم .

ونحن إذا نظرنا إلى ما أوجزه الدكتور بدوي من عقائد النصيرية ، نقلاً عن القلقشندي ، وإلى ما جاء في نص الفتيا ـ التي اعتبرها من النصوص المفيدة في معرفة مذهب النصيرية ـ حصلَ لدينا قولان ، لا توجد نقطة التقاء واحدة في ما بينهما ، ومن الغرابة أن لا ينتبه الدكتور بدوي إلى ما في هذين القولين من تناقضٍ صارخ .


الصفحة 145

ومن جهة أخرى ، كان من جملة المصادر التي اعتمدها الدكتور بدوي في دراسته عن النصيرية ، كتابات المستشرقين الفرنسيين والألمان ، المنشورة في المجلّة الآسيوية ، ومجلّة جمعية المستشرقين الألمان المعروفة باسم ZDMG وغيرها ، حيث نقلَ عنها جدولاً بأسماء كتب النصيرية ، وفقرات من كتاب ( مجموع الأعياد ) ، و( كتاب المشيخة ) ، و( كتاب تعليم الديانة النصيرية ) ، ونصوص ثلاثة قُدَّاسات ، ونتيجةً لاعتماده على النقل عن مصادر أجنبية ـ من دون تحقيق أو تدقيق ـ فقد غَمت عليه أمور كثيرة ، رأينا أن نقف عندها قليلاً مصحّحين موضّحين .

نقلَ الدكتور بدوي عن ماسينيون جدولاً بأسماء كتب النصيرية ، وقد وقعت عند ترجمته لأسماء الأشخاص والكتب بعض التحريفات ، نوجزها بما يلي :

أولاً ـ الأشخاص :

* أبو الفضل محمد بن حسن منتجب الدين .

وليس هناك مَن يعرفه بهذا الاسم ، وإنّما هو معروف باسم منتجب الدين العاني .

* الشيخ الأمير حسن بن مخزون السنجاري .

والصحيح هو : ( حسن بن مكزون السنجاري ) .

* مضر بن معالي الخرقي .

والصحيح هو : ( نصر بن معالي الخرقي ) .

* الشيخ حسن العجرود العيني .

والصحيح : ( حسن الأجرود ) .

* الشيخ محمود بامره ( أو بعمره ) .

الصحيح : ( بعمره ) ، وبعمره اسم مكان .


الصفحة 146

* بنو مهرز .

الصحيح : ( محرز ) .

* حسين الأحمد همين .

الصحيح : ( حمين ) ، وحَمين اسم مكان ، وهي قرية بالقرب من طرطوس .

ثانياً ـ الكتب :

* كتاب الأساس .

الصحيح : ( الأسوس ) .

* كتاب الأشباه والأظلة .

الصحيح : ( الأشباح والأظلّة ) ، هكذا ورد اسم الكتاب في كثير من المخطوطات .

* كتاب جامع الأصول ( كتاب درج المراتب ) .

الصحيح : ( كتاب الدرج والمراتب ) .

* كتاب البحث والدلالة ( في شكل الرسالة ، عن صفات الله الأربع الخليقة والمخلوقة ) .

الصحيح : ( كتاب البحث والدلالة عن مشكل الرسالة ، وهو كتاب البيان والبرهان ) .

* كتاب حجّة العارف على البائن والمخالف .

الصحيح : ( كتاب حجّة العارف في إثبات العدل على المباين والمخالف ) .

* كتاب حقائق أسرار الدين ( ربّما كان هو بعينه كتاب موضّح الأسرار ) .

والصحيح : أنّ اسم الكتاب هو ( رسالة موضّحة حقائق الأسرار


الصفحة 147

 لِمن يستيقظ من الأبرار ) رواية محمد بن شعبة الحراني .

* كتاب تسمية الأعياد ، كتاب العالم والمتعلّم ، كتاب الحياة الروحية .

هذه الكتب الثلاثة منسوبة إلى أبي الفضل محمد بن حسن منتجب الدين ، المعروف باسم منتجب الدين العاني .

والحقيقة : ليس للمنتجب غير كتابين نثريَين مفقودَين ، هما : "الجداول الروحانية" و"العالم والمتعلّم" ، وقد ذكرهما مع ديوانه أبو عبد الله جلال الدين بن معمار الصفوي في كتابه ( جدول تقويم الأسماء في معرفة أشخاص الأرض والسماء ) .

أمّا كتاب ( تسمية الأعياد ) و( الحياة الروحية ) ، فلم يذكرهما أحد .

* كتاب الأسيفر .

والصحيح : ( الأصيغر ) بالصاد والغين .

* * *

وقبل أن نتناول بالحديث كتاب ( تعليم الديانة النصيرية ) و( المشيخة ) وغيرها ، التي عرَضها الدكتور بدوي في صلب دراسته عن النصيرية ، نجعل وقفتنا عند كتابٍ هامٍ لم يولِه الدكتور بدوي التفاتة جدّية ، وإنّما أشارَ إليه إشارة عابرة ، وهو يستعرض ( مؤلّفو النصيرية الأقدمون ) ، حيث ذكرَ من كتب الخصيبي ( كتاب المجموع ) ، وقال عنه : كتاب المجموع ( 16 سورة ) نشرهُ الأذني ، ونشره ديسو ص181 ، ويسمّى أيضاً كتاب الدستور ( "الباكورة" 7 و88 و92 ) .

وقد سبقَ أن تحدّثنا عن هذا الكتاب ونحن نستعرض كتاب ( الباكورة السليمانية ) ، وها نحن نعود إليه مرّة ثانية .

نستطيع أن نقول : إنّه من خلال تتبّعنا لكُتب النصيرية المنسوبة إليها ، تأكّدَ لنا أنّه لا يوجد لديهم كتاباً باسم ( المجموع ) ، وصحّ عندنا أنّه


الصفحة 148

مختلق ومنسوب إلى الخصيبي ، وهناك أدلة كثيرة على ذلك ، منها :

1 ـ إنّ الذين ترجموا للخصيبي في القديم والحديث ، لم يذكروا له هذا الكتاب ، والكتب التي ذكروها له هي : أسماء النبي ، أسماء الأئمة ، الإخوان ، المائدة ، الهداية الكبرى ، وديوان شِعر .

2 ـ في السور التي تضمّنها كتاب ( المجموع ) أكثر من دليل على أنّه ليس للخصيبي ، من ذلك ما جاء في السورة الأولى ونصّه : ( وقد دلّنا إليه وأرشدنا إليه شيخنا وسيدنا وتاج رءوسنا وقدوة ديننا وقرّة أعيننا ، السيد أبي عبد الله الحسين بن حمدان الخصيبي ) . وما جاء في السورة الحادية عشرة ونصّه : ( ولا رأي إلاّ رأي شيخنا الحسين بن حمدان الخصيبي ، الذي شرّعَ الأديان في سائر البلدان ) .

ومن غير المعقول أن يكتب شخص عن نفسه هذا الكلام .

3 ـ جاء في السورة الثالثة واسمها ( تقديسة أبي سعيد ) ما نصّه : ( نذكر حضرة شيخنا وسيدنا الأجل الأكبر ، الشاب التقي ، أبي سعيد الميمون بن قاسم الطبراني ) .

فإذا كان الطبراني ولِدَ سنة وفاة الخصيبي ، أي سنة 358هـ ، فكيف يذكره الخصيبي في كتابه ( المجموع ) ، وينعته باسم ( شيخنا وسيدنا ) وهو لم يره ، ولم يسمع به ؟!

4 ـ يضاف إلى ذلك : أنّ في ( المجموع ) نصوص (16) سورة و(3) قُدَّاسات ، هي : قُدَّاس الطيب ، قُدَّاس البخور ، قُدَّاس الأذان ، وليس في كتب الخصيبي أي ذكر لهذه القُدَّاسات ، أو أيّة إشارة إليها .

ومن جهة أُخرى ، هذه القُدَّاسات نَشرها كتفاجو في مجلّة جمعية المستشرقين الألمان ، ونَقلها عنه الدكتور بدوي بنصّها ، ونحن إذا قارنّا نصوص القُدَّاسات التي نشَرها كتفاجو ، بنصوص القُدَّاسات التي نشرها الأذني في ( الباكورة السليمانية ) ، وجدنا اختلافات كثيرة في ما بينها ؛ ممّا


الصفحة 149

يدل على أنّ كتاب ( المجموع ) مختلق .

وتوضيحاً للحقيقة نضع أمام القارئ نصّ كل قُدَّاس إلى جانب الآخر للمقارنة .

قُدَّاس الطيب :

في " الباكورة " :

يا أيها المؤمنون ، انظروا إلى مقامكم هذا الذي أنتم به مجمعون ، وانزعوا الغلّ من قلوبكم ، والشك والحقد من صدوركم ؛ ليكمل لكم دينكم بمعرفة معينكم ، ويستجاب منكم دعاؤكم ويكرم مثواكم مولانا ومولاكم ، اعلَموا أنّ علياً بن أبي طالب قائم معكم وحاضر بينكم ويسمع ويرى ويعلم ، ويعلم ما فوق السماوات السبع وما تحت الثرى ، وهو عليم بذات الصدور العزيز الغفور .

إيّاكم ، إيّاكم ـ يا إخوان ـ من الضحك والقهقهة في أوقات الصلاة مع الجهّال ؛ فإنّها بئس الفعال ، وتقرّب الآجال ، وتُهبط صالح الأعمال ، ولكن اصغوا واسمعوا لمقال السيد الإمام ؛ لأنّه قائم فيكم كقيام الفرد الصمد العلي العلاّم ، إنّا مَزجنا لكم هذا الطيب على هذه النيّة ، كما مُزجت السماوات في السبعة الإمامية في خالص عقد النفوس الجوهرية ، تنزيهاً للصورة البشرية المرئية الأنزعية ، طيّبوا بها أنفسكم الطاهرة الزكية من سائر الأفعال الرديّة . لقد خصّ بها من الميم للسين في كلّ وقت وحين ، إليها إليها فهو علياً إله ، له الدين الخالص ، إنّما يدعون من دونه باطل ، وعبادة المخلوقات هي الرأي العاطل ؛ لأنّه تعالى عزّ شأنه في علو مكانه السميع العلي العظيم . انتهى .

في " مجلّة جمعية المستشرقين الألمان " :

أيها المؤمنون ، اسمعوا وأطيعوا وانظروا إلى مقامي هذا الذي فيه ( نحن ) مجتمعون ، انزعوا الغلّ والحسد والحقد من قلوبكم ، يكمل لكم دينكم ويستجيب الله لدعائكم ، واعلَموا أنّ الله حاضر موجود بينكم يسمع ويرى ، إنّه عليم بذات


الصفحة 150

الصدور إياكم يا مؤمنين ، من الضحك والقهقهة في أوقات الصلاة مع الجهّال ، فمنها تحبط الأعمال وتتغيّر الأحوال ؛ لأنّها من طريق إبليس اللعين ( لعنه الله تعالى ) . اسمعوا ما يقول لكم الإمام ؛ لأنّه قائم فيكم في طاعة العلي العلاّم ، إنّ هذا قُدَّاس الطيب بعد عقد النيّة ( على ) الصلاة الحقيقية التي خصّ بها السيد المسيح إلى سين ، عطاء كل نفس هواها .

