الصفحة السابقة

الصفحة التالية

وذلك بهدف صرف الذهن عن الهموم اليومية وانسحاب المسلم من الواقع وهروبه من المجتمع، والانحراف به عن مفهوم الفطرة والتوحيد الخالص الجامع بين العقل والقلب الى مفهوم الوثنيات والنحل الوافدة والرهبانية والخروج من التكليف والاستسلام للجبرية ((225)).

3- والذي يروق لهم ايضا منه، هو الناحية الشكلية او الفولكلورية التي توحي بالشعوذة والدروشة، فتضفي روحالطيفة في زعمهم، وحيوية على الاسلام، مقابل صلابة الفقه وجفاف الاحكام ((226)).

اما التصوف الذي لا يمدحونه، فهو بعد داخلي، وليس «تيارا» مستقلا، يفصل التامل عن العمل، والباطن عن الظاهر،الامر الذي يخالف عقيدة التوحيد في الاسلام.

بل ان التصوف يمثل توازنا بين الجهاد الاكبر، باعتباره يقاوم كل رغبة تنحرف بالانسان عن موقعه، والجهاد الاصغرالمتمثل في العمل من اجل وحدة الامة الاسلامية وانسجامها تجاه كافة اشكال وثنية السلطات والثروات والمعارف الزائفة التي تبتعد به عن طريق اللّه ((227)).

فهلا امتدح هؤلا المغالطون التصوف الغزالي، او عرفوه بالمفهوم الخلدوني، باعتباره علما من العلوم الشرعية الحادثة في الملة، واصله ان طريقة هؤلا القوم لم تزل عند سلف الامة وكبارها من الصحابة والتابعين ومن بعدهم طريقة الحق والهداية، واصلها العكوف على العبادة والانقطاع الى اللّه تعالى، والاعراض عن زخرف الدنيا وزينتها، والزهد في مايقبل عليه الجمهور من لذة ومال وجاه والانفراد عن الخلق في الخلوة للعبادة، وكان ذلك عاما في الصحابة والسلف،فلما فشا الاقبال على الدنيا في القرن الثاني وما بعده، وجنح الناس الى مخالطة الدنيا، اختص المقبلون على العبادة باسم الصوفية والمتصوفة ((228)).

وما تخصص عدد هائل من المستشرقين في دراسة «التصوف الاستشراقي»، ولا نقول الاسلامي، من امثال ماسينيون((229)) الذي قضى زها اربعين سنة في الاشتغال بالحلاج ((230))، وغولدسيهر وجب وبرون وماكدونلد ومارجليوث ونيكلسون وفون كريمر، الذين حاولوا ابراز ابن عربي والسهروردي وابن الفارض وابن سبعين دعاة للافلاطونية ((231))المحدثة في تصوف ملفق مشبوه، الا لادراكهم مدى امكانية المغالطة فيه.

والا فكيف تدفع هذه المفارقة الغريبة عن الاختصاصي الكبير في التصوف، الذي عشق «الحلاج» فاكتشف المسيحية بفضل الاسلام؟ ((232)) وصار متعبدا بها على المذهب البيزنطي بعد الالحاد ((233)) وان عودته الى الكنيسة مدينة الى صلاة الاوليا في الاسلام؟ ((234)) وان حماسه قد جره الى ان يرى فيه مسيحية صوفية يتعاطف معها ((235)).

ب التنويه بالفرق المنشقة:

تنال فرق منحلة في القديم والحديث حظها من التنويه باهميتها على لسان نفر من المستشرقين، اشادة باسبقيتها الى الاشتراكية كالقرامطة ((236)) او بانها حركات عدل وحرية، لربط الصلة بينها وبين الديمقراطية في ايامنا، او انها ثورات اسلامية كحركة الزنج والباطنية ((237)). او بنزعتها الحرة في التفكير الديني واتجاهها العالمي كالبهائية ((238)).

وجلي ان الاستشراق يؤكد «بوضوح ظاهر على اهمية الفرق المنشقة عن الاسلام كالبابية والبهائية والقاديانية والبكداشية وغيرها من فرق قديمة وحديثة...» ((239)) ذلك ان المستشرقين «يعدون المنشقين عن الاسلام على الدوام،اصحاب فكر ثوري تحرري عقلي، ودائما يهتمون بكل غريب وشاذ، ودائما يقيسون ما يرونه في العالم الاسلامي على ما لديهم من قوالب مصبوبة جامدة» ((240)).

ج الاعجاب بالنقول والترجمات يدور الاعجاب هنا حول الجهود العلمية الكبيرة التي عرف بها العرب والمسلمون في نقل العلوم والمعارف اليونانية في شتى الميادين، وكذلك الترجمات القيمة التي كان لها دور متميز في توصيل تراث الاغريق والرومان والتيارات الفكرية والفلسفية، الهندية والفارسية وغيرها، بحيث ان موهبة التنظيم والتصنيف ما كانت لتخطئهم وحسن التتلمذ ((241)) بل وبراعة الاستيعاب والهضم للحضارات القديمة، والقدرة على الامتصاص والتمثل وصهر العناصر الاجنبية ((242)).

من هؤلا المعجبين بعبقرية العرب الناقلة المترجمة: كارادوفو (1867 1953م) ماسينيون، ارنالديز، مونتغمري وات...

د الاستشراق الادبي والفني:

وهما لونان آخران من الاستشراق التمجيدي يسترعيان اهتمام لفيف من المستشرقين والغربيين الذين يحبذون الصورة الرومانسية للشرق، ويسعون ورا الجمال المادي والفني فيه وكل غريب تتسم به «الشرقيات» من اقاصيص وخرافات واساطير ومؤلفات ك «الاغاني» و«الف ليلة وليلة» و«النواسيات» و«الجاحظيات» وغيرها مما انطوى على ذكر مجالس اللهووالسفه وروايات الغنا والمجون، التي تطلق المجال واسعا لخيال الغرب في رسم صورة هي من صنعهم، للمجتمع الاسلامي، الذي يحبون ان يروه كذلك «وحتى حين كان الغربيون يذهبون الى الشرق، كانت تلك هي الصورة التي يبحثون عنها، فينتقون ما يرونه بعناية ويتجاهلون كل ما لا ينسجم مع الصورة التي كونوها سابقا» ((243)).

ويولع فريق آخر بالفنون بالجميلة والتحف المعمارية التي زخرت بها الحضارة الاسلامية في بغداد ودمشق وتركياوالاندلس وغيرها من بنا المساجد والحدائق والقصور، او ما تمثله بعض الصناعات التقليدية من النحوت والنقوش على النحاس والخشب وروائع التحف البلورية والخزفية والنسيجية وما الى ذلك..

واقل هذه الطوائف من يعترف للاسلام بما هو اهم وانفس من كل ما تقدم، اذ هو الاصل فيها والعمدة الاساسية في التحول المبدع للنقلة الحضارية العالمية التي جا بها الدين الحنيف: الا وهي المناخ العلمي الجديد والمنهج التجريبي واسلوب الحياة المتكامل، وآثار ذلك كله على العالمين.

