مجلات >آفاق الحضارة الاسلامية>شماره 13

تعليم اللغة العربية

بين المنهج التقليدى والألسنية التوليدية والتحويلية

د. محمد خاقاني
أستاذ مساعد في قسم اللغة العربية وآدابها
بجامعة اصفهان
مدير القسم حالياً

ملخص:

نعالج في هذه المقالة تعليم اللغة العربية في دراسة مقارنة بين المنهج التقليدي الكلاسيكي الذي بقي ثابتاً وترسخ منذ زمن قديم في أوساط البلدان الإسلامية والعربية، والمناهج الحديثة التى تطورت عبر الألسنية في مختلف مذاهبها.

ندرس اولاً الميزات الأساسية لفقه اللغة التقليدي، ومن أهمها: تأثره بالمنطق الأرسطي، والمنهج المعياري في تبين مسائل اللغة، والاعتقاد باللغة المصفاة.

ثم نعالج الأخطاء الجوهرية في النحو العربي التقليدي، بما فيها الخلط بين مستويات الأداء اللغوي، والتناول الجزئي وطرد الأحكام، والتأثير المنهجي لعلوم غير لغوية.

والموضع الثاني هو: العربية في منظور الألسنية والتحويلية، التي تشمل: البحث عن مدرسة تشومسكي، النحو العام، واعتباره نحواً للنشاطات الإنسانية، كون الجملة وحدة التحليل الألسني، مدرسة النحو التوليدي، ومراحل تبلوره، وموضوع البرنامج الأدناوي.

الكلمات الأساسية:

الألسنية العربية المدرسة التوليدية والتحويليةالنحو العامالبرنامج الأدناوي

1ـ الميزات الأساسية لفقه اللغة التقليدي :

1ـ1. تأثره بالمنطق الأرسطي :

كانت اللغة قديماً باباً من أبواب الفلسفة، ومن أجل هذا عرض الفلاسفة الإغريق موضوع اللغة على أنَّه شيء من المنطق.

وقد كانت نشأة المنطق مرتبطة باللغة والنحو عند اليونان، وإن دراسة الأجرومية اليونانية تتبدى في أقسام رئيسية في كتب أرسطو، وبكلمة موجزة إن السفسطائية ربطوا بين الكلمة والعقل، وقد استعملوا خصائص اللغة وألفاظها في جدلهم، وارتقوا بعد ذلك إلى ضروب من الفن الخطابي المستهدف الإقناع في المحاورات. (فايز الداية 103).

وفي كتاب سيبويه نجد تقسيم الكلم الى اسم وفعل وحرف، ويعرفها الواحد تلو الآخر تعريفاً يحاكي من بعض النواحي التعريف الأرسطي. وان ما يسميه سيبويه حرفاً يدعوه الكوفيون: الأداة. كأنما أرادوا الاحتفاظ بالمصطلح المنطقي احتفاظاً تاماً. (الداية 110). ويفرد السكاكي فصلاً لعلم الاستدلال (السكاكي 3) (أي المنطق) ليعين دارس المعاني والبيان للرابطة الوثيقة بينه وبين هذين العلمين البلاغيين في دراسة الاستعارة والتشبيه. فكما أن النحو هو احتراز عن الخطأ في التعبير اللغوي، فإن علم المعاني يحترز به عن الوقوع في الخطأ في تطبيق الكلام على ما يقتضي الحال ذكره، وعلم البيان الاحتراز عن الخطأ في مطابقة الكلام لتمام المراد منه (السكاكى 86).

لكن بين الباحثين اللغويين العرب من يدافع عن أصالة الفكر النحوي العربي وعدم تأثره التام بالمنطق اليوناني. وبرأي هؤلاء، تمحور الشم اللغوي العربي منذ صدر الإسلام على الدين والفهم الصحيح من النصوص المقدسة، وأصر معظم الباحثين على أصالة الأبحاث اللغوية في العربية وابتعادها عن الثقافات المترجمة. ووصل إلى أن سخر «ابن قتيبة» من الثقافات المترجمة، ورآها على هامش الفكر العربي أمشاجاً لا غناء فيها، وتفاهاتٍ لا جدوى منها، بل فيها ما يضر، إذ تدفع الى القحة وتدعو الى الفكر، ويقول:

«ولو أن مؤلف حد المنطق بلغ زماننا هذا حتى يسمع دقائق الكلام في الدين والفقه والفرائض والنحو، لعدّ نفسه من البكم، أو يسمع كلام رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم وصحابته، لأيقن أن للعرب حكمةً وفصل الخطاب». (أدب الكاتب: 5)

وقد أجمع الباحثون على أن المرحلة الأولى من نشوء النحو العربي، والتي تنتهي حوالي عام 180 هـ، شبيهة بالحقبات التي شهدت ولادة سائر العلوم الاسلامية، صافية خالية من كل علم دخيل، فهي لم تمتزج بمؤثرات فكرية إغريقية أو سريانية، إنما بقي فيها النحو على حالة من الأصالة والثبات على لغة الأعراب والإسلام. وجُلّ ما قام به النحويون من دراسات في هذه الحقبة يتلخص بمطابقتهم القواعد للأصول، وترتيبها على هذا المنحى من النظام اللغوي المعهود. فالطبقة الأولى من النحاة أمثال الخليل بن أحمد (ت 175هـ) وسيبويه (ت177 أو 180هـ)، لم تصغ النحو صياغة فلسفية، إنما صياغة لغوية ـ بيانية طبيعية تتماشى مع المواضيع النحوية والتركيبات والتصاريف العربية. (جيرار جهامي 994 ص 115)

إذن، النحو العربي كان أحد العلوم العربية التي تاثرت بالفكر الإغريقي، بمعطياته الميتافيزيقية وقوانينه المنطقية، فقد تأثر فيها التفكير النحوي في جملته ببعض الأفكار الفلسفية اليونانية، كما تأثر بعض النحاة بالبناء المنطقي لهذا الفكر... وهذا التأثر ملحوظ في كثير من الجزئيات النحوية، وبخاصة في مجال التقسيمات، منها ما نراه في تقسيم الكلمة الى أقسام ثلاثة: الاسم والفعل والحرف. ولم يكن مرد أخذهم بهذا التقسيم إلى استقراء دقيق للكلمات في اللغة العربية؛ فإن في اللغة نماذج كثيرة من الكلمات التي اختلف النحاة في القسم الذي تنتمي اليه: أهو الاسم أم الفعل أم الحرف؟ وقد تجاوز ذلك الاختلاف حدود الكلمات المفردة، فتناول أنواعاً عديدة منها، كانت بدورها محور خلاف كبير في تصنيفها النحوي. بل إن الأسس التي أقرها النحاة لهذا التقسيم تتناقض في بعض الأحيان مع الأحكام النحوية الجزئية التي كان من المفروض أن تكون تطبيقاً بهذه الأسس كلها... والحقيقة أنه في الوقت الذي كان المفكرون الإسلاميون من متكلمين وأصوليين يتصدون فيه للمنطق اليوناني، ويكسبون في اتجاههم بعض اللغويين والنحاة، كان التأثير المنطقي قد أخذ سبيله بالفعل في كثير من العلوم العربية، وفي البحوث النحوية بوجه خاص. بدأ هذا التأثير في مجال الجزئيات، ثم ما لبث أن امتد منه إلى الأصول. وقد ساعد على تغير الأصول النحوية تدريجياً تحت إلحاح الأفكار المنطقية أولاً والمعايشة الطويلة لهذه الأفكار في إطار الجزئيات، بحيث لم تعد غريبة عن التفكير النحوي.للّه‏

أما أبرز ملامح التأثير الإغريقي في النحو العربي، فقد تتجسد في مجالات، وهي: القياس والتعليل والتعريف وطرد الأحكام، وأخيراً في مجال المصنفات النحوية. (علي أبو المكارم، صص 79ـ102)

1ـ2. المنهج المعياري في تبيين مسائل اللغة :

هذه الميزة تعتبر من نتائج الميزة الأولى، أي تاثر علم اللغة التقليدي بالمنطق الأرسطي.