قال في القداس المبارك : سبحان مَن جعل من الماء كلّ شيء حي ، سبحان مَن يُحيي الميت في صرصر بقدرته . العلي الكبير . الله أكبر . أسألك اللهمّ مولاي بحقّ هذا قُدَّاس الطيب ، بحقّ السيد محمد الحبيب ، الذي اخضرّ في يده القضيب ، ( أن ) تحلّ في دياركم البركة يا أصحاب هذا الفضل وهذا الطيب ، ونقدّس أرواح إخواننا المؤمنين البعيد منهم والقريب ، يا مولاي يا أمير النحل ، يا علي ، يا عظيم .

قُدَّاس البخور :

في " الباكورة " :

قُدَّاس البخور وروايح تدور في البيت المعمور ، في محلّ الهَنا والفرح والسرور . قال : إنّه كان شيخنا وسيدنا محمد بن سنان الزاهري ( علينا سلامه ) يقوم إلى صلاة الجامعة في كل يوم وليلة مرّة أو مرّتين ، ويأخذ بيده ياقوتة حمراء وقيل : صفراء ، وقيل : خضراء ، تنزيهاً لفاطمة الزهراء ، ويبخر الأقداح وتتمّ الأفراح ، ويبخر بها عبد النور في وقت الزينة والزهور .

اعلَموا يا مؤمنين ، أنّ النور محمد ، والليل سلمان ، بَخّروا أقداحكم ، وأنيروا مصباحكم ، وقولوا بأجمعكم : الحمد لله ، الحمد لله الذي جعلَ لها فضله تامم . وسرّه كاتم . إنّه جواد كريم ، علي عظيم . آمِنوا وصدِّقوا يا مؤمنين ، إنّ شخص عبد النور حلال لكم معكم ، حرام عليكم مع غيركم . انتهى .

في " مجلّة جمعية المستشرقين الألمان " :

قال : كان سيدنا محمد بن سنان الزهري يقوم بالصلاة مرّة ومرتين ، في يده ياقوتة حمراء ، وقيل : مرجانة صفراء ، يبخِّر بها عبد النور ويقول : يا أيها المؤمنون ، بخّروا أقداحكم ، أنجِزوا أعمالكم تنالوا بها الآمال . ويقول : ( بأجمعكم ) الحمد لله الذي جعلَ نوره تاماً ، وفضله عاماً

 

الصفحة 151

علينا وعلى سائر إخواننا ، براح وريحان وجنّة الله والنعيم . أسألك اللهمّ مولاي بحقّ هذا قُدَّاس البخور ، وبحقّ البراء بن معروف ، وبحقّ أبي الحسين المدني وتلميذه أبي الطاهر سابور ، تحل في دياركم البركة يا أصحاب هذا الفضل وهذا البخور ، يا أمير النحل يا علي ، يا عظيم .

قُدَّاس الأذان :

في " الباكورة " :

الله أكبر ، الله أكبر ، الله أكبر ، الله أكبر ، وجّهتُ وجهي إلى السيد محمد المحمود ، وطالب سرّه المقصود ، وعينه الودود ، مقرّاً بالمعرفة والتجليات والصفات ، ومنزّهاً المعنى بالذات ، هو عين العلوية الذاتية الأنزعية ، هو المعنى علي المتعال . وأمّا فاطر ذو الجلال والحسن ذو الكمال ، ومحسن سرّ الخفي المفضال ، إنّي عبد يا مؤمنين ، مقرّ بما أقرّ به السيد سلمان في وقت النداء والأذان ، أذّن المؤذّن في المأذنة وبلغَ القوم في أذانه وهو يقول : الله أكبر ، الله أكبر ، أشهد بأنّ ليس إله إلاّ علي أمير النحل الأصلع المعبود ، ولا حجاب إلاّ محمد الحمد الأجلّ الأعظم المحمود ، ولا باب إلاّ السيد سلمان الفارسي المقصود .

وأنّ السيد محمد حجابه المتصل ، ونبيه المرسل ، وكتابه المنزل ، وعرشه العظيم ، وكرسيه المتين . وأنّ السيد سلمان سلسل سلسبيل بابه الكريم ونهجه القويم ، الذي لا يؤتى إليه إلاّ منه ، وسفينة النجاة وعين الحياة . حي على الصلاة ، حي على الصلاة . صلّوا يا معشر المؤمنين تدخلوا الجنّة التي أنتم بها موعودين .

حي على الفلاح ، حي على الفلاح ، تفلحون يا مؤمنين . تخلصون من كثايف الأبدان وظلمة الأجسام ، وتسكنون بين الحور والولدان ، وتعاينون مولاكم الجليل أمير النحل العلي الكبير . الله أكبر ، الله أكبر ، مولاكم أمير النحل علي . أكبر ممّن تكبّر وأعظم ممّن تجبّر . حَمداً لا يُرام ، عزيزاً لا يُضام ، قيّوماً لا ينام . الله أكبر ، الله أكبر ، قد قامت الصلاة على أربابها ، وثبتت الحجّة على أصحابها . أسألك يا أمير النحل يا علي بن أبي طالب ، أن تقيها وتديمها كما دامتا السماء والأرض . واجعل السيد محمد ختامها وصيامها وصلاتها ، والسيد سلمان سلامها وزكاتها ، والمقداد يمينها ومعينها ، وأبو الذر شمالها


الصفحة 152

 وكمالها ، والعالمين سبيلها ، والمؤمنين دليلها إلى الأبد آمين .

 

في " مجلّة جمعية المستشرقين الألمان " :

الله أكبر ، الله أكبر ، الله أكبر كبيراً ، الحمد لله كثيراً ، وجّهتُ وجهي إلى محمد المحمود ، طالباً سرّه المقصود ، المتقرّب بتجلّي الصفات وعين الذات وفاطر الفطر ، ذو الجلال والحسن ، ذو الكمال . اتّبعوا ملّة أبيكم إبراهيم الخليل هو الذي سمّاكم مسلمين ، حنيفاً مسلماً ولا أنا من المشركين ، ديني سلسل ، طاعة إلى القديم الأزل . أُقر كما أقرّ السيد سلمان حين أذّن المؤذن في أُذنه وهو يقول : شهدتُ أن لا إله إلاّ هو العلي المعبود ، ولا حجاب إلاّ السيد محمد المحمود ، ولا باب إلاّ السيد سلمان الفارسي ، ولا ملائكة إلاّ الملائكة الخمسة الأيتام الكرام ، ولا ربّ إلاّ ربّي شيخنا ، ( وهو ) شيخنا وسيدنا الحسين بن حمدان الخصيبي سفينة النجاة ، وعين الحياة .

حي على الصلاة ، حي على الفلاح ، تفلحوا يا مؤمنون . حي على خير العمل ، يعينه الأجل . الله أكبر ، الله أكبر ، قد قامت الصلاة على أربابها ، وثبتت الحجّة على أصحابها . الله مولاي يا علي ، أسألك أن تقيمها وتديمها ما دامت السماوات والأرض ، وتجعل السيد محمد خاتمها ، والسيد سلمان زكاتها ، والمقداد يمينها ، وأبا ذر شمالها . نحمد الله بحمد الحامدين ، ونشكر الله بشكر الشاكرين ، وصلّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين .

أسألك اللهمّ مولاي ، بحقّ هذا قُدَّاس الأذان ، وبحقّ متّي وسمعان ، والتواريخ والأعوام ، بحقّ يوسف بن ماكان ، بحقّ الأحد عشر كوكباً الذين رآهم يوسف بالمنام ، تحلّ في دياركم البركة بالتمام ، يا مولاي : يا علي ، يا عظيم .


الصفحة 153

وفي عرضه لكتاب ( تعليم ديانة النصيرية ) يقول الدكتور بدوي : ( نستطيع أن نجد خلاصة وافية لتعاليم النصيرية في كتيب صغير بعنوان ( كتاب تعليم ديانة النصيرية ) ، ومنه مخطوط في المكتبة الأهلية بباريس برقم 6182 ، وقد حلّله بالألمانية القس الدكتور فولف Wolf من روتفيل Rottweil في ألمانيا بمقالٍ له في ZDMG ، جـ 3 (سنة 1849) ، ص302 ـ ص309 ، وهو على طريقة السؤال والجواب Catechisme ، ويتألّف من 101 سؤال . ونحن نورد فيما يلي خلاصة لهذه الأسئلة والإجابات عنها ، وهي تتألّف من قسمين : قسم نظري ، وقسم عملي ، وهناك أسئلة القسم النظري وخلاصة الإجابات عنها ) .

وقد رجعنا إلى هذا المخطوط ، وقارنّا ما بينه وبين ما أورده الدكتور بدوي ، فتبيّن لنا وجود اختلافات كثيرة مهمة ، لا ندري هل هي من فعل الدكتور بدوي ، أم ناتجة عن خطأ في الترجمة ؟!

مثال ذلك :

* لفظة ( احتجبَ ) في المخطوط صارت ( تحوّل ) عند الدكتور بدوي :

س5 : كم مرّة تحوّل ربّنا ليتجلّى في صورة إنسانية ؟

ونصّ هذا السؤال في المخطوط هو : كم مرّة احتجبَ مولانا وظهرَ بالإنسانية .

* ولفظة ( اخترع ) في المخطوط ، صارت ( خلق ) عند الدكتور :

س11 : كيف خلقَ المعنى الاسم ، وكيف خلقَ الاسم الباب ؟

وفي المخطوط : كيف المعنى اخترعَ الاسم ، وكيف الاسم اخترعَ الباب ؟

* ولفظة ( القبّة ) في المخطوط ، تحوّلت عند الدكتور إلى ( دور ) .

س19 : ما أسماء الاسم في دور إبراهيم .


الصفحة 154

وفي المخطوط : أخبِرني عن أسماء الاسم في القبّة الإبراهيمية ، وغيرها … وغيرها .

ومن جهة أخرى ، يذكر الدكتور بدوي أنّ هذا الكتاب يتألّف من مئة سؤال وسؤال ، لكنّه عرضَ مئة سؤال . وبالتدقيق تبيّن لنا : أنّه سها عن ذكر السؤال (88) ، وهو : ما هو القُدَّاس الثاني ؟

يضاف إلى ذلك : أنّ صيَغ الأسئلة ـ كما أوردها الدكتور ـ جاءت مشوّهة ومبتّرة ، وبعيدة تماماً عن صيغة المخطوط ، وهذا ما أدّى إلى قلب المعنى رأساً على عقب .

وفي ما يلي بعض الأمثلة على ذلك :

بدوي

س 6 : كيف احتجبَ هكذا ثمّ ظهر ؟

س 11 : كيف خلقَ المعنى الاسم ، وكيف خلق الاسم الباب ؟

ج : ماهية الماهيات خَلقت الاسم من نور وحدتها .

س 14 : ما هي أسماء الاسم الثلاثة والستون الدالّة على المعنى ، أي تلك التي استخدمها الله للظهور في أشخاص الأنبياء والرسل ؟

س 15 : ما هي الأسماء الخاصّة بالاسم ولكنّها في الحق تُنسب إلى المعنى ؟

ج : الله ، الرحمان ، النور .