اللهم الا ما لفت اليه الانظار امثال كارليل (1795 1881م) وغوستاف لوبون ودرابر في حقل العلم الوصفي من فضل المسلمين في تقديم المنهج التجريبي وعلوم ومنش آت ومنتوجات حضارية كثيرة.

ي- منتخبات من التمجيد الغربي:

من بينها كتاب «مجد الاسلام» لجاستون فييت ((244)) الذي تعرض له د. حسين مؤنس بالدراسة والنقد في جريدة الاهرام، وذكره د. البهي مثالا للدلالة على «ان المؤلف مهما اجتهد في تحري الانصاف في الاختيار، لا يمكن ان يتخلص من شخصيته وميوله، ولا يمكن بالتالي ان يقول: ان الكتاب ليس من تاليفه وتوجيهه او انه لا يمثل رايه» ((245)) بالرغم من عرضه لتاريخ الاسلام عن طريق صفحات مختارة من اقوال المؤرخين والكتاب المعاصرين لكل حقبة من حقبات هذا التاريخ، الامر الذي يجعل هذه النصوص المنتقاة متفقة مع اتجاه معين . ((246)) واذا كان الفرنسيون يعجبون ببني امية، فما سر هذا الاعجاب الذي ينوه به عميدهم ايضا هنري لامنس؟ والجواب: «يعجبهم ابو سفيان لانه حارب الرسول (ص).

ويعجبهم معاوية لانه انتزع الخلافة من يد علي، ويعجبهم يزيدلانه قتل الحسين وامر جنده بمهاجمة مكة، ويعجبهم تمثيل الحجاج باهل العراق، ويعجبهم خبث المغيرة بن شعبة،وهذه معظم الصفحات المختارة عن بني امية!» . ((247)) ه جوانب العظمة في الرسول (ص):

اقلام المستشرقين وكتابات علما الغرب عديدة وسخية في الكشف عن جوانب العظمة فيه (ص)، ومدحها ونعتهابصفات لا تخرج عند التقريظ عن المقاييس البشرية: من العبقرية والنبوغ والحكمة والفلسفة، الى الريادة والاصلاح والقيادة العسكرية، بل والالهام والزعامة والتفكير الفذ وما رادف ذلك ((248)).

اما نبوته ومعجزاته وتشريعه وسيرته العطرة وتاسيسه للدولة الاسلامية، وشمائله وخلقه العظيم، فعنها جفت الاقلام وطويت الصحف في دنيا الاستشراق.

3- مجتنبات التمجيد اما ما يتحاشاه «الابولوجيون» فكثير، بل هو لب الدين، ابتدا من عقيدة التوحيد، فلا تمجيد لتوحيد الربوبية ولا لتوحيدالالوهية ولا لتوحيد الحاكمية ولا لابعاد التوحيد في مختلف مظاهر الحياة، ولا تقريظ للشريعة الا بقدر معلوم يخدم اغراضا مسطرة، ولكن التنويه ينعدم بخصوص الاعجاز التشريعي، ونحسب ان مجال القول فيه فسيح.

و«لا تجد لهم جهودا تذكر في جزئيات وتفصيلات او تفريعات اصول الفقه، او بمعنى آخر، لا تجد لهم جهودا تذكر في جانب ثمار اصول الفقه او عمقه الحقيقي، فقد تركزت جهودهم في جانب واحد، الا وهو الادلة، او مصادر التشريع،وضربوا صفحا عن الكلام على الجزء الاخر منه وهو الاحكام والدلالات اللغوية وتفصيلاتها ومتعلقاتها. وهذا المسلك منهم يشككنا في نياتهم ونتائج دراساتهم» ((249)).

وفي مجال العبادة والاخلاق والقيم الانسانية واثرها في بنا الدولة والمجتمع والامة وخصائص الحضارة الاسلامية والمثل العليا التي تميزت بها من غيرها، ينضب امتداحهم ويتلعثم يراعهم.

وعن التغيير الاجتماعي الشامل الذي احدثه الاسلام، ونجاح الدعوة ودخول الناس في دين اللّه افواجا، والمفهوم الحقيقي للجهاد وآداب الحرب في الاسلام، والنماذج المتفردة من الصحابة والتابعين وغيرهم ممن تخرجوا من مدرسة النبوة، فلا ادنى تجلية، ناهيك عن ادنى اشادة.

كما ان الجوانب المعنوية والتربوية، والروح الابداعية، والمبتكرات العلمية والحضارية، والنظم الجديدة التي انشاهاالاسلام، والصفحات المضيئة للتاريخ الرسالي المشرق، والدعوات الاصلاحية والحركات الاسلامية المناهضة للاستعمار والداعية الى اليقظة والنهضة ومحاربة التخلف، فمسدولة عليها الحجب ومرخي عليها كلكل الجحود، ولاتحظ ى حتى بالاعتراف الحدي (minimiste) والانتقاص والتشويه... ((250)).

4- اهداف التمجيد المغالط في القديم كان المستشرق يكتب لمواطنيه، ولما تغيرت الاستراتيجية العامة للاستشراق بفعل العوامل التاريخية صار لايكتفي بذلك، بل اصبح يكتب للشرق كانه يريد ان يخاطب المسلمين.

ففي حين كان يؤلف بدافع الاطلاع والتعريف، اي من اجل غاية اعلامية تحمل طابع الزراية والتهكم والتجريح غالبا،بهدف الصدود عن الاسلام والحد من زحفه نحو الغرب، ها هو الان ومنذ القرنين الاخيرين يتحول انتاجه الى غاية تعليمية وتلقينية، بمناهج الحط والانتقاص والتهجين والمغالطة.

ومن ثم، تلتقي منهجية الانتقا بمنهجية الاخفا على خط واحد في مواجهة الاسلام باسلوب جديد مسالم في الظاهر،مخادع في الواقع: هو هذا التمجيد الزائف.

ان المتقصي لخلفيات نشر المستشرقين لنوع معين من «التراث» كالفرق القديمة والفكر الباطني والشعر الماجن والفلسفات الغنوصية والتصوف الفلسفي، وتلميع اعلام منكورة في تاريخ الفكر الاسلامي، لا يالو جهدا في معرفة اي هدف يستهدفون من ورا ذلك واي غرض يبيتون ((251)).

ان ذلك كله كفيل بضرب الشريعة وتهميش الدور الثوري والطاقة الحضارية للاسلام، وكمونيات التغيير الجذري فيه،وتغييب مفهوم الخلافة والامامة، وهكذا لن ينعم الخطر الاخضر ((252)) بتحقيق دور السيادة مرة ثانية.

ولا شك في ان التغاضي عن جوانب الخصوبة والابداع والاصالة في الحضارة الاسلامية، وطمس معالمها، والاقتصاد في تقديم منجزاتها على حركات النقل والترجمة، ادلة واضحة تنم عن روح عنصرية تستهدف تثبيت التبعية وتذويب الشخصية الاسلامية، وتشويش المنطلقات عليها وتئد فيها روح المبادرة والابتكار.