هذا المنهج يقوم على مبدأ «الصواب والخطأ» في مسائل اللغة. وقد تبلور منذ الجاهلية لدى نقاد الشعر، واستمد أصحابه من حديث الرسول الأكرم صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم الذي روي أنه قال لرجل لحن في قراءة القرآن: «أرشدوا أخاكُمْ فَقَدْ ضَلَّ».

وقد عرف الخطأ اللغوي فيما بعد بـ «اللحن». واللحن لم يكن قد تمت له الغلبة والبروز على سائر المعاني في القرن الأول الهجري، فمعاوية بن أبي سفيان يلتبس الأمر عليه، فالأصمعي يروي عن عيسى بن عمر: «قال معاوية للناس: كيف ابن زياد فيكم؟ قالوا: ظريف إلا أنه يلحن. قال: فذلك أظرف له».

ويعلّق القالي: «ذهب معاوية إلى اللحن الذي هو فطنة، وذهبوا هم إلى اللحن الذي هو الخطأ». (الأمالي لأبي على القالي 1/28).

ولكن يبدو أن تقدم الزمن اقترن بوضوح أكبر، فينقل ابن قتيبة في عيون الأخبار قول مسلمة بن عبد الملك: «اللحن في الكلام أقبح من الجدري في الوجه». (عيون الأخبار 2/158)، وقول عبد الملك بن مروان: «اللحن في الكلام أقبح من التفتيق في الثوب النفيس».

ويؤكد «يوهان فُك» عروبة البيت الأموي أي نزعتهم للمحافظة على الشخصية العربية من خلال أبرز سماتها: العربية الفصحي، ويسمي فُك ذلك الاتجاه بمبدأ «تنقية العربية» (فُك 26)، الذي يتجسد كذلك في المؤلفات العلمية المهتمة، إلا أننا لا نسمع بأسماء كتب اللحن إلا أواخر القرن الثاني الهجري؛ إذ ألف الكسائي على بن حمزة (172 هـ): «ما تلحن فيه العامة»، وتلاه القراء (207 هـ)، وأبو عبيدة (210 هـ)، وابن سكيت (244 هـ)، وثعلب (291 هـ)، وأبو بكر الزبيدي (370هـ)، وأبو هلال العسكري (395 هـ) وعدد آخر من المصنفين. (الداية: 128)

1ـ3. اللغة المصفاة :

مصطلع «اللغة المصفاة»عتبر من التبعات الأصلية لمقولة الفساد اللغوي ومبدأ المنهج المعياري في النظرة إلى قضايا اللغة. والذين يرون تطورات اللغة العربية فساداً عرض لها يدعون إلى تصفيتها من مظاهر الركاكة.

من جملة من دعا أخيراً إلى «اللغة المصفاة»: الأستاذ «أحمد عبد الستار الجواري»، الذي عرض على مؤتمر مجمع اللغة العربية بحثاً بهذا العنوان، تحدث فيه عن واقع الأمة العربية قبل الإسلام.

«يوم كانت قبائلها متفرقةً ولهجاتها مختلفةً، حتى أراد اللّه‏ جمع ما تفرق وتوحيد ما اختلف، أنزل القرآن واختار لغة قريش لكتابه المجيد، وهي اللغة العربية المصفاة... وأكد أن الشمل لا يجمعه، والكلمة لا يوحدها، إلا الاتفاق على دعم لغة مصفاةً تُلتزم فيها القواعد الصحيحة والسنن الأصلية، ويُختار من ألفاظها ما يناسب المقام، ويفي بحاجات العصر المستحدثة، داعياً المخلصين إلى بذل الجهد لفرض لغة صحيحة واضحة ميسّرة تصلح لتدوين العلوم وتحرير الصحف». (عدنان الخطيب، ص 66)

جدير بالذكر أن السيوطي في كتابه «المزهر في علوم اللغة: ج1 ص 213» يؤكد على مبدأ «الفساد اللغوي»، الذي ينطلق نم قاعدة المنهج المعياري الذي شرحناه في هذا الفصل.

2. الأخطار الجوهرية في النحو العربي التقليدي:

يتسم الفكر النحوي العربي بعدد من الأخطاء الجوهرية، أهمها :

2ـ1. الخلط بين مستويات الأداء اللغوي :

من الظواهر الواضحة في البحوث اللغوية المأثورة عن العرب، ظاهرةٌ تكشف عن فهمٍ خاصٍ للغة، وتدل على تصور محدود لها.