س 16 : ما هي الأسماء السرّية للاسم ؟

س 17 : ما هي الأسماء الشخصية للاسم ؟

س 18 : ما هي أسماء الاسم المجّردة ؟

س 30 : وفي الأدوار الفارسية ؟

س 42 : وفي الحادي عشر ؟

س ج : خطيب محمد .

س 72 : ما القرآن ؟

ج : المبشّر بظهور مولانا في صورة البشرية .

س 97 : ما معنى الكلمة الظاهرة والكلمة الباطنة ؟


الصفحة 155

ج : الباطنة هي إلوهة مولانا ، والظاهرة هي قدرته ، فظاهراً نقول عنه : مولانا علي بن أبي طالب ، ويعني هذا باطناً المعنى الاسم والباب ، الله الغفور الرحيم .

المخطوط

س 6 : كيف احتجبَ مولانا في الحجب في كورهم ودورهم وظهرَ بالإنسانية ؟

س 11 : كيف المعنى اخترعَ الاسم وكيف الاسم اخترعَ الباب ؟

ج : اعلم أنّ عنصر العناصر وجوهر الجواهر قد اخترعَ الاسم من نور وحدانيته ، وجعله نوراً منبجلاً من جوهر معنويته وحركة من سكونه ، واصطفاه وسمّاه باسمه ، واجتباه ولم يكن له ربّاً سواه ، وجَعله وحده الخالق

س 14 : أخبِرني عن أسماء الاسم الثلاثة والستون المَثلية المعنى والذاتية الاسم ، وهي التي قامَ فيها في النبوة والرسالة .

س 15 : ما هي الأسماء الصفاتية التي تسمّى بها الاسم وهي للمعنى خاصة ؟

ج  : ليس في الأسماء التي وردت في (المخطوط) : " النور " ، بل القدير المنير السراج .

س 16 : ما هي أسماء الاسم في اصطلاح اللغة ؟

س 17 : أخبِرني عن أسماء الاسم في التسعة الذاتية ؟

س 18 : أخبِرني عن أسماء الاسم في الأظلة ؟

س 30 : أخبِرني عن أسماء أشخاص الباب في القباب البهمنية ؟

س 42 : … في المطلع الحادي عشر .

ج  : اعلم أنّ اسم الباب في المطلع الحادي عشر أبو شعيب محمد بن نصير البكري النميري العبدي .

س 72 : ما هو القرآن ؟

ج : هو دليل سابق على ظهور مولانا بالإنسانية .

س 97 : ما هو الباطن وما هو الظاهر ؟

ج : اعلم أنّ لفظة الباطن تدل على لاهوت مولانا ، والظاهر يدل على إنسانيته ، ففي الظاهر نقول : مولانا علي بن أبي طالب . ومعناه في الباطن : المعنى والاسم والباب ، وهو الله الرحمان الرحيم ، ... إلخ .


الصفحة 156

وهناك كثير من الأدلّة التي تجعلنا نجزم بأنّ هذا الكتاب مختلق ، اختلقهُ المرسلون الأجانب لتوكيد نظريتهم حول أصل النصيريين ، إذ قام من بين المستشرقين مَن زعمَ بأنّ كلمة نصيرية جاءت من نصرانية ، وأنّ النصيريين هم نصارى بالأصل (1) . ولأنّ النصارى تقول : الأب + الابن + روح القدس = إله واحد . فإنّهم حرصوا على جعل ( العقيدة ) النصيرية تقوم أيضاً على أنّ الثلاثة = واحد . أي : علي + محمد + سلمان الفارسي = إله واحد . وهذا ما يتبيّن بجلاء من جواب السؤال التاسع :

س 9 : ما هو الاسم والمعنى والباب ؟

ج : هو ثالوث غير منفصل ، تدل وحدانيته على إلهية مولانا ، ولهذا نقول : بسم الله الرحمن الرحيم . فلفظة الله تدلّ على المعنى ، ولفظة الرحمن الرحيم تدلّ على الاسم والباب .

لكنّ مختلق كتاب ( تعليم ديانة النصيرية ) فضحَ نفسه بنفسه ، وكشفَ عن حقيقة ذاته من غلطة صغيرة وقعَ فيها ، هي قوله في السؤال التاسع والعشرين :

س 29 : أخبِرني عن اسم الباب في المقام السادس ؟

ج : اعلَم أنّ اسمه روزبه ابن المرزبان ، وأيتامه يوحنا فم الذهب ، ويوحنا الديلمي ، وبولس ، وبطرس ، ومتّي (عليهم أفضل الصلاة والسلام) .

فروزبه ابن المرزبان ، هو اسم سلمان الفارسي قبل اعتناقه الإسلام ، وأيتام سلمان كما جاء في جواب السؤال (70) من الكتاب نفسه هم :

ــــــــــــــــــــــ

(1) الأب هنري لامنس : هل كان النصيريون نصارى ؟ مجلّة العالم المسيحي العدد 3 و6/1901 .


الصفحة 157

المقداد بن الأسود الكندي ، وأبو ذر جندب بن جنادة بن سكن الغفاري ، وعبد الله بن رواحة الأنصاري ، وعثمان بن مظعون النجاشي ، وقنبر بن كادان الدوسي ، ولا يُعقل أن يقع شخص نصيري يؤلّف كتاباً تعليمياً عن ( ديانته ) في مثل هذا التناقض .

وبعد ، أليس من المؤسف أن يغفل الدكتور عبد الرحمان بدوي ـ بمكانته العلمية السامية ـ عن مثل هذه الأمور ، ويتقبّل أقوال المستشرقين على علاّتها ، من دون تدقيق أو تمحيص .

 

* ومن الذين نوّعوا مصادر دراستهم أيضاً : الدكتور مصطفى الشكعة في كتابه ( إسلام بلا مذاهب ) ، ويتبيّن ممّا كتبهُ المذكور عن النصيرية ، أنّه اعتمدَ اعتماداً كبيراً على : ( الباكورة السليمانية ) ، و( ولاية بيروت ) ، و( سوسنة سليمان ) . وفي ما يلي أهمّ فقرات ما كتبه عن النصيرية وتعليقنا عليها .

( العلويون : فرقة من فِرَق الشيعة التي ذاعَ الغلو عند عدد وفير من أفرادها ، وغلبَ الاعتدال على العقلاء المنصفين المثقَّفين منهم ، وتسميتهم بالعلويين تسمية حديثة لا تتجاوز بضع عشرات من السنين ، فقد كانوا قبل ذلك ـ ولعام 1920 على وجه التحديد ـ يسمّون النصيرية ، وهو اسمهم القديم الذي عُرفوا به على مرّ الأجيال والقرون ، … والنصيرية نسبة إلى أحد رجال الشيعة وكان يسمّى محمد بن نصير النميري ) .

عقيدة العلويين :

( العلويون فرقة باطنية تفرّعت عن الشيعة الإمامية أول أمرها ، ثمّ ما لبثت أن باعدت التيارات العقائدية المتطرّفة بينها وبين الإمامية ، إلاّ مَن ظلّ منهم محافظاً على روح العقيدة الأولى ، فإنّ هؤلاء لا زالوا متمسّكين بإسلامهم الصحيح ، وهم بين القوم من الكثرة بمكان ، يؤدُّون الفرائض في ظلّ روح الإيمان الكامل ، كما ينبغي أن تؤدّى في غير تحريف أو تغيير .


الصفحة 158

هذا ما كان من أمر العلويين النصيرية في الماضي . فلمّا سار ركب الزمان ومرّت عليهم القرون ، عادَ منهم إلى العقيدة في سلامتها مَن عاد ، وأخذت بالباقين أسباب من التغيير والتطوّر ، بعضُها باعدهم عن الإسلام وبعضها الآخر قرّبهم .

فأمّا الذين ساروا في طريق التباعد ، فقد وقعوا تحت تأثير التعلاّت الجاهلة التي خرّوا ضحية لها ؛ لأنّ بعضها جاء من المجوسية ، والبعض الآخر جاء من التثليث المسيحي ، أو فتنة عبد الله بن سبأ ، فهم يؤلّفون ثالوثاً من : علي ، ومحمد ، وسلمان الفارسي ، ويتخذون من ذلك شعاراً يتكوّن من الحروف الثلاثة ( ع م س ) ، أو ما يسمّى ( سر عقد ع م س ) . وهذا الثالوث يفسَّر عندهم بـ ( المعنى ، والاسم ، والباب ) ، فالمعنى هو : الغيب المطلق ، أي الله الذي يُرمز إليه بحرف ع ، والاسم هو : صورة المعنى الظاهر ويُرمز إليه بحرف م ، والباب هو : طريق الوصول ويُرمز إليه بحرف س .

فللعقيدة عند العلويين هيكلان : هيكل نصراني ، وآخر إسلامي ، ولعلّ ذلك يفسّر لنا احتفالهم الكامل بالأعياد المسيحية ، واحتفالهم بالأعياد الإسلامية . فهم يحتفلون بعيد الميلاد ويقدّمون فيه النبيذ ، ويحتفلون بعيد الغطاس والنيروز والبربارة ، وهي أعياد مسيحية . وفي نفس الوقت يحتفلون بمولد النبي ، وعيد آخر يسمّى عيد الفراش ، أي ليلة مبيت علي في الفراش مكان النبي ( صلّى لله عليه وسلّم ) .

ومن عقيدتهم : الحلول ، أي أنّ الله تجلّى للمرة الأخيرة بعلي كما تجلّى قبل ذلك ـ حسب اعتقادهم ـ بهابيل ، وشيث ، وسام ، وإسماعيل ، وهارون ، وشمعون . واتخذ في كلّ دور رسولاً ناطقاً يمثّل على الترتيب في : آدم ، ونوح ، وإبراهيم ، وموسى ، وعيسى . فعلي إله في الباطن ، إمام في الظاهر ، لم يلد ولم يولد ولم يمت ولم يُقتل ولا يأكل أو يشرب . وبحسب الاعتقاد السابق فقد اتخذ علي محمداً ، ومحمد متصل بعلي ليلاً منفصل عنه نهاراً ، وعلي خَلقَ محمداً ، ومحمد خلقَ سلمان الفارسي ، وسلمان خلقَ الأيتام الخمسة الذين بيدهم مقاليد السماوات والأرض ، وهم : المقداد ( رب الناس وخالقهم الموكّل


الصفحة 159


بالرعود والصواعق والزلازل ) ، وأبو الدر ـ أي أبو ذر الغفاري ـ الموكّل بدوران الكواكب والنجوم ، وعبد الله بن رواحة الأنصاري الموكّل بالرياح وقبض أرواح البشر ، وعثمان بن مظعون الموكّل بالمعدة وحرارة الجسد وأمراض الإنسان ، وقنبر بن كادان الموكّل بنفخ الأرواح في الأجسام .

والعلويون يعتقدون بالتقمّص ، وهم في ذلك يتَّفقون مع الدروز ، ويرون أنّ البشر كانوا كواكب ألقت بهم الخطيئة إلى الأرض ، فينبغي أن تنتقل أرواحهم من جسد إلى آخر سبع مرات ، ثمّ تعاد إلى مكانها من السماء بعد أن تكون قد انصقلت .