وهل من جحود مثل التنكر للارث الثالث ((253)) الذي ازهرت به النهضة الاوروبية منذ القرن العاشر، وليس كما يزعم التزوير التاريخي الغربي منذ القرن السادس عشر، باعتبار ان ما بين اليونان والرومان وبين اوروبا خوا كبيرا لم يملاه في العلوم احد ((254)).

والواقع ان الفجوة الالفية المصطنعة بين حضارتي ارسطو وديكارت لئن كانت تمثل فراغا في ثقافة لويس برتران، فانهاتجسد في الحقيقة قيام الحضارة الاسلامية في منطق التاريخ العام ((255)).

وما هذا الرفض الاستعماري لفضلها على الغرب، النابع من عقدة التفوق «الاغريقي التلمودي» فيه، الا محاولة لالغا دورالريادة العالمية فيها واحباط اهبة انبعاثها من جديد.

اما حيلة التمجيد بعبقرية محمد (ص)، وما رادفها من عبارات الثنا، فليس من العسير ان ندرك انها تتعمد تفريغ دعوته من محتواها السماوي ((256)) واصلها التنزيلي ورسالتها الربانية وصفتها النبوية، والقول بطبيعتها المحلية وانها نتاج المحيط وثمرة التطورات، وسنة في حتمية تسلسل الاصلاحيين والمرمى البعيد لهذه الحيل والمغالطات الماكرة، هو محاولة الحيلولة دون ان تسترجع القارة الوسيطة ((257)) دورالخاتمية والاعجاز الخالد، مرة ثانية، فتتصدر قيادة العالم.

وفي سبيل القضا على هذه الادوار الثلاثة في المجال السياسي والحضاري والعالمي، كل الوسائل ممكنة بلا استثنا،حتى ولو استدعى الامر «اسلاما احتياليا»؟ كالذي تقمصه سنوك هورخرونية ((258)) واسما منتحلا هو الحاج عبد الغفارافندي؟ واحراما مفتعلا؟ من اجل الولوج الى مكة المكرمة، التي كانت تمثل في نظره «المركز الديني للعالم المحمدي»؟حيث مكث فيها خمسة اشهر ونصفا، سنة 1885م، ثم طرد منها ((259)).

او اقتضى الحال تاليفا بعنوان اخاذ كالذي كتبه هربرت جوتشاك «الاسلام قوة عالمية متحركة» على غير مالوف مناهج الاستشراق في المواجهة، بل باسلوب يعرض عناصر القوة فيه ويتوقى اعلان العداوة وتوجيه الاتهام، بل يعمد الى اظهارعلامات المودة والمحبة مكانه، توصلا الى التحذير منه والايما الى وجوب الاعداد لمحاربته ((260)).

5- تقويم مالك بن نبي لانتاج المستشرقين 5/1 بين العقم والخصوبة:

عني مالك بن نبي بدراسة الابولوجيا بنوعيها الشرقي والغربي، في الفكر الاسلامي الحديث، فخصص تحليلا علميالطبقة معينة من طبقات المستشرقين، وهي التي تعرف بتقريظها ومدحها لم آثر الحضارة الاسلامية وامجادالمسلمين. ولسائل ان يتسال: ما الذي صرفه عن الاصناف الاخرى من المستشرقين الذين لا تخفى شرورهم؟ الواقع انه لا يفلتهم، ولكنه يعلم ان خطرهم مهما تفاقم لا يبلغ خطورة الصنف المادح الذي ركز عليه تحليله.

انه يستهله باستفهام: كيف اثرت افكار الغرب على حركة نهضته؟ فانشاتها واقامتها على سوقها؟ بينما ما كتبوه حول الاسلام لم يؤد الى نهضته اليوم؟ ((261)). 5/ 2 حقن التخدير:

ومن هنا تنطلق اهتماماته الاولى، فيعكف على دراسة انتاج المستشرقين الذي كان له اثر في توجيه افكارنا بصفة عامة،لا الذي اثار تلقائيا رد فعلنا الدفاعي او حفز استعدادنا الطبيعي لمواجهته باعتباره غزوا ثقافيا او تحديا حضاريا ((262))وانما الذي استقطب انتباهه البالغ، صنف الابولوجيين باعتبار المدح يقتل في النفوس اي استعداد لرد الفعل، تاركامكانه للاسترخا والانتشا بحقنة الاعتزاز ((263)) من جهة. ومن جهة اخرى لكون ادب الفخر والتمجيد يتفه مسوغ الدفاع وينفيه في نفوسنا وضمائرنا، ويلفتنا عن حاضرنا ومستقبلنا، وهذه ثغرة في جهاز دفاعنا عن الكيان الثقافي.

5/ 3 باثولوجيا التقريظ:

واذا كان يعترف لاهل الفضل بفضلهم، لا سيما في امدادنا بالوسيلة التي كانت بين ايديهم، لمواجهة مركب النقص الذي اعترى الضمير الاسلامي تجاه ظاهرة الحضارة الغربية، فان ذلك لا يمنعه من تحسس الحالة المرضية الناجمة عنها.

فهذه الوسيلة، اي الجانب التقريظ ي لم آثر الحضارة الاسلامية، لم تقتصر نتائجها على الاثر المحمود في تطور افكارالمجتمع الاسلامي وثقافته، بل كان لها اثر مرضي استفحالي ((264)).

ولهذا كان موضوع بحثه محصورا حصرا دقيقا في: دراسة الاثر المرضي للثغرة النفسية التي خلفها منهج التقريظ الاستشراقي في تطور افكارنا وثقافتنا داخل مجتمعاتنا الاسلامية منذ القرن الماضي بالاخص.

ا والذي ينجم عن هذا الاثر، في جانبه الاجتماعي، ليس فقط انه اتاح الجواب اللائق للتحدي الثقافي الغربي، وحافظ،مع عوامل اخرى، على الشخصية الاسلامية، ولكنه صب فيها التعلق بالشيء الغريب، من دون ان يطبعها بما يطابق عصر الفعالية والميكانيك ((265)).

ب اما على صعيد معركة الافكار، فان ادب التمجيد والاطرا قد يتحول الى «وسيلة عمل جهنمي في تحريك رحى الصراع الفكري المحتدم في بلادنا» ((266)) بحيث ينقلنا من المشكلات الحادة الى ابهة الماضي ((267)).

6- مغزى الفعاليات واذ يقارن بين الابولوجيا الذاتية للشرق وبين تمجيد الغرب، يخلص مالك بن نبي الى القول: ان هذا الانتاج المطنب «يعبر احسن تعبير عن تبذير طاقات فكرية ثمينة لم يحسن استخدامها». ويضيف: انه «اذا اردنا ان نعطي هذا التقويم كل معناه، يجب ان نقارن هذا الانتاج بما انتجه لوثر ((268)) وكلفان ((269)) ابان حركة الاصلاح في اوروبا، وانتاج ديكارت الذي وضع اقدام اوروبا على طريق التطور التكنولوجي، او انتاج ماركس وانجلز ولينين، الذين وضعوا على اقدامه،مجتمعا جديدا يغزو اليوم الفضا» ((270)).