تلك الظاهرة هي الخلط بين مستويات الأداء اللغوي واللهجي، دون تفرقة بين ما ينسب الى لهجة من اللهجات القبلية، وبين ما ينتمي إلى اللغة الفصحى، واعتبار الكل لغة واحدة محددة الخصائص متحدة المستوي.

فقد كانوا يلجأون إلى جمع ما أطلقوا عليه اسم «المادة اللغوية» من كل سبيل: بالرحلة إلى البادية، وبالأخذ عن البدو الراحلين إلى المدن. وهم في سماعهم لم يفرقوا بين إنسان وآخر من الناطقين باللغة!! وهكذا: «أباح لهم منهجهم أن يسمعوا من النساء والصبيان والمجانين أيضاً». (السيوطي، المزهر، 1/140)، دون أن يفطنوا إلى وجود فوارق تركيبية ودلالية، تميز فيما يسمعون بين المستويات اللهجية ومستوي اللغة الفصحى.

وعلى هذا الأساس يجوز في الفصحى، مثلاً زيادة سين على كاف المؤنث وقفاً، قياساً على أن من العرب من يقول: مررت بكس، ونزلت عليكس، ويجوز فيها كسر فاء كل ما كان وسطه حرف حلق مكسوراً، كقولك: بِعير، ورِغيف و... غير أن بعض الأحيان تفطنوا إلى هذه المستويات المختلفة، فنسبوا بعض الظواهر الصوتية باللهجات دون الفصحى، كظواهر الإمالة والعنعنة والكشكشة والكسكسة والفحفحة والشنشنة والطمطماانية والوتم والوكم والوهم والاستنطاء والخلخانية والتضجع والتلتلة والعجرفة، بالإضافة الى عدد من الظواهر التى لم يستقر الاصطلاع عليها، ومن ذلك إبدال الجيم في لغة تميم وهي المقابلة لإبدال الياء جيماً عند فقيم، وظاهرة تسهيل الهمزة عند قريش.

2ـ2. التناول الجزئي وطرد الأحكام :

الملحوظ في هذا المجال أن الانتقال من الظاهرة إلى القاعدة لم يتم بشكل علمي يراعي عدم الانتقال بالحكم من الكليات إلى الجزئيات، وإنما على العكس الانتقال من الجزئيات إلى الكليات. وفي كثير من الأحيان تم الانتقال من الظواهر إلى الأحكام الكلية دون استقراء الظواهر ذاتها أو صياغة خصائصها فيما يصدره النحاة بشأنها من أحكام.

على سبيل المثال؛ أجمع النحاة على القاعدة التالية: «الاختصاص علة ما يعمل من الحروف». هذه إحدى النظريات التي توشك أن لا تجد معارضاً لها أو مشككاً فيها في التراث النحوي، وبناء على هذه النظرية أصدر النحاة حكماً بأنه: لا يعمل من الحروف إلا ما يختص. ومعنى هذا بالضرورة أن الحروف المشتركة لا تعمل. ففي البحث النحوي حروف مشتركة بين الاسماء والافعال، فكان حقها طبقاً لأحكام هذه النظرية ألا تعمل، ومع ذلك فإنها تعمل. ومن ذلك (ما) و(لا) و(إن) النافيات، و(حتى) و(كي) التعليلية.

إذن، الحكم الكلي في هذا المثال لم يتم التوصل إليه باستقراء كافة الجزئيات، وإنما بتناول بعض الجزئيات وطرد ما يستخلص منها من أحكام.

2ـ3. التأثير المنهجي لعلوم غير لغوية :

إن تحليل الفكر النحوي التقليدي يدل على فقد الوحدة فيه. وقد استخدم كل باحث نحوي ما يجيد من المناهج المختلفة في التدليل على صحة ما يذهب إلى من اتجاهات، دون اعتبار لمدى اتصالها باللغة وعلاقتها بالتركيب.

ومن العلوم التي أثرت بمناهجها ومصطلحاتها على مسار الفكر النحوي: علم الأصوات وعلم الأصول والفلسفة والمنطق والكلام