وأمّا البعث والحساب ، فإنّهم ينكرونهما . والجنّة والنار تكونان في الدنيا وحدها ، ويقولون : إنّ الشياطين مخلوقون من معاصي الناس ، وإنّ الناس خُلقت من معاصي الشياطين ، كما أنّهم يلعنون الصحابة : أبا بكر ، وعمر ، وعثمان ، وطلحة ، وسعداً ، وخالد بن الوليد ، والخلفاء الأمويين والعباسيين ، والرفاعي ، والدسوقي ، والبدوي ، والجيلاني ، وأبا حنيفة ، والشافعي ، وابن حنبل ، وكلّ مَن تبعَ مذهبهم [أي الأشخاص اللذين عدَّدهم أعلاه] ؛ لأنّهم يأكلون من خيرات علي ويعبدون غيره .

وهؤلاء الغلاة المعاصرون ينقسمون إلى فِرق ثلاث هي : البناوية ، والكلازية ، والمواخسة .

فأمّا البناوية : فهم الذين ادّعى الإلوهة بينهم شخص اسمه سلمان المرشد ، وقسم آخر ظلّ على حاله من السير على العقيدة العلوية العادية .

أمّا فريق الكلازية : فهم يعتقدون بحلول علي في القمر ولذلك يعبدونه ، وبعضهم يعتقدون بحلوله في الشمس نهاراً ولذلك يعبدونها أيضاً ) .

العبادات عند العلويين :

( وجدنا التكاليف على درجات ، فهي جبرية على بعض الناس ، وغير جبرية على البعض الآخر . فرجال الدين ـ وهم المعروفون بأصحاب العهد السرّي ـ عليهم جبرية التكاليف . وأمّا غيرهم من الناس ، ويُطلق عليهم اسم


الصفحة 160

( الجهّال ) ، فليسوا مكلّفين .

أمّا الصلاة ، فهي خمسة أوقات تماماً كالمذاهب الإسلامية الأخرى ، إلاّ أنّها تختلف في الأداء ، وبعضها يختلف في عدد الركعات .

فإذا انتقلنا إلى الزكاة ، فهي في جوهرها تماماً كما هي عند جمهور المسلمين ، يضاف إليها الخُمس المعروف عند الشيعة .

وأمّا الصيام ، فمعروف عندهم ، وهو كصيام جمهور المسلمين ، ويزاد عليه البُعد عن معاشرة النساء طول الشهر … ) .

في هذا الحديث أكثر من نقطة تدعونا إلى الوقوف عندها ومناقشتها . فقبل كلّ شيء ، ليس في كلام الدكتور الشكعة ما يدل على أنّه اطّلع على أيّ كتاب من كتب النصيرية ، وإنّما اكتفى بترديد ما قاله الأذني في ( الباكورة ) ، وكان عليه أن يأتي بالكلام من مظانّه الأصلية .

ثمّ لم يبيّن لنا دليله على أنّ النصيرية نسبة إلى محمد بن نصير ، وقد سبقَ أن بيّنا عدم صحّة هذه النسبة .

ومن جهة أخرى ، إنّ الدكتور الشكعة يفسّر احتفال العلويين بعيد الغطاس والنيروز وعيد الميلاد ـ إذا صحّ احتفالهم بهذه الأعياد ـ بأنّ للعقيدة عندهم هيكلاً نصرانياً ، مع أنّ الاحتفال بالأعياد مظاهر اجتماعية بحتة لا تمتّ إلى العقيدة بسبب . ثمّ إنّه يَعتبر عيد النوروز عيداً مسيحياً ، وهذا غير صحيح . فعيد النيروز عادة فارسية أخذها العرب عن الفرس منذ فجر العصر الإسلامي ، وكان الحجّاج أوّل مَن رسمَ هدايا النيروز والمهرجان ، على ما يذكر أبو هلال العسكري في ( الأوائل ) . وهل غابَ عن ذهن الدكتور أنّه في العصر العباسي شاركَ المسلمون النصارى واليهود في أعيادهم ومطارحهم ، فكان الخلفاء يمتّعون أنفسهم بزينة جواريهم في أيام الشعانين .

وشملَ احتفال الخلفاء العباسيين الأعياد الفارسية القديمة : كالنيروز والمهرجان والرام ، التي أصبحت في العصر العباسي من أهم أعياد المسلمين الرسمية ، وقد جعلَ العبّاسيون النيروز عيداً قومياً يتهادون فيه ، ويقيمون الولائم والحفلات .

 

الصفحة 161

وفي مصر ، كان للخلفاء الفاطميين في طول السنة أعياد ومواسم ، وهي : موسم رأس السنة أول العام ، ويوم عاشوراء ، ومولد النبي ( صلّى الله عليه وسلّم ) ، ومولد علي بن أبي طالب ( رضي الله عنه ) ، ومولد الحسن ، ومولد الحسين ( عليهما السلام ) ، ومولد فاطمة الزهراء ( عليها السلام ) ، ومولد الخليفة الحاضر ، وليلة أول رجب ، وليلة نصفه ، وليلة أول شعبان ، وليلة نصفه ، وموسم ليلة رمضان ، وغرّة رمضان ، وسماط رمضان ، وليلة الختم ، وموسم عيد الفطر ، وموسم عيد النحر ، وعيد الغدير ، وكسوة الشتاء ، وكسوة الصيف ، وموسم فتح الخليج ، ويوم النوروز ، ويوم الغطاس ، ويوم الميلاد ، وخميس العدس ، وأيام الركوبات (1) .

وقد وصفَ المسعودي في ( مروج الذهب ) احتفال الناس في مصر ـ مسلمين ونصارى ـ بعيد الغطاس ، ومشاركة الأخشيد محمد بن طغج بهذا العيد ، قال (2) : ( لليلة الغطاس بمصر شأن عظيم عند أهلها ، لا ينام الناس فيها ، وهي ليلة إحدى عشرة ( من طوبة ، وستة ) من كانون الثاني . ولقد حضرتُ سنة ثلاثين وثلاثمئة ليلة الغطاس بمصر ، والأخشيد محمد بن طغج في داره المعروفة بالمختارة في الجزيرة الراكبة للنيل ، والنيل يطيف بها . وقد أمرَ فأسرجَ من جانب الجزيرة وجانب الفسطاط ألف مشعل ، غير ما أسرجَ أهل مصر من المشاعل والشمع . وقد حضرَ النيل في تلك الليلة مئة ألف من الناس من المسلمين والنصارى : منهم في الزوارق ، ومنهم في الدور الدانية من النيل ، ومنهم على الشطوط . لا يتناكرون الحضور ، ويحضرون كل ما يمكنهم إظهاره من المآكل والمشارب والملابس ، وآلات الذهب والفضّة والجواهر والملاهي والعزف والقصف ، وهي أحسن ليلة تكون بمصر وأشملها سروراً ..) .

فهل كان الفاطميون نصارى ؟! وهل كان الإخشيد محمد بن طغج

ــــــــــــــــــــــــ

(1) المقريزي : كتاب المواعظ والاعتبار ج1 ، ص490 .

(2) ج3 ، ص222 .


الصفحة 162

نصرانياً ؟! وهل في عقيدة المسلمين المصريين ، هيكلاً نصرانياً ؟!

إنّنا لم نستغرب من الدكتور الشكعة مثل هذه الأحكام بعد أن رأيناه يرمي بالكلام جزافاً ، من مثل قوله : ( فأمّا الذين ساروا في طريق التباعد ، فقد وقعوا تحت تأثير التعلاّت الجاهلة التي خرّوا ضحية لها ؛ لأنّ بعضها جاء من المجوسية ، والبعض الآخر جاء من التثليث المسيحي ، أو من فتنة عبد الله بن سبأ ) .

فمَن هم هؤلاء الذين ساروا في طريق التباعد ؟! ما اسمهم ؟! وما هي خلاصة أقوالهم ؟! وما هي عقائدهم ؟! وبماذا يفترقون عن غيرهم ؟! وما هي التعلاّت الجاهلة التي خرّوا ضحية لها ؟! كل هذه النقاط قفزَ من فوقها الدكتور الشكعة ، ولم يوضّحها لنا ، وهي تحتاج إلى إيضاح ، ثمّ كيف وجدَ التكاليف على درجات ؟! بأيّة وسيلة ، وبأي أسلوب ؟!

وممّا قاله أيضاً ، وهو يحتاج إلى مناقشة : ( ومن عقيدتهم الحلول ، أي : أنّ الله تجلّى للمرة الأخيرة ، بعلي كما تجلّى قبل ذلك ـ حسب اعتقادهم ـ بهابيل ، وشيث ، وسام ، وإسماعيل ، وهارون ، وشمعون ، ... واتّخذ في كلّ دور رسولاً ناطقاً يمثّل على الترتيب في : آدم ، ونوح ، وإبراهيم ، وموسى ، وعيسى ... ) .

هذا الكلام نقلهُ الدكتور عن صاحب ( الباكورة السليمانية ) ، وهو إن دلّ على شيء ، فإنه يدل على أنّ دكتورنا لم يطّلع على ما كتبه الأقدَمون عن النصيرية ، وما نسبوه إليهم من قول بظهور اللاهوت في الناسوتية ، أو انتقال المعنى ، أو ظهور الوجود بالصورة الإنسانية ؛ لذلك رأينا أن نضع أقوال الأقدمين كلّها مع أقوال الدكتور الشكعة ، إلى جانب بعضها البعض للمقارنة .


الصفحة 163

لنتساءل أين وجه الشبه بين هذه الأقوال ؟! وعلى ماذا يدلّ هذا الاختلاف ؟!

وإذا سلّمنا جَدلاً أنّ أقوال الأقدَمين غابت عن ذهن الدكتور الشكعة ، أو لم تكن في متناول يده وهو يعد كتابه ، فهل غابَ عن ذهنه ـ وهو يكتب عن الإسماعيلية أيضاً ـ أنّ الأدوار والأكوار والفترات والقرانات هي نظرية إسماعيلية ، وعندهم أنّ الفترة هي المدّة بين الناطق والناطق ، والنطقاء هم بحسب التسلسل :

الناطق ( آدم ) ، الأساس ـ أو الوصي ـ ( شيث ) ، أصحاب الفترة ( مهدئيل ، يارد ، لامك ) .

الناطق ( نوح ) ، الأساس ـ أو الوصي ـ ( سام ) ، أصحاب الفترة ( تارح ، لوط ، آزر ) .

الناطق ( إبراهيم ) ، الأساس ـ أو الوصي ـ ( إسماعيل ) ، أصحاب الفترة ( قيدار ، يهوذا ، لاوي ) .


الصفحة 164

الناطق ( موسى ) ، الأساس ـ أو الوصي ـ ( هارون ثمّ يوشع ) ، أصحاب الفترة ( عمران ، يونس ، بشر ذو الكفل ) .

الناطق ( عيسى ) ، الأساس ـ أو الوصي ـ ( شمعون الصفا ) ، أصحاب الفترة ( أصطفانوس ، مرقيا ، إلياس ) .

الناطق ( محمد ( صلّى الله عليه وسلّم ) ) ، الأساس ـ أو الوصي ـ ( علي بن أبي طالب ) .