6/1 دوائر السوء:

والنتيجة الحاسمة التي يقررها مالك بن نبي بعد التحليل المتاني والشواهد المختلفة، تحذيرية وقائية.

فهو يؤكد: «ان الانتاج الاستشراقي، بكلا نوعيه، كان شرا على المجتمع الاسلامي، لانه ركب في تطوره العقلي عقدة حرمان، سوا في صورة المديح والاطرا التي حولت تاملاتنا عن واقعنا الحاضر، واغمستنا في النعيم الوهمي الذي نجده في ماضينا، ام في صورة التفنيد والاقلال من شاننا، بحيث صيرتنا حماة الضيم عن مجتمع منهار، مجتمع ما بعدالموحدين، بينما كان من واجبنا ان نقف منه عن بصيرة طبعا، ولكن دون هوادة، لا نراعي في كل ذلك سوى مراعاة الحقيقة الاسلامية غير المستسلمة لاي ظرف في التاريخ، دون ان نسلم لغيرنا حق الاصداع بها والدفاع عنها لحاجة في نفس يعقوب» ((271)).

6/ 2 جدوى الانعكاس المنهجي:

وبعين الخبير المستقرى للعواقب، المستجلي لخفايا الصراع وخبايا الاستعمار، يصدر مالك بن نبي حكمه الصارم في هذا الصدد قائلا: «وعلى كل، فان امكننا ان نصرح باننا نجد على كل وجه، جانبا ايجابيا في هذا الاستشراق فاننا لا نجده في صورة المديح، بل في صورة التفنيد» ((272)).

ادبيات الفكر الديني الاسرائيلي د. فايز ترحيني المعرفة علم يضي ء الفكر ويرسي قواعد التعامل، هي واجبة الوجوب بين الاصدقا بله الاعدا. ففي مؤسسات الغرب المعرفية يدرك الباحثون طرائق تفكير القادة والنوابه فينا، في حالات الوعي واللاوعي، الانفعال والطبعية، ويرقمونناعلى شاشاتهم المتطورة.

ومعرفة الفرد الواحد كالجالس امام المرآة، فاذا تقابلت المرايا وجد نفسه امام عشرات من الصور المتلاحقة، واذاتعددت الزوايا الرؤيوية تباينت الصور وتمايزت، وهي في الحقيقة صورة غنية للشيء الواحد. وهكذا الافكار، فكلماتلاقت اغتنت وترشدت واضحت قوة معرفية لاستشراف المستقبل.

اقول هذا الكلام وانا اقف امام الفكر الديني الصهيوني، ولا سيما ان الممارسات الاسرائيلية اليومية تنطلق دائما من المعتقدات الدينية، والمؤسسات الدينية والسياسية و«الحكومات الخفية» يحركها الحاخامات الذين يطبعون المجتمع الاسرائيلي بطابعهم العقدي.

من هذا المنطلق ادعو الى دراسة الفكر الصهيوني، من خلال كتب الصهاينة الدينية وممارساتهم العملية، كونه يمثل خطرا حقيقيا ليس على الامة العربية وحسب، بل على شعوب العالم جميعها.

اولا بنو اسرائيل في القرآن الكريم ان المتصفح لايات القرآن الكريم يجد ان كلمة بني اسرائيل وردت اثنتين واربعين مرة، ومعظمها ترفع من شانهم، كونهم اصحاب كتاب منزل، قال تعالى: (ولقد آتينا بني اسرائيل الكتاب والحكم والنبوة ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على العالمين) [الجاثية: 16]. والمقصود بالكتاب: التوراة، وبالحكم: ما يقضي به الكتاب من وظائف الناس، وبالنبوة:

الجم الغفير من الانبيا، والطيبات: اي طيبات الرزق، وفضلناهم على العالمين: اي كثرة الانبيا المبعوثين والمعجزات الكثيرة الظاهرة من انبيائهم ((273)).

وقال تعالى: (ولقد آتينا موسى الهدى واورثنا بني اسرائيل الكتاب) [غافر: 53]. فالمراد بالهدى: الدين الذي اوتيه موسى، وبايراث بني اسرائيل الكتاب: ايتا التوراة بينهم يعملون بها ويهتدون ((274)). ولكن اللّه تعالى قال في بني اسرائيل: (لعن الذين كفروا من بني اسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم بما عصواوكانوا يعتدون) [المائدة: 79]. والمقصود ان الكافرين منهم ملعونون بلسان انبيائهم انفسهم، وذلك بسبب عصيانهم لهم، وهم مستمرون في الاعتدا ولا يتناهون عن فعل المنكر ((275)).

اما كلمة اليهود فقد وردت في القرآن الكريم تسع مرات، قال تعالى: (وقالت اليهود يد اللّه مغلولة غلت ايديهم ولعنوا بماقالوا...) [المائدة: 65]. وفي قولهم هذا استهزا باللّه سبحانه وايحا بانه لا يقدر على اغنا عباده المؤمنين، ومنجاتهم من الفقر والمذلة، اذ في تعاليمهم من وجوه الاعتقاد ما يبيح لهم ان ينسبوا اليه تعالى ما لا يناسب ساحة قدسه وكبرياعظمته.

واما قوله: (غلت ايديهم ولعنوا بما قالوا)، فهو دعا عليهم وتعذيبهم بعذاب اما دنيوي او اخروي، فاللعن هوالعذاب المادي لغل ايديهم والاعم منه ومن غيره ((276)).

وقال تعالى: (لتجدن اشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود) [المائدة: 82]. فقوله هذا يفسر شخصية اليهود المتوارثة التي تعادي الناس اجمعين، وتستكبر وتبغي في الارض. ويرى المتصفح لايات القرآن الكريم ان الحديث عن انبيا بني اسرائيل شمل اكثر من ثلاث مئة وخمسين آية، وكلها تصفهم بجميع الصفات المحمودة، اختاره اللّه تترا، فبلغوا رسالته،وادوا الامانة، لا تشوبهم شائبة في الفكر والقول والعمل، كما هو شان الانبيا دائما.

وفي القرآن الكريم يقول تعالى في نبيه ابراهيم: (واذكر في الكتاب ابراهيم انه كان صديقا نبيا) [مريم: 43]. فالنبي هوالذي ياتيه علم الغيب وحيا من اللّه تعالى، والصديق هو الذي يبالغ في الصدق، وصدق ابراهيم جعله يجهر بالتوحيدفي محيط كفر ووثنية حتى القي في النار التي كانت عليه بردا وسلاما، ومثله لا يمكن ان ينطق بالكفر او يرتكب الاثم كماتنسب اليه التوراة.

اما لوط فيقول فيه تعالى: (ولوطا آتيناه حكما وعلما) [الانبيا:

74]، و (ان لوطا لمن المرسلين اذ نجيناه واهله اجمعين الا عجوزا في الغابرين) [الصافات: 133 135]. فلوط كان نبيا مرسلا، آتاه اللّه الحكم والعلم، وارسله لهداية بني اسرائيل ونجاه وقومه الا امراته فكانت في الهالكين، لكن التوراة تنسب اليه الوان القبائح والفحش.

وفي داود وسليمان يقول تعالى: (ووهبنا لداود سليمان نعم العبد انه اواب) [ص: 30] ويقول: (ولقد آتينا داودوسليمان علما وقالا الحمد للّه الذي فضلنا على كثير من عباده المؤمنين) [النمل: 15]. ففي قوله نعم العبد مدح وتكريم الهي، واواب لكثرة رجوعه الى اللّه، الامر الذي يدل على الايمان والتقوى وادا الرسالة، وفي تنكير العلم اشارة الى تفخيم امره، اما التفضيل فبمطلق ما خصهما اللّه به من المواهب كتسخير الجبال وتليين الحديد، وايتائه الملك وتسخيرالجن والوحش والطير، كما سخر الريح لسليمان وعلمه منطق الطير، وآتاه الملك، فحمدا اللّه حمد المبتهل ((277))،ومثلهما لا يمكن ان تنسب اليه الرذيلة والفحش ومعصية اللّه كما تذهب التوراة.

فشخصية انبيا بني اسرائيل كما تصورها التوراة المنزلة،انما يجدها الباحث في القرآن الكريم، وهي صورة نقية مشرقة،وليست قاتمة كما تذهب كتب بني اسرائيل.

ثانيا: الفكر الاسرائيلي: واقعا وممارسة نشير، بادى ذي بدء، الى ان التوراة كتاب منزل من لدن رب كريم، تشتمل على التعاليم التي انزلها اللّه تعالى على انبيابني اسرائيل، واخصهم النبي موسى. ولكننا نعتقد ان التوراة المعتمدة بين يدي الناس دخلها تحريف كبير غير مسارهاالالهي، وافقدها جوهرها الحقيقي، فاضحت افكارا تناسب شخصية بني اسرائيل العدائية، فلم تتورع عن نسبة الكفروالفحش والرذيلة الى انبيائهم المرسلين، تلك التي براهم القرآن الكريم منها. ونحن نعتمد في اطلالتنا على الفكرالاسرائيلي واقعا وممارسة على ثلاثة مصادر اساسية هي:

التوراة، والتلمود، وبروتوكولات حكما صهيون.

1- في التوراة نذهب الى ان التوراة المنزلة قد حرفها حكما بني صهيون بعد سبيهم الى بابل لتناسب افكارهم العدائية وآراهم العنصرية، اذ لا يعقل ان تتناقض مع ما جا في الانجيل والقرآن، كون هذه الكتب المقدسة جات من مصدر واحد هواللّه تعالى، وهدفت الى خير الانسان وسعادته. لذلك اطلقنا على التوراة المعتمدة الان التوراة ر المحرفة ر الرسمية،وتعاليمها تناقض في نظرنا مع ما جا في التوراة التي انزلها اللّه على النبي موسى، ونحن في دراستنا سنعتمد على الرسمية لاستحالة الوصول الى التوراة المنزلة.

ففي سفر التكوين نقرا ان النبي ابراهيم اوهم «ابيملك»، ملك جرار، بان زوجته سارة هي اخته ولم يكشف امرها الاعندما كاد الملك يتخذها زوجة له، وذلك خوفا من ان يقتل بسببها ((278)). ويفهم من نصوص التوراة ان ابراهيم كان يمكن ان يفرط بزوجته سارة لانقاذ نفسه، وهذا لا يمكن ان ينسب الى نبي صديق جاهر برسالته حتى القي في النارحيا.

وفي سفر التكوين، ايضا، نقرا ان ابنتي لوط ضاجعتا اباهما بعد ان سقتاه خمرا، ثم ولدتا منه ((279)). فالنص ينسب الى لوط وقومه الفحش والرذيلة، في حين ان اللّه تعالى آتاه الحكم والعلم وبراه وقومه من المعاصي.

وفي صموئيل الثاني نقرا رواية غريبة لا يقبلها دين او عقل او منطق، وهي ان داود قام مسا يتمشى على سطح بيت الملك، فراى امراة اوريا الحثي تستحم، فارسل اليها واخذها فدخلت عليه، فضاجعها، ثم رجعت الى بيت زوجها،وبعد حين ارسلت المراة الى داود انها حامل. عندئذ ارسل داود اوريا الحثي الى الحرب، واوصى جنوده: ان اجعلوااوريا في وجه الحرب الشديدة، وارجعوا من ورائه، فيضرب ويموت، ثم ارسل اليها داود وضمها الى بيته، وصارت له امراة وولدت له ابنا هو سليمان ((280)) ويتضح من النص ان داود عصى اللّه وارتكب الفحش والزنا، وامر بالقتل المتعمد، وان سليمان ابن زنى، وهذا لا يليق بانسان عادي فكيف بنبي مرسل اواب كما وصفه القرآن الكريم.

اما سليمان فتزعم نصوص العهد القديم ان قلبه تعلق بلهة اخرى غير الرب، وان عدد زوجاته بلغ سبع مئة وسراريه ثلاث مئة، فازاغت نساؤه قلبه وصنع سليمان الشر في عيني اللّه ((281)). فسليمان الذي آتاه اللّه تعالى الحكم والعلم وسخر له الريح والطير، لا يمكن ان ينسب اليه الكفر والرذيلة.

اما يعقوب، او اسرائيل، فقد اوهم اباه اسحق بانه ابنه البكر عيسو، فباركه الاب مكان الابن البكر ((282)) كما تذهب التوراة. وهذا يعني ان جد بني اسرائيل الذي ينسبون اليه، اختلس النبوة والملك من اخيه احتيالا، كما نجد في سفرالتكوين انه ضاجع زوجة ابيه ((283))، وهذا يخالف صورته النقية في القرآن الكريم.

وما يمكن استنتاجه، بعد قراة اسفار العهد القديم، ان اليهود نسبوا الى انبيائهم المعاصي والمكر والخداع والزناوالفحش والرذائل والقتل، وانواع الشرور وهتك الحرمات، وهي صفات اختلقتها المخيلة اليهودية لتناسب الشخصية الاسرائيلية عبر التاريخ.

اما تعاليمهم التي يزعمون انها وردت في التوراة، فهي ترسم مسلكهم الاخلاقي وتؤطر نظرتهم الى الشعوب الاخرى،وبذلك تكتمل الصورة الحقيقية للشخصية الاسرائيلية.

ففي مجال الاحتلال واغتصاب الارض، نرى ما يفسر ممارساتهم اليومية، ففي اسفارهم ان الرب كلم موسى قائلا:

كلم بني اسرائيل وقل لهم: انكم تعبرون الاردن الى ارض كنعان، فتطردون كل سكان الارض من امامكم، تملكون الارض وتسكنون فيها، لاني قد اعطيتكم الارض لكي تملكوها ((284)). والاعطا بمعنى الخلق، اي ان اللّه خلق الارض ملكالهم.