ومن المفيد في هذا المقام أن نذكر الحديث الشريف : ( مَن أرادَ أن ينظر إلى آدم في علمه ، وإلى نوح في طاعته ، وإلى إبراهيم في خلته ، وإلى موسى في هيبته ، وإلى عيسى في صفوته ، فلينظر إلى علي بن أبي طالب ) .

ولا نشكّ مطلقاً في أنّ خصوم النصيرية ، قد أوّلوا هذا الحديث على غير معناه ، وسبق أن بيّنا كيف تأوّلوا ( علي في السحاب ) للدسّ والطعن .

أمّا تقسيم العلويين إلى فِرَق ثلاث هي : البناوية ، والكلازية ، والمواخسة ، والقول : إنّ البناوية هم الذين ادّعى الإلوهية بينهم شخص اسمه سلمان المرشد ، فقول غريب ، لم يذكره غير الشكعة ، ولا ندري من أين جاء الدكتور بهذه المعلومات المغلوطة . فسلمان المرشد من عشيرة تسمّى بالعمامرة ، ولا يوجد في العلويين فرقة أو عشيرة تُدعى البناوية .

ويطول بنا الحديث إذا أردنا مناقشة كل ما في كلام الشكعة من نقاط ، لكنّنا نكتفي بهذا القدر اختصاراً للوقت ، وكنّا نتمنّى عليه ألاّ يتورّط في الحديث عن موضع شائك ودقيق ، لم يهيِّئ له عِدته الكافية ؛ لأنّ موضوعاً كهذا لا يؤخذ شفاهاً من أفواه مغرضين .

الاتجاه الرابع :

أصحاب هذا الاتجاه يبرِّئون ساحة النصيرية ، وينفون عنهم ما اتُّهموا به من قولٍ بالتناسخ وتقديس الخمر ، وتأليه علي ( عليه السلام ) .

من هؤلاء : منير الشريف في ( العلويون مَن هم وأين هم ؟ ) ، وعارف الصوص في ( مَن هو العلوي ؟ ) ، ومحمد علي الزعبي ، والدكتور صبحي محمصاني في ( فلسفة التشريع في الإسلام ) ، ... وغيرهم .


الصفحة 165

* يقول منير الشريف :

( وحيث إنّني عشتُ بين هذه الطائفة عدّة سنين ، وتجوّلت في كل أطراف محافظة اللاَّذقية ، ودرستُ حالة العلويين عن كثب ، وصادقتُ رجالهم وخبرتهم ، رأيتُ الواجب يدفعني إلى تأليف هذا الكتاب لأُبعد عن هذه الطائفة الشبهات والترارية والظنون ، وأُطلع الناس على الحقيقة : بأنّها فئة عربية الدم واللسان والخصائل والغاية ، وإسلامية كبقية الطوائف الإسلامية غير السنّية ، كتابها القرآن الكريم . وإنّها رغم ما نزلَ بها من البلايا والرزايا الشعوبية ، ما تزال مرتبطة بالعروبة والإسلام .. .

... إنّ العلويين هم فرقة إسلامية لا تنفك تقرأ القرآن الكريم باحترام ، وتُعلّمه الأحداث . وإنّ فيهم اليوم الحَفظة له ، ولقد كنتُ أدخل على بعض بيوتهم في القرى النائية ، بدون أن يعلموا بي ، فكنتُ أجد الأولاد منهمكين في تعلّم القرآن الكريم . وإنّ طقوسهم الدينية هي عين الطقوس الإسلامية ، وإن لم يكن في قراهم الصغيرة مساجد ... ) .

* ويقول عارف الصوص :

( لقد تبيّن لي أنّ العلويين هم فرقة مسلمة تدين بهذا الدين الحنيف ، ويقرّون بشهادة أن لا إله إلاّ الله ، والاعتراف بنبوة محمد النبي العربي الأمّي ، سيدنا محمد بن عبد الله ( صلّى الله عليه وسلّم ) ، رسول الهدى وخاتم الأنبياء والمرسلين . كما أنّهم يقولون بإمامة أخيه وابن عمّه سيد الوصيين علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) وأبنائه الأحد عشر المعصومين .

سمعتهم يتلون القرآن الكريم الذي أنزله الله على نبيه محمد ( صلّى الله عليه وسلّم ) ، فلم أرَ في هذا القرآن ما يخالف القرآن الذي يقرؤه المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها ، ويتوجّهون في صلواتهم إلى القبلة التي يستقبلها كل المسلمين في صلواتهم ، ويصومون الشهر الذي فرضَ الله على العباد صومه ، ويؤتون الزكاة كما أمرَ الله ، بل يتمسّكون تمسّكاً شديداً بإيتاء الزكاة حتى ولو كان المزكّي فقيراً مدقعاً ، ومَن يستطيع الحج إلى البيت الحرام منهم فإنّه


الصفحة 166

 يحج ، إلى غير ذلك من كافة الفروض التي فرَضها الله تعالى على عباده . والعلوي يحافظ على التقاليد العلوية ، فلا تطِب له إلاّ الأحاديث التي تتحدّث عن آل البيت ، ولا يقول إلاّ بالوصايا والتعاليم التي سنّها ووضعها علي وأبناؤه ، نقلاً عن الرسول العظيم ...) .

* ويقول محمد علي الزعبي (1) :

( لم أرَ مؤلِّفاً نادى بالفصل بين الأقلّية الجنبلانية الماخوسية المرشدية ، التي تعتمد على كتب : الأعياد ودرّة الدرر والمجموع ، وبين الأكثرية المطلقة من سكان الجبل الذي عرفناه أخيراً باسم ( علوي ) ، وهي الأكثرية المسلمة البريئة من مرض الغلو ، التي تعبد الله وتتقرّب له وحده بمذهب أئمة أهل البيت النبوي ( مذهب الإمام جعفر الصادق ) .

... نحن إذا تحدّثنا عن البناوية المرشدية لا نعني الجبل المشهور بالعلوي ، بل نعني المرشدية وحدهم ، وهم لا يتجاوزون الثلاثين ألف نسمة ، يقيمون في بعض قرى الحفة وحمص ، إذ معروف موقفنا في هذا الحقل ، وقد سبقَ لنا أن نشرنا في " العرفان " بحثاً مطوّلاً بعنوان ( لا علوي في العلويين ) ، أي : لا عبادة للإمام علي ...) .

* ويقول الدكتور صبحي محمصاني :

( وهي من الفِرق الباطنية التي اتصفت بكتم تعاليمها ، فلذا اختلفَ كثيراً في حقيقة هذه التعاليم . فالبعض نسبَ خطأ إلى النصيرية الاعتقاد بتناسخ الأرواح وبتقديس الخمر وبتأليه الإمام علي ، مع تثليث الإلوهية : على اعتبار أنّ هذا الإمام هو الرب أو المعنى ، ومحمد ( صلّى الله عليه وسلّم ) هو الحجاب أو الاسم ، وسلمان الفارسي هو الباب . واعترضَ البعض الآخر على هذه النسبة باعتبارها من افتراء المستعمرين ، وأصرّ على أنّ هذه الفرقة من فِرق الشيعة المسلمين ، ونحن نميل إلى صوابية هذا الرأي ) .

ـــــــــــــــــــــــ

(1) حول الفِرق المتطرّفة : العرفان المجلّد 53 ـ العدد 7/8 ك 2 ـ شباط 1966 .


الصفحة 167

* ويدخل تحت هذا الباب الانطباعات والمشاهدات الحسّية ، التي سجّلها مندوب جريدة ( الإرشاد ) تحت عنوان ( من اللاذقية للجبل... في خدمة الصحافة ) (1) ، وهي :

( وطرتُ بنفسي إلى قرية كنكارو المتفرّعة إلى بضعة عشر حيَّاً ، والتي تشرئب أحياؤها فوق شعاب الروابي والهضاب وكأنّها تناجي المبدع الخلاّق ، وتشكّل الآخرة حيّزاً من وجود أبناء كنكارو ، ففوق كلّ هضبة ضربت قبّة ، وفي كل قبّة ضريح ما برحت ألسِنة الأحياء تلهج بفضائله ومآثره ، وحول كل قبّة اعتادَ أبناء القرية أن يعقدوا حلقة لقراءة القرآن وعبادة الرحمان ، واقتبال الكعبة وإقامة شعائر الإسلام ، فقأ الله عَيْنَي كل مَن باعدَ بين أمثال هؤلاء من أبناء الجبل وبين العروبة والإسلام .

فشَددنا الرحال إلى قرية ( بنزلي ) مقرّ نائب بانياس الشيخ إبراهيم صالح ، وموطن أسرة الصوفي الورع الشيخ صالح ناصر الحكيم . وتقع قرية بَنزلي في وسط من الرجال الأشدّاء المعروفين بـ ( الصرامتة ) ، وللصرامتة تاريخ من نار مع الفاتح المصري إبراهيم باشا الذي ردّوه على أعقابه دفاعاً عن قدس الجبل ومنعته . وكانت بطاح الصرامتة سدّاً عظيماً وقفَ عندها زحف الجيش المصري ، وما برحت عشيرة الصرامتة تعتصم في دكنات الجبال وتؤلّف الأكثرية الساحقة في ناحية سمت قبلي التابعة جبلة .

وبالإضافة إلى هذا الوضع الجغرافي لقرية بنزلي ، فإنّ لها في نفوس جميع أبناء العشائر في الجبال والمُدن موقعاً دينياً ممتازاً ، وقد مضى ردح من الزمن كانت فيه قرية بنزلي ـ في حياة المرحوم الشيخ صالح ناصر الحكيم ـ محجّة يقصدها الوافدون من مختلف بقاع الجبل ، يرتشفون منها فضائل الزهد والورع وأصول الفقه وتعاليم الدين الحنيف ، وما برحَ الجبل من أقصاه إلى أدناه ينظر إلى مقام الشيخ صالح ناصر نظرة التقديس والخشوع ، ويعطّر المجالس

ــــــــــــــــــــــــ

(1) الأعداد 692 ، تاريخ 15/8/1946 ، و693 ، تاريخ 16/8/1946 و694 ، تاريخ 19/8/1946 و(695) تاريخ 20/8/1946 .


الصفحة 168

 بذكر كراماته التي اختصّ بها الله أولياءه الصالحين .

وفي قرية بنزلي جمال طبيعي ، ففي قمّتها المتعالية نحو السحاب ، منبسط تضيف عليه القبّة التي تشمل ضريح الشيخ صالح جلالاً وروعة وبهاء ، يلتصق بالقبّة مسجد جامع شيّده النائب الشيخ إبراهيم نجل المرحوم الشيخ صالح ، ما سَمعتْ أُذناي أروع من أذان الصبح فيه ، فما أن يتعالى صوت (الله أكبر ، الله أكبر) في تلك القمّة الشاهقة ، حتى تتجاوب أصداء صرخة التكبير ، وهي هتفة الحق والوحدانية ، التي دوّخت العالم مجلجلة مدوّية في البطاح الخضر والذرى الشم والغابات المكتظّة .