كما كلم الرب موسى قائلا: اوص بني اسرائيل وقل لهم: انكم داخلون الى ارض كنعان، هذه هي الارض التي تقع لكم نصيبا، تكون لكم من طرف البحر الكبير الى نهر الفرات فوادي مصر ((285)). كما اوصى الرب يعقوب قائلا: اذا تقدمت الى مدينة لتقاتلها، فاضرب كل ذكر بحد السيف، واما النسا والاطفال وذوات الاربع وجميع ما في المدينة من غنيمة فاغتنمها لنفسك، وهؤلا الشعوب التي يعطيها لك الرب الهك نصيبا، فلا تستبق منها نسمة ((286)).

وتتضح من هذا النص استراتيجية اسرائيل العسكرية، قتل الخصم باعصاب باردة مثلجة، من في الارض جميعا، اما مافي الارض فهو عطا ونصيب وغنائم.

وفي سفر العدد: «سبى بنو اسرائيل نسا مدين واطفالهم، ونهبوا جميع بهائمهم ومواشيهم وكل املاكهم، واحرقوا جميع مدنهم ومساكنهم وحصونهم، فامرهم موسى: الان اقتلوا كل ذكر من الرجال، وكل امراة عرفت رجلا اقتلوها» ((287)).

وفي سفر التثنية: «كل مكان تدوسه بطون اقدامكم يكون ملكا لكم، من نهر الفرات الى البحر الغربي يكون تخومكم،تخربون جميع الاماكن وتمحون اسمهم من ذلك المكان» ((288)) فليقرا العرب ويتبصروا.

وفي سفر اللاويين قال الرب لموسى: «اما عبيدك الذين يكونون لك، فمن الشعوب الذين حولكم، منهم تقتنون عبيداواما... واما ابناؤهم الذين يلدونهم فيكونون ملكا لكم، وتستملكونهم لابنائكم من بعدكم ميراث ملك، وتستعبدونهم ابد الدهر» ((289)).

وبالرغم من وضوح النص لا بد من الاشارة الى العنصرية الاسرائيلية التي تبغي استعباد من في الارحام استعباد ملك وميراث ابد الدهر.

وفي مجال الاعتقاد بانهم شعب مختار مقدس، نجد في اسفارهم: «ان الرب قال لاسرائيل: اياك قد اختار الرب الهك لتكون له شعبا اخص من جميع الشعوب الذين على وجه الارض» ((290)) وقال ايضا: «انتم اولاد الرب... لانك شعب مقدس، وقد اختارك الرب لكي تكون له شعبا خاصا مقدسا» ((291)). اما في مجال العادات فيقول الرب لاسرائيل: «لا تقرض اخاك بربا... للاجنبي تقرض بربا» ((292)). وقال ايضا: «لا تقتل ولاتسرق ولا تشهد على قريبك شهادة زور» ((293)).

وهذا يعني ان التوراة الرسمية رسمت الاطر الربوية للاسرائيليين، واباحت قتل «الغوييم»، اي الغربا، واباحت ايضا،السرقة وشهادة الزور، لانهم حيوانات لا يجوز معهم العهد.

وفي سفر التثنية يقول الرب: «اذا قام في وسطك نبي واعطاك آية او اعجوبة ولو حدثت فلا تسمع لكلامه... وذلك النبي يقتل لانه تكلم بالزيغ من ورا الرب الهكم» ((294)). وهذا يفسر صلبهم للمسيح ومحاولة اغتيالهم للنبي محمد. في وقت خصت التوراة الرابيين او علما الدين اليهود بدور متميز، حتى في التوجيه العسكري، ففي سفر التثنية: «عندما تقتربون من الحرب يتقدم الكاهن ويخاطب الشعب» ((295)).

فالتوراة الرسمية بخست انبيا اليهود الفضائل ومكارم الاخلاق، وحثت على صلب انبيائنا واغتيالهم، في حين اطلقت الكهنة والرابيين ومنحتهم دورا اساسيا في تكوين الشخصية الاسرائيلية.

وفي قراة ثانية للتوراة نجد ان لها دلالة مزدوجة: حرفية ورمزية. فالى جانب معانيها الحرفية البسيطة تنطوي كلماتهاعلى دلائل باطنية لا يفهمها سوى الرابيين، ولا يعلم تاويل رموزها واساليبها سواهم.

ففي الدلالة الحرفية نجد انهم لا يعترفون بعصمة الانبيا، وفي التوقف امام معجمهم اللفظ ي نجد ان ابراهيم مخادع ماكر، ولوطا وبناته يرتكبون الفحش والرذيلة، وداود زان قاتل، وسليمان لم يؤمن باللّه ايمانا حقيقيا، ويعقوب مختلس للنبوة زان بزوجة ابيه، وهي جميعا صفات خطها الرابيون في التوراة للنبي الحقيقي في نظرهم، او المثال الاسرائيلي الاعلى، في حين لا يصح نسبتها الى انبيا كرمهم القرآن الكريم واضفى عليهم اسمى صفات العلم والايمان والتقوى،وهذا يعني ان صورة انبيا بني اسرائيل الحقيقية انما تجدها في القرآن الكريم، اما الصفات التوراتية فقد اختلقها الرابيون لتناسب الشخصية الاسرائيلية المرسومة.

وفي الدلالة الحرفية ايضا نجد انهم شعب طبع على العنف والقسوة، يستبيحون الارض ومن عليها، ويتقصدون ارتكاب المجازر الجماعية والفردية، وكلما اتسمت بالعنف والسادية ادت غرضا توراتيا نبيلا. وفي الاطلالة على معجمهم اللفظ ي تستوقفنا عبارات «تملكون الارض» و«اضرب كل ذكر بحد السيف واما الاطفال والنسا وذوات الاربع فلا تستبق منها نسمة» و«نهب البهائم» و«احرق المدن والمساكن والحصون» والقتل والسبي وغيرها من الفاظ الشخصية الاسرائيلية السادية.

وفي المجال نفسه، نجد في قاموسهم اللفظ ي «كل مكان تدوسه بطون اقدامكم يكون ملكا لكم» و«تمحون اسمهم»و«تقتنونهم عبيدا» و«تستملكونهم» و«تستعبدونهم ابد الدهر» ، لانكم «اولاد الرب» و«شعب مقدس» و«شعب مختار».

فالامر الرباني كما تصوره التوراة هو القضا الكامل على كل انسان غير يهودي، وهذا يفسر النرجسية والسادية والاعتقادبالقدسية والاختيار، كما يفسر المذابح الجماعية التي يرتكبونها في لبنان وفلسطين وغيرهما، فضلا عن استعدادهم للقضا على الجنس البشري او يتخذون افراده عبيدا وخدما.

وهكذا فان الدلالة الحرفية لمعجم التوراة اللفظ ي ترسم ملامح المثال او البطل الاسرائيلي التاريخي الذي يعبر عن حقيقة الشخصية الاسرائيلية كمثال يرتجى.

وفي الدلالة الرمزية حاول الرابيون استنباط مفاهيم باطنية للتوراة، فكان التلمود اج ت پ آث وزوهار ثآب تچ وكابالا آپ آآآآپ ، وهي نصوص دينية تتضمن تعاليم سرية ماخوذة من الفهم اليهودي للتوراة، وتمثل في زعمهم جوهر الديانة اليهودية.

2- في التلمود عرف التلمود، او القانون الشفهي، او المثناه ب آتب ثپ ت ، بانه شروح للتوراة او تفسيرات تلقاها موسى من ربه، لكن تلك التفسيرات بقيت بحاجة الى شرح وتوضيح، فوضع حولها الرابيون ملاحظات واحكاما عرفت بالجماراب آثآت ب ب .

فالتلمود اذا قسمان: المثناه وهو المتن او الاصل، وتعاليمه ستبقى سرية حتى ظهور الميسياه ب آپ ثثب ت او المسيح المنتظر عند اليهود، والجمارا او التلمود المطهر ((296)) ويحتفظ الرابيون باسراره الى حد ما، ومن يبح بها فجزاؤه القتل،لذلك تكثر فيه الفراغات والرسوم والدوائر التي ترمز الى معتقداتهم وافكارهم السرية، وعلى الرغم من ذلك فلقدتسرب بعضها وشاع، فجات لتكمل الشخصية الاسرائيلية.

فالرابيون لم يعد لهم دور متميز بين الناس يوجهون ويحكمون وبيدهم السلطة الحقيقية، بل تعداه ليواجهوا اللّه ويقهروه ويتغلبوا عليه. فلو قرر الرابيون في المحكمة الارضية امرا مخالفا لما قررته المعجزات السماوية، فان الرب يصيح عندئذ بسرور قائلا: لقد قهرني ابنائي ((297)).

ولقد حفل التلمود المطهر بعبارات كثيرة تنم عن عدا شديد للمسيحية، وباوصاف مشينة بحق المسيح والسيدة العذرا مريم، ففيه ان يسوع المسيح كان ابنا غير شرعي، وانه مجنون مشعوذ مضلل، صلب ثم دفن في جهنم فنصبه اتباعه منذ ذلك الحين وثنا لهم يعبدونه ((298)). اما تعاليم المسيح فقد وصفها التلمود بالكذب والهرطقة وبانها مستحيلة الادراك، والمسيحيون عبدة الشيطان ومهرطقون وقتلة وزناة وحيوانات الشيطان ((299)).

والتعاليم التلمودية تصف النبي محمدا بانه رجل مجنون، وترى ان المسلمين اقرب الى البهائم، ومرتبتهم في المخلوقات تاتي دون مستوى الانسان (اليهودي) واعلى من مستوى القرد ((300)). وفيه ان اليهودي وحده يحترم بوصفه رجلا، كل ما ومن في العالم له، وجميع الاشيا يجب ان تكون في خدمته، خصوصا الحيوانات التي لها اشكال آدمية ((301)). ويبيح التلمود المطهر لليهودي ان يتظاهر بالمسيحية للاحتيال على غير اليهود، كما يبيح له ان يحلف يمينا كاذبا بضمير صاف، اذ لا يعد قسمه مع باقي الشعوب قسما حقيقيا، لانه اقسم لحيوان، والقسم لحيوان لا يعدملزما ((302)). كما يتيح له ان يسرق اموال الخارجين عن دين اليهود، فالسرقة من الاجانب الحيوانات ليست سرقة عندهم، بل هي استرداد لاموال اليهود ((303)). وتعاليمهم هذه تفسر نكثهم الدائم للعهود والوعود والتنكر لها.

وحسب تفسير الجمارا للوصية الثامنة: «لا تسرق» يصبح المعنى لا تسرق شخصا يهوديا، فضلا عن ان التلمود يحرم الربابين اليهود ويبيحه مع الاجنبي، بل يصبح من واجب اليهودي ان يحصل على اكبر قدر ممكن من الربا من غير اليهودي((304)).

وفي التفاتة سريعة الى معجم التلمود اللفظ ي نلاحظ ان عبارات السرية والكبر تطغى عليه، ومن نماذج ذلك: «لقد قهرني ابنائي»، اليهودي وحده يحترم بوصفه رجلا، البشر حيوانات لها اشكال آدمية، اباحة اليمين الكاذب، السرقة، والرباوغيرها. والملفت حقا اننا نجد في المعجم اللفظ ي للتوراة والتلمود لفظة «ابنائي»، وهي تمثل ظاهرة خاصة في المعجم الديني، فاليهود ليسوا «عبيدا» للّه كالمسيحيين والمسلمين، بل هم ابنا اللّه، لهم غنج الابن وعقوقه وجحوده احيانا.لذلك فهم لا يتورعون عن التطاول على اللّه واتهام الانبيا والاستعلا على الناس وسائر الخلق.

ففي القسم المطهر من التلمود الجمارا، تتجلى خطورة الفكر الصهيوني الذي يمثل خطرا حقيقيا على مظاهر العمران والتقدم والفكر البشري والانساني، ويرسم في المقابل صورة المثال الاسرائيلي الاعلى الذي يجب ان يسود العالم.

3- في بروتوكولات حكما صهيون كثر الجدل والنقاش حول اثبات نسبة البروتوكولات الى حكما صهيون او نفيها، لكن الامر حسم بالاثبات. وفي نظرة عمودية الى البروتوكولات نجد ان اليهود بعد سبيهم الى بابل في عام 576 ق.م. اعادوا كتابة تاريخهم كما يراه الفريسييون، اي جماعة المنشقين، ومنذ ذلك الحين بدات تتكشف الشخصية اليهودية التي ترتكز الى «الوعد الالهي»،وتملك العالم والسيطرة على الشعوب واعتماد السرية لتحقيق الوعد المنشود.

وبعد ان سبى الرومان اليهود في سنة 70م، انشاوا حكومة سرية عرفت باسم السنهدرين، مهمتها ابقا التكتل اليهودي العنصري، وفرض العزلة على المجتمع الاسرائيلي، فضلا عن السعي الى قيادة العالم. لكن اثرها خف في حقبة القرون الوسط ى لتعود الى الظهور ايام بونابرت تحت اسم القهل او القهلية، وهدفها السيطرة على راس المال العالمي، ووسائل الاعلام وامتلاك قيادة العالم السياسية حتى من طريق الاغتيالات والقتل. فالرابيون اليهود كان لهم دور بارز في انحطاط الدولة الرومانية وسقوطها، فضلا عن ان اوروبا لم تبصر نور النهضة الا بعدما تمكنت جزئيا من تحرير نفسها من براثن السيطرة الاقتصادية اليهودية.

وهكذا اقترن تاريخ اليهود بالربا والقتل حتى ان كلمة يهودي اصبحت مرادفة لكلمة مراب وقاتل، وحتى باتت الملكية اليهودية ثمرة العمليات الربوية ((305)).