وكلمة (الله أكبر) يرسلها المؤذّن من أعلى قمّة في الجبل العلوي عند السحر البليل ، وترتفع حتى تصل الملأ الأعلى دعوة إلى النفوس الحيّة والضمائر الساذجة من أبناء القرى ، إلى الاعتصام بكتاب الله وسنّة نبيه محمد بن عبد الله ( صلّى الله عليه وسلّم ) ، مقتفين آثار تلك الشخصية الصوفية الإسلامية الرفيعة ، شخصية علي كرّم الله وجهه ، في القناعة والشجاعة والعفّة والسخاء .

الاتجاه الخامس :

أصحاب هذا الاتجاه حاولوا دراسة عقائد النصيرية من خلال بعض الكتب المخطوطة المنسوبة إليهم ، وأبرز ممثّلي هذا الاتجاه : عبد الحميد الدجيلي ، ومصطفى غالب .

* عبد الحميد الدجيلي ، تكلّم عن النصيرية تحت اسم الخصيبية في مقاله ( كتاب مجموع الأعياد والطريقة الخصيبية ) ، معتبراً النصيرية طريقة وليست فرقة أو مذهباً .

ونصّ مقاله هو (1) : ( كتاب ( مجموع الأعياد ) ، ويُعرف بكتاب ( سبيل راحة الأرواح ودليل

ــــــــــــــــــــــــ

(1) مجلّة المجمع العلمي العراقي : المجلّد (4) ج2 ، سنة 1956 .


الصفحة 169

 
 السرور والأفراح إلى فالق الإصباح ) ، تأليف أحد كبار دعاة الطريقة الخصيبية أبي سعيد ميمون بن قاسم الطبراني ، نُشر حديثاً ، ويُعد من أهمّ كتب أصحاب هذه الطريقة ، فإليه يرجعون في شعائرهم الدينية ، وصلواتهم وأدعيتهم وأعيادهم الموسمية ، وبه يُقسمون ويأخذون عهد التكتّم والميثاق حينما يريدون أن يعلِّموا أحداً أسرار نِحلتهم وطريقتهم .

والطبراني هذا ، واسمه سرور ، ولقبه ميمون ، وكنيته أبو سعيد ، وولادته في طبرية سنة 358هـ ، نشأ في بلدته ، وتعلّم القراءة والكتابة ، ثمّ ذهب إلى حَلب مركز الدعوة الخصيبية فتتلمذ على أحد كبار رجال الدعوة : محمد بن علي الجلي الحلبي ، ولِد في جلة من توابع اللاذقية ، وسكنَ حَلب للدراسة ، ونشرَ الطريقة .

ودرسَ هذا الطبراني وتعلّم وتقدّم في الطريقة التي خلفَ أستاذه في الرئاسة الدينية ، وألّف الكتب المتنوّعة في ذلك ، منها : كتاب الحاوي في واجبات التلاميذ ، وكتاب الدلائل بمعرفة المسائل ، وكتاب ضدّ المذهب القرمطي ردّ فيه على علي بن قرمط وعلى ابن كشكة ، وكتاب مجموع الأعياد الذي خصصنا به بحثنا ، وله كتب أخرى .

ومن جرّاء المخاصمات التي وقعت بين أصحاب الطبراني هذا وبين الفرقة الإسحاقية في حلب ، ومعاداته لأبي دهيبة إسماعيل بن خلاد البعلبكي رئيس الفرقة الإسحاقية في عصره ، اضطرّ الطبراني إلى مغادرة حلب والإقامة في اللاذقية ، وبذلك تحوّل مركز الطريقة إلى اللاذقية ، ولا يزال هناك حتى يومنا هذا .

وقد شاهدَ أبو سعيد مصائب ومحناً في حياته من جرّاء هذه المخاصمة ، التي انتهت بمحاربة أصحابه للإسحاقية والتغلّب عليهم ومعاملتهم معاملة قاسية ، فقتلوهم وشرّدوهم وأحرقوا بيوتهم وآثارهم ، وقتلوا رئيسهم أبا ذهيبة إسماعيل بن خلاد البعلبكي ، وبقتله لم يبقَ للإسحاقية إلاّ بقايا كتب وأفراد اندمجوا بأصحاب أبي سعيد .

وفي القرن الثامن الهجري حينما حلّ الأمير حسن المكزون السنجاري ، زعيم الطريقة الخصيبية في حلب ، جمعَ كُتب الإسحاقية وحرَقها وقضى على بقية هذه


الصفحة 170

 النِحلة وعقيدة أصحابها في تلك المنطقة ، وتوفِّي أبو سعيد ميمون بن قاسم الطبراني سنة 462هـ ، وقبره في اللاذقية لا يزال قائماً داخل المسجد المعروف بمسجد الشعراني .

وقد أشارت كتب الفِرق إلى الإسحاقية أصحاب إسحاق النخعي الأحمر ، وكان من أصحاب الحسن العسكري ومَن ادّعى النيابة عنه بعد وفاته ، ثمّ تسلسلت هذه النيابة فتولاَّها بعده همام الأعسر ، ثمّ اللقيني ، ثمّ الحقيني ، ثمّ أبو ذهيبة إسماعيل بن خلاد .

وقد فصّل القول في هذه الفرقة والخلاف بينها وبين الطريقة الخصيبية الشهرستاني في ( كتاب المِلل والنحل ) ، كما أشارَ إليهم فخر الدين الرازي في كتابه ( اعتقادات فِرق المسلمين والمشركين ) ، وابن حجر العسقلاني في ( لسان الميزان ) ، والخطيب البغدادي في ( تاريخ بغداد ) .. .

أمّا سلسلة رجال الدعوة الخصيبية فهي كما يلي :

1 ـ أبو شعيب محمد النميري البكري البصري : وهو الباب الأول ، وأساس النحلة الجنبلانية ، وواضع هذه الفكرة الغالية ، كان من أصحاب الحسن العسكري ، ثمّ بقيت الوكالة والبابية له بعد وفاته نيابة عن الإمام المهدي كما ادّعى . وقد سكنَ سامراء مدّة طويلة في عهد الحسن العسكري وفي عهد الغيبة ، وقد ذكرهُ الشيخ الطوسي في "الغَيبة"  ، والنوبختي في "الفِرق" .

2 ـ محمد بن جندب : وقد قامَ مقامه كما يدّعي أصحاب هذه الطريقة ، ولم تُعرف له ترجمة في كتب الفِرق الشائعة المطبوعة .

3 ـ عبد الله بن الجنان الجنبلاني : من بلد جنبلا من عراق العجم ، وهو المؤسّس الثاني بعد أبي شعيب ، وواضع الآراء الباطنية للعبادات الظاهرية ، وكان من كبار رؤساء هذه النِحلة ، عالماً متبحّراً في العلوم الإسلامية والفلسفية ، قصدهُ جماعة من أصحاب هذه النحلة إلى جنبلا ، وتعلّموا على يده أُسس الطريقة ، وتنقّل هو في العراق وسورية ومصر ، وفي مصر تعرّفَ عليه المؤسّس الثالث لهذه الدعوة الحسين بن حمدان الخصيبي .

 

الصفحة 171

ولمّا رجعَ إلى جنبلا ، لم يفارقه الخصيبي ، بل سافرَ معه إلى جنبلا ، وبقيَ يدرس على يده ، ... وبقيَ معه حتى توفِّي الجنبلاني سنة 287هـ عن ثلاث وأربعين سنة ، فرجعَ الخصيبي يحمل فكرتين : فكرة التأويل الباطني ، وفكرة البغض للعرب ، وتولّى بعده الزعامة الدينية .

وحلّ في بغداد مدّة ، أخذَ عنه جماعة يزيدون على الاثنين والخمسين تلميذاً ، وكوّن مركزاً للطريقة الخصيبية في كرخ بغداد ، وعيّن لها تلميذاً قوياً من تلاميذه ، هو السيد علي الجسري ناظر الجسور في بغداد ،.... ثمّ سافرَ الخصيبي إلى حَلب ، وأقامَ هناك الدعوة ، وألّف الكتب في ظلّ الحمدانيين ، وأهدى كتابه (الهداية الكبرى) ـ وهو في تراجم الرسول وفاطمة والأئمة ـ إلى سيف الدولة ، وفيه من الغلو والتمهيد للطريقة الخصيبية ما يدهش .

 كما أهدى كتابه (راسباش) إلى عضد الدولة البويهي أيام سكناه في بغداد ، ... وهو كتاب في الطريقة الباطنية ، ومعناه (كُن مستقيماً) وقد كتبهُ بالفارسية .

ولِدَ الخصيبي في مصر سنة 260هـ ، وتوفِّي في حلب سنة 346هـ ، وخَلفهُ في الزعامة الدينية تلميذه السيد محمد بن علي الجلي الحلبي ، سكنَ حَلب أيام الخصيبي ، وتعلّم على يده ، وقامَ مقامه ، وأسّس مركز الدعوة في حَلب ، ثمّ تحوّل هذا المركز إلى اللاذقية في زمن الطبراني . أمّا مركز الدعوة في بغداد ، فبقيَ حتى مجيء هولاكو ، فأُغلِق ، وبعده تولّى الزعامة الطبراني ، ثمّ تُركت الزعامة المطلقة ، وحوّلت بعد الطبراني إلى مشايخ الدين ...) .

وقبل أن نلخّص لك بعض ما في كتاب مجموع الأعياد ، لابدّ لنا من ذكر بعض التعاليم القديمة لهذه الطريقة :

1 ـ لا حشر إلاّ للأرواح ، وحَشرُها حلولها في السماء بين الكواكب المنيرة .

2 ـ ينقسمون إلى ثلاثة أقسام : الكلازية ، والحيدرية ، والنياصفة ، ومرجع انقسامهم إلى الاختلاف في تفسير نصوص الأدعية ، أو السور الست عشرة التي تُعد مرجع النحلة الجنبلانية ، وقد ذكرها كلّها في (الباكورة)


الصفحة 172

 وشَرحها ، وأشار إلى مواقع الخلاف في التفسير .

3 ـ الحقيقة الإلهية مجهولة الهويّة ، وُمظهرها وموضع إبداعها ووجودها في الإمام علي بن أبي طالب ، فهو أكمل ذات في الوجود الخاص ، وهذه الحقيقة الإبداعية العلوية تجلّت في الإمام علي ، وتجلّت في أبنائه الاثني عشر ، كما تجلّت في جميع الأنبياء والقدّيسين .

4 ـ أغلب شعائرهم وتعابيرهم في كتبهم رمزيةٌ : فالميم محمد ، والعين علي ، والسين سلمان ، وسهف علي ، والكيم سلمان ، ودلام عمر ، وسلسل سلمان ، وفاطر فاطمة ، والحاءات الثلاث الحسن والحسين ومحسن ، وذو زمد أبو بكر .

5 ـ لا يعلمون بالظواهر الشرعية ، ولكل طقس تفسير باطني ، فالحج حبّ أهل بيت محمد ، وعلي ، والحسن ، والحسين ، ومحسن . وسر صاحب البيت علي ، والبيت كلّه محمد ، ... ومعنى الطبقات السبع لجهنّم : التحوّل بعد الموت من فسخ ومسخ ونسخ .