ففي مجال السيطرة الاقتصادية نذكر بعائلة روتشيلد وناثان وغيرهما من ملوك الذهب، وفي احصاات اجريت في فرنسا في النصف الثاني من القرن العشرين، نجد ان اليهود يملكون ما يعادل 92% من صناعة المعادن الثقيلة، و90% من تجارة التحف الاثرية و98% من اموال المصارف، و75% من مؤسسات الترانزيت والوساطة، و55% من المرافق التجارية المختلفة، و50% من الصناعات الثقيلة ((306)).

وفي مجال التحكم بالقرار السياسي، نشير الى ادوارد السابع (1841 1910) ملك بريطانيا، ففي عهده اصبح مجلس العرش البريطاني يضم تسعة اعضا يهود من اصل اثني عشر عضوا، كما ان المجلس الاستشاري الاعلى يضم عدداكبيرا من اليهود برئاسة اليهودي موريس هانكي، وفي مجلس اللوردات كان لليهود احد عشر عضوا.

وفي فرنسا، في عهد حكومة بيار موروا سنة 1981م، عين فلوران فابيوس مساعدا لوزير الاقتصاد والمالية، ثم عين رئيسا للوزرا. وعين بيار درايفوس وزيرا للصناعة، وروبير بادنتار وزيرا للعدل، وجاك لانغ وزيرا للثقافة، وجاك اتالي مستشارا خاصا لرئيس الجمهورية، وقد عرف في اوساط الصحافة الفرنسية بانه العقل المفكر للرئيس فرنسوا ميتران،وهؤلا جميعا من اليهود.

وفي هذا المجال، لا بد من ان نشير الى محاولات اليهود للسيطرة على الحركات الدينية والسياسية الاصلاحية كثورة كرومويل ((307)) في بريطانيا، والثورة الفرنسية في سنة 1789م، والثورة البلشفية في سنة 1917م من خلال علاقاتهم الدينية والمادية بكل من لينين وتروتسكي وغيرهما.

اما في الولايات المتحدة الامريكية التي تمثل اليوم قطب الرحى في العالم، فان التاثير الصهيوني لا يمكن حصره في مجال، لانه يمسك بالهرمية الامريكية في مجالاتها المختلفة والمتعددة وصولا الى البدايات والقاعدة.

فاللوبي الاسرائيلي يفرض بوساطة الامريكيين وعليهم حكومته التاريخية وشخصيته المتعطشة الى الملك والتحكم، ويمسك باخطبوطيته المعروفة، حتى اضحى الامريكيون رهائن لدى الاسرائيليين يتبنون مواقفهم ويدافعون عن مصالحهم في المجالات كافة.

وفي مجال الصحافة، اصدر اليهود حتى سنة 1904 حوالى 975 مطبوعة، توزعت على سبع عشرة لغة، وكانت تصدرفي خمسة وعشرين بلدا. منها 579 مطبوعة في بلدان اوروبا الغربية والشرقية، و298 مطبوعة في اميركا الشمالية، و3مطبوعات في اميركا الجنوبية، و69 مطبوعة في آسيا، و25 مطبوعة في مصر وشمال افريقيا، و11 مطبوعة في استراليا((308)).

وفي مجال القتل والاغتيال السياسي القائمة تطول، ونشير الى صلب المسيح، وقتل سينيكا الفيلسوف الروماني، فضلاعن محاولة اغتيال النبي محمد. كما نشير الى اعدام ملك بريطانيا شارل الاول 1649م، واغتيال قيصر روسيا بولس الاول 1801م، واغتيال قيصر روسيا الكسندر الاول 1825م، وذبح القس اليسوعي توما الكبوشي 1840م، واغتيال الرئيس الامريكي ابراهام لنكولن 1865م، والى اغتيال قيصر روسيا الكسندر الثاني 1881م، ورئيس وزرا روسياستوليبين 1911م، والوزير البريطاني المفوض في الشرق الاوسط لورد موين 1944م، والوسيط الدولي في فلسطين الكونت برنادوت 1948م، والسناتور الامريكي جوزف مكارثي 1957م، والرئيس الامريكي جون كندي 1960م،ونائب رئيس منظمة التحرير الفلسطينية خليل الوزير 1988م، فضلا عن المذابح الجماعية التي قامت بها المنظمات اليهودية الارهابية: تاماني وشترن وايراغون والهاغانا وغيرها. وبالرغم من ذلك تدعي اسرائيل محاربة ما تسميه «الارهاب» الذي هو في الاساس حق مشروع للدفاع عن النفس والارض والعرض والمقدسات.

ان شهوة القتل عند الاسرائيليين وساديتهم تستند الى معتقداتهم الدينية، ففي سفر يشوع دعوة الى قتل كل رجل وامراة وطفل وشيخ بحد السيف ((309))، وفي العهد القديم امثلة كثيرة تدل على شهوة القتل عند اليهود وتمسكهم بفكرة ابادة الامم الاخرى عن وجه الارض.

وفي التلمود دعوة صريحة الى القتل، فالغوي (غير اليهودي) مجرم يستحق الموت ((310)). واليهودي الذي يقتل غويا لايمكن محاكمته، لانه ليس مذنبا البتة، فالتسبب بموت غير اليهودي لا يعد خطيئة. في حين يعد قتل الغوي اليهودي حسب عقيدتهم احدى الكبائر الثلاث (الى جانب عبادة الاوثان والزنا بيهودية). اما اليهودي الذي يتسبب بموت يهودي آخر فعقابه يعود الى اللّه وليس الى الانسان.

وهكذا نجد ان النزعة الى الجريمة والقتل ليست صفة عارضة في الشخصية الاسرائيلية، وانما هي خلق متاصل له جذور مستمدة من تعاليم التلمود السرية، حيث يقول: «من يرق دم الغوييم يقدم قربانا الى اللّه» ((311)). وبذلك فان جرائم القتل والاغتيال التي نفذها وينفذها اليهود قديما وحديثا ليست سوى استجابة لما يؤمنون به وتوجبه عليهم عقيدتهم الدينية السرية.

وهي تهدف الى القضا على جميع مظاهر القوة المعنوية والمادية عند الشعوب، لكي تبقى الهيمنة لهم، لان السلام لن يعم الارض الا عندما يحكم اليهود العالم كما يزعمون.

وفي قراة عمودية للممارسات الاسرائيلية نجد انها تستند في الاساس الى التلمود فضلا عن بروتوكولات حكماصهيون التي تنص على تاليف عصبة عالمية من حكما اليهود، هدفها السيطرة على العالم ومقدرات الشعوب وتشكيل حكومة عالمية دائمة تخضع لاشراف اليهود مباشرة، فضلا عن تحريك احداث العالم بوساطة جمعيات وتنظيمات كالماسونية وغيرها، هدفها الاساسي خدمة المخططات الصهيونية، كما تسعى الى السيطرة على وسائل الاعلام ودورالنشر ومراكز البحث العلمي والاكاديمي والبوليس العالمي مضافا اليها السيطرة على راس المال العالمي عبرالتاريخ.

الصفحة السابقة

الصفحة التالية