6 ـ لكلّ إمام باب ، على النسق التالي : علي (سلمان) ، الحسن (قيس بن ورقة) ، الحسين (رشيد الهجري) ، علي بن الحسين (عبد الله الكابلي) ، الباقر (يحيى بن معمر الثمالي) ، الصادق (جابر بن يزيد الجعفي) ، الكاظم (محمد بن أبي زينب) ، الرضا (المفضل بن عمر) ، الجواد (محمد بن المفضل بن عمر) ، الهادي (عمر بن الفرات) ، العسكري (أبو شعيب النميري) ، أمّا الإمام المهدي فلم يكن له باب ، بل بقيت البابية لأبي شعيب .

7 ـ لا يجوز أن يتعلّم النساء القراءة والكتابة ؛ لأنّها خُلِقت من ذنوب الأبالسة ، ولا يجوز شرب الدخان ؛ لأنّ النبي (صلّى الله عليه وسلّم) لعنَ هذه النبتة ، ولا يجوز أكل البانية . وفي كل شعائرهم يستعملون الشراب ويرمزون إليه بعبد النور ، كما هي العادة عند البكتاشية ، وغيرهم من الفِرق الغالية المتصوّفة .

8 ـ من كتبهم : كتاب الهفت ، أي الأيام السبعة ، وينسبونه إلى الإمام


الصفحة 173

جعفر الصادق ، ويتضمّن الوصايا العشر التي يجب على كل خصيبي أن يعمل بها ، وإن اختلفوا في تفسير بعض عباراتها .

9 ـ سلسلة العهد للداخل في الطريقة يحلف بكتاب مجموع الأعياد ، ويتعهّد بكتم السر ، وأنّه على النحو التالي : الشعيبي مذهباً ، الجندبي رأياً ، الجنبلاني حقيقة ، الخصيبي طريقة ، الطبراني فقهاً .

10 ـ جميع أعياد الدين الإسلامي وأعياد الفرس وأعياد المسيحيين أعيادهم ، وعلى كلّ رجل ثري أن يقيم عيداً أو عيدين أو ثلاثة في أثناء السنة ، فتقام الأفراح في بيته ، وتجتمع جماعات يأكلون ويشربون ، ويرتّلون الأدعية والأوراد ، وفي أفراحهم هذه يرتّلون أشعار كبار نحلتهم كشعر الخصيبي ، وشعِر الشيخ منتجب الدين العاني ، ويُعد شعره من أسمى شِعر التصوّف والعرفان ، .. فظهرَ لي أنّه أسمى من شعر ابن الفارض ، ولو طُبع هذا الديوان لهذا الشاعر العراقي ، لأماتَ كثيراً من شِعر المتصوّفة .

ويغلب على ناحيتهم الأدبية ـ شعراً ونثراً ـ ضعف وركّة في أسلوب عامي في كثير من الأحيان ، ما عدا السور الست عشرة ، فهي قوية جزيلة .

أمّا  كتاب (الهداية الكبرى) ، .. فهو من كتب الحديث والرواية ، بأسلوب بليغ للغاية ، وعلى نمطه تقريباً  كتاب (مجموع الأعياد) . وقد عثرَ المستشرق الألماني (شترطمان) صاحب مجلّة (دير إسلام) على نسخة من "مجموع الأعياد" ، فنَشرها كاملة في المجلّد السابع والعشرين من هذه المجلّة في ثلاثة متوالية .

وقد اعتمدتُ على هذه النسخة المطبوعة ، وأوّلها : (الحمد لله العلي الأحد ، الفرد الصمد ،.... قال الشاب الثقة أبو سعيد ميمون بن القاسم الطبراني : حدّثني أبو الحسين الجهمدي بمدينة طرابلس الشام سنة ثمان وسبعين وثلاثمئة ، قال : حدّثني أبو عبد الله الحسين بن حمدان الخصيبي ، ... قال : حدّثنا محمد بن سنان ، ... قال : دخلتُ على مولاي العالِم (الحسن العسكري) وعنده جماعة ، فسلّمتُ فردّ السلام ، وقال لي : (ما حاجتك ؟) ، فقلت : يا سيدي ، قد أشكل عليّ معرفة الأعياد


الصفحة 174

العربية والعجمية ، فمنّ عَليّ بمعرفة ذلك ، ... فسكت هنيهة ، ثمّ قال : (يا محمد ، ... الأعياد العربية عشرة : الغدير ، ويوم الجمعة ، ويوم الفطر ، ويوم الأضحى ، ويوم الأحد ، الذي أمرَ أمير المؤمنين فيه سلمان أن يدخل المسجد ويخطب بالناس ، واليوم الذي خاطب الباقر منه السلام جابر بن يزيد الجعفي ووضعَ يده على صدره ، واليوم الذي أمرَ محمد بن علي الرضا لعمر بن الفرات بالدعاء وقال : (ائتوني من باب عمر بن الفرات) ، واليوم الذي نَصب السيد جعفر منه السلام محمد الزينبي وأقامهُ للناس عَلماً ، ... إلخ . أمّا الأعياد العجمية : فيوم النوروز ، ويوم المهرجان ، والتاسع من شهر ربيع الأول ، ويوم الفراش ... إلخ) .

وبعد أن عدّ هذه الأعياد التي شملت الأعياد الإسلامية والفارسية والمسيحية وأعياد القدّيسين ، شرعَ في شرح ما ترمز إليه هذه الأعياد من تأويلات باطنية ما أنزلَ الله بها من سلطان ، ولم يقتصر في تأويله الباطني على الأعياد ، بل عمّ بحثه العبادات الظاهرة وما يعني بها في الباطن ، والتأويل على أُسس التأويل الإسماعيلي : فالصيام الدعاء ، ثمّ يذكر ذلك الدعاء الذي يُتلى بدل الصوم ، وكما أنّ محمداً أول الأعداد ، وجبَ أن يكون عيد الفطر أول الأعياد .

والمؤلّف ـ في كلّ ما روى من تأويل باطني للأعياد والعبادات ـ ينقله نصّاً عن كتاب (راسباش) للخصيبي ، ... ثمّ يتكلّم عن "عيد الأضحى" ، وممّا قاله هناك : (استعمَلَت العامة وظاهرية الشيعة فيه الضحايا والذبائح ، والتقرّب إلى الله بإهراق الدم ، وعند أهل الباطن أنّ شخص عيد الأضحى هو القائم منه السلام ، وظهوره بالسيف وإهراق دم كل ضد) . والحديث عن معنى الأضحية وأنّها رمز لا حقيقة ، يطيله المؤلّف ، وفي ضمنه أدعية رمزية وخطبة العيد المملوءة غلواً ، وابتهالات إلى معلّل العِلل ومظهر القدرة الأزلية .

ويتلو هذا العيد ذكر "عيد الغدير ومنزلته" ، ويعقب ذلك بقصيدة طويلة للحسين بن حمدان الخصيبي في تفسير مقاصد هذا العيد وأهدافه ، وبخطبة العيد ودعائه ، وبالتعاليم التي يجب أن يقوم بها


الصفحة 175

المؤمن العارف ، .. .

ويتلو ذلك ذكر "عيد المباهلة" ، وقد بحثَ الموضوع بحثاً دقيقاً فلسفياً في التأويل وتفسير التجلّي الإلهي ، وأنّ المباهلين من أهل العباء والقبّة المحمدية ، وهم : محمد ، وعلي ، وفاطمة ، والحسن ، والحسين ، وسلمان ، وقد ظهروا للمباهلين بمظهر النور الإلهي ، وكانت الأنوار المثالية السماوية النورانية تنطق عنهم ، حتى قال قائل المباهلين : (يا محمد ، إنّما وقعَ القول على أنّك تباهلنا بأهل الأرض ، فنباهلك بأهل الأرض . وأمّا أهل السماء ، فلهم أهل السماء) .

ويتلو ذلك "عيد الفراش" ، وقد أطالَ فيه القول ، ... وقد وردَ هذا الذي ذكرهُ هنا الطبراني ، في كتاب الهداية أيضاً ، كما اعتمدَ على الهداية في كثير ممّا يذكره هنا من الأحاديث والتأويلات . ويتلو ذلك قصيدة لشاعر هذه النحلة (الصائغ) في مدح هذا العيد ومقاصده ، وبدعاء الفراش بأسلوب رمزي ، عن معنى التجلّي الإلهي والحلول الباطني في المظهر العلوي .

ويتلو ذلك ذكر "عيد عاشوراء وخبره" كما يسمّيه ، ولم يكتم آراءه هنا في التأليه العلوي ، بل يصول ويجول ، ويسخر ممّن قالَ بقتل الحسين ، وممّا جاء قوله : (وهو اليوم الذي روت فيه العامّة وظاهر الشيعة ، وزعمت أنّ فيه مقتل مولانا الحسين ، تعالى الله عمّا يقول الظالمون المفترون ويظنّه المُلحدون ، وما كان مولانا الحسين إلاّ كعيسى ، حيث تجلّى لهم جسمه تخيّلاً ، فظنّت النصارى أنّه صُلب ، وما صُلب ، وكذلك الحسين ؛ لأنّه هو المسيح ، والمسيح هو الحسين) ، ثمّ استشهدَ بشِعر كثير للخصيبي وغيره في هذا المعنى الذي أشار إليه ، ... وحديثه عن هذا العيد طويل وكلّه تفسير للتجلّيات الإلهية وفكرة الحلول .

ويتلو ذلك الحديث عن "اليوم التاسع من شهر ربيع الأول" ، وفكرة هذا العيد وأحاديثه التي انتشرَ في العصر الصفوي بين بقية الشيعة كلّها من أصحاب هذه النحلة .

ويتلو ذلك "عيد ليلة النصف من شعبان" ، وما يجب العمل فيها . وهذه الليلة معظّمة عند هذه النحلة تعظيماً شديداً ، ويُلزم أن يزار فيها قبر


الصفحة 176

  الحسين ، كما يلزم أن تُذكر فاطر (فاطمة) ذكراً جميلاً في الأوراد والأدعية . وقد روى المؤلّف في هذا الباب الزيارات الرمزية المتنوّعة والأدعية التقديسية لفاطر ، ولم نعرف سرّ العلاقة بين هذه الليلة وفاطمة الزهراء لدى هؤلاء الغلاة ، وكلّ ما نعرفه أنّ في يوم الثالث من شعبان ولادة الحسين ، كما أنّ في ليلة النصف من شعبان ولادة المهدي محمد بن الحسن العسكري .

وقد ذكرَ الكثير من الأحاديث عن فاطمة .

ويَعقب هذه الأعياد العربية ـ كما يسمّيها ـ ذِكر الأعياد العجمية ، ويبدؤها بـ"عيد الميلاد وما فيه من الفضل" ؛ لأنّ المسيح ـ الذي هو مظهر من مظاهر القبّة المحمدية ـ ولِدَ فيها وتجلّى للملأ ؛ ولأنّ مريم صورة أخرى عن آمنة بنت وهب ، وهي مولّدة الحاءات الثلاث ومظهر الحقيقة العلوية .

ويتلو ذلك ذكر "يوم النوروز" . والحديث عن هذا العيد في هذا المؤلّف طويل حتى فاق الأعياد في مراسيمه ومنزلته .  وقد ذكرَ المؤلّف أدعية وأوراداً كثيرة تُتلى في هذا اليوم . ويَعقب ذلك روايات متنوّعة في فضل هذا اليوم مروية ، ورواها المؤلّف كما هي مروية عن الحسن العسكري ، وعن الصادق وموسى بن جعفر وغيرهم من الأئمة . ولم يقتصر على ذلك ، فيحدّثنا حديثاً تاريخياً عن الفرس وطبقات دولهم الأربع ، وكيف غيّروا في آخر دولتهم الرابعة أيام كسرى أبرويز ، فزالت عنهم الأنوار التي كانت في بلاد فارس ، وأشرَقت بأرض العرب .

ويتلو الكلام على النوروز الكلام على "عيد المهرجان" ، وبَحثه كلّه على نَسق عيد نوروز في القداسة وفي الأدعية الرمزية ، والشعائر الحلولية وتأليهات للحقيقة العلوية ، وبذلك يتم الكتاب .

في هذا المقال نقاط كثيرة يجب مناقشتها ، منها :

أولاً : اسم الكتاب ، ذكره الأستاذ الدجيلي (سبيل راحة الأرواح ودليل السرور والأفراح إلى فالق الإصباح) .

وفي كتابه (مذاهب الإسلاميين) تحدّث الدكتور عبد الرحمان بدوي عن كتاب "مجموع الأعياد" ، وذكرَ له عنواناً آخر هو: (مجموع الأعياد والدلالات والأخبار المبهرات ، وما فيها من الدلائل والعلامات ، جلَّ مُظهِرها عن الآباء والأمهات والأخوة والأخوات) ، الأمر الذي يجعلنا نتساءل عن حقيقة اسم الكتاب ، وأي العنوانين هو الصحيح ؟!


الصفحة 177

ثانياً : الذي جذبَ نظرنا في المقال : أنّ الأستاذ الدجيلي تكلّم عمّا أسماه (الطريقة الخصيبية) من خلال كتاب (مجموع الأعياد) للطبراني . والخصيبية : نسبة إلى الحسين بن حمدان الخصيبي ، فلماذا لم يتحدّث الأستاذ الدجيلي عن هذه الطريقة من خلال كتب الخصيبي ، خاصّة وأنّه يذكر في معرض حديثه عن كتاب (مجموع الأعياد) : أنّ مؤلّفه ـ في كلّ ما روى من تأويل باطني للأعياد والعبادات ـ ينقله نصاً عن كتاب (راسباش) للخصيبي .

فلماذا تركَ الأصل وجاء إلى الفرع ؟!

ثالثاً : لم يبيّن الأستاذ الدجيلي ما إذا كان (أبو شعيب محمد النميري البكري البصري) هو نفسه (أبو شعيب محمد بن نصير العبدي البكري النميري) ، الذي جاء ذكرهُ في كتاب (الباكورة السليمانية) ، أحد مراجع الأستاذ الدجيلي ، وكان عليه أن يوضّح لنا سبب هذا الاختلاف في الاسم ؛ منعاً للالتباس .

رابعاً : من خلال حديثه عمّا أسماه (الطريقة الخصيبية) ، وردَ على لسانه ذكر (النحلة الجنبلانية) ، ولم يبيّن لنا ما إذا كانت الخصيبية هي الجنبلانية أم لا ؟! والفرق بينهما ، كما أنّه لم يبيّن لنا سبب تبدّل الأسماء .

خامساً : جاء في المقال أنّ (سلسلة العهد للداخل في الطريقة يحلف بكتاب مجموع الأعياد ، ويتعهّد بكتم السر ، وأنّه على النحو التالي : الشعيبي مذهباً ، الجندبي رأياً ، الجنبلاني حقيقة ، الخصيبي طريقة ، الطبراني فقهاً) .

وكنّا قرأنا في كتاب (الباكورة السليمانية) ـ أحد مراجع الأستاذ الدجيلي ـ ما نصّه : (أشهد بأنّني نصيري الدين ، جندبي الرأي ، جنبلاني


الصفحة 178

الطريقة ، خصيبي المذهب ، جَلي المقال ، ميموني الفقه) ولا ندري سبب هذا الاختلاف .

ومن جهة أخرى ، فإنّ مؤلّف (الباكورة) لم يقل إنّه يُحلِف المريد على كتاب (مجموع الأعياد) ، بل على كتاب (المجموع) ، وكتاب (المجموع) ـ كما نشره الأذني ـ يختلف اختلافاً جذرياً عن كتاب (مجموع الأعياد) للطبراني .

سادساً : وكذلك لم يبيّن لنا الأستاذ الدجيلي الفرق ما بين البابية والنيابة ، فهو في مقاله قد ذكرَ ـ عند حديثه عن إسحاق النخعي الأحمر ـ : (وكان من أصحاب الحسن العسكري ومَن ادّعى النيابة عنه بعد وفاته) . ثمّ إنّه في حديثه عن رجال الدعوة الخصيبية قال : (أبو شعيب محمد النميري البكري البصري : وهو الباب الأول . كان من أصحاب الحسن العسكري ، ثمّ بقيت الوكالة والبابية له بعد وفاته نيابة عن الإمام المهدي كما ادّعى) .

سابعاً : الأستاذ الدجيلي يناقض نفسه بنفسه ، فهو يقول ما حرفيته : (ويغلب على ناحيتهم الأدبية ـ شعراً ونثراً ـ ضعف وركة ، في أسلوب عامي في كثير من الأحيان) .

ونحن إذا رجعنا إلى أسماء الكتب التي ذكرها في مقاله ـ لأصحاب هذه النحلة التي قال إنّه اطلع عليها ـ لوجدناها : منتخبات من شعر المنتجب العاني ، كتاب الهداية الكبرى للخصيبي ، كتاب مجموع الأعياد للطبراني ، وقد قال عن هذه الكتب ما حرفيّته : (الشيخ منتجب الدين العاني ، ويُعد شِعره من أسمى شعر التصوّف والعرفان ، وقد رأيت بعض منتخبات من ديوان شعره في خزانة كتب الأستاذ المحامي صادق كمونة ، فظهرَ لي أنّه أسمى من شعر ابن الفارض ، ولو طُبع هذا الديوان لهذا الشاعر العراقي ، لأماتَ كثيراً من شِعر المتصوّفة) .


الصفحة179

وقال أيضاً : (أمّا كتاب (الهداية الكبرى) ـ وقد شاهدتُ منه نسخة كانت في كتب الشيخ محمد السماوي ، واليوم هي في مكتبة الأستاذ المحامي صادق كمونة ـ فهو من كتب الحديث والرواية ، بأسلوب بليغ للغاية ، وعلى نَمطه تقريباً كتاب (مجموع الأعياد)) .

وإذاً فما معنى قوله : إنّه (يغلب على ناحيتهم الأدبية ـ شعراً ونثراً ـ ضعف وركة ، في أسلوب عامي ...) وهو لم يطّلع إلاّ على القليل القليل من كتبهم ، وقد بهرهُ أسلوبها البليغ .

ثامناً : من الملاحظ أنّ لقلم الأستاذ الدجيلي شطحات وتهويمات ، وهذا واضح في كثير من أقواله ، ومنها : (من كتبهم "الهفت" ، أي الأيام السبعة ، وينسبونه إلى الإمام جعفر الصادق ، ويتضمّن الوصايا العشر التي يجب على كلّ خصيبي أن يعمل بها) .

كتاب "الهفت" طُبع مرّتين : المرّة الأولى بعنوان (كتاب الهفت والأظلة) ، بتحقيق عارف تامر وأغناطيوس عبدة خليفة ، والثانية بعنوان (كتاب الهفت الشريف) بتحقيق مصطفى غالب . وقد رجعنا إليه في الطبعتين المذكورتين فلم نجد فيه أيّة وصايا ، ممّا يؤكّد لنا أنّ الأستاذ الدجيلي لم يطّلع على هذا الكتاب ، وكذلك لم يطّلع على كتاب (راسباش) الذي قال عنه : إنّ الطبراني في (كتاب مجموع الأعياد) نقلَ عنه كلّ تأويل باطني للأعياد ، ومن ذلك أيضاً قوله : (وقد فصّل القول في هذه الفرقة ـ أي الإسحاقية ـ ، والخلاف بينها وبين الطريقة الخصيبية ، الشهرستاني في (كتاب الملل والنحل)) .

وقد أثار هذا الكلام دهشتنا ؛ ذلك لأنّ الشهرستاني لم يذكر الخصيبية إطلاقاً ، وهو عندما تحدّث عن الإسحاقية جمعَ ما بينها وبين النصيرية ، وقد ذكرنا ما كتبه بنصه ، وعن نقاط الاختلاف ما بين النصيرية والإسحاقية قال : (فالنصيرية أميَل إلى تقرير الجزء الإلهي ، والإسحاقية أميَل إلى تقرير الشِركة في النبوّة ، ولهم اختلافات أخرى لم نذكرها) . فأين هو تفصيل القول في الخلاف ما بين الخصيبية وبين الإسحاقية ؟ لست أدري !


الصفحة 180

تاسعاً : إذا صحّ ما قاله الأستاذ الدجيلي أنّه (لا يجوز شرب الدخان) عند الخصيبية ، تكون هذه الفرقة قد سَبقت الوهّابية في هذا التحريم بمئات السنين .

وفي مقال الأستاذ الدجيلي نقاط أخرى تحتاج إلى مناقشة ، لكنّنا نغضّ النظر عنها ، حتى لا يتشعّب الحديث ويطول ، وما أبديناه من ملاحظات يكفي لتوضيح حقيقة الحال . لكن إلى جانب هذه المآخذ ، كان الأستاذ الدجيلي أول مَن حاولَ دراسة النصيرية ، بالاستناد إلى بعض الكتب الخاصّة المنسوبة إليها ، وإذا كان ظهرَ في دراسته بعض الخلل والتناقض ، فمردّ ذلك إلى أمرين :

الأول : اعتماده على كتب مدسوسة كُتبت في زمن كان يتطلّب مثل هذه الكتابات لغايات معيّنة معروفة ، من مثل : (الباكورة السليمانية) ، و(سوسنة سليمان) وغيرها .

الثاني : قلّة المَرَاجع بين يديه . ونقصد بالمراجع : كتب رجالات النصيرية ، أو الخصيبية كما شاء أن يسمّيها .

 

* وإذا انتقلنا إلى ما كتبهُ مصطفى غالب تحت عنوان (الحركة النصيرية (العلوية) : أصولها ، تاريخها ، عقائدها )(1) وجدناه يقول :

(لو ترجمنا المصطلحات والرموز العقائدية النصيرية ، لوجدنا بأنّ الغاية الرئيسية التي ترمي إليها هي : أنّ لكلّ عمل وكل قول تأويلاً خاصاً لا يعرفه إلاّ المشائخ الذين تعلّموه عن الأئمة ، وهذا التأويل الباطني هو الذي يفرّقهم عن إخوانهم الشيعة ، لغلو النصيرية في تأويلاتهم ، بسبب إسباغ مناقب خاصة وصفات قدسية عالية على الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) . هذا بالإضافة إلى الغموض الشديد الذي يشوب الأصول والأحكام النصيرية ، ممَّا

ـــــــــــــــــــــــ

(1) الحركات الباطنية في الإسلام : الفصل السابع ، ص265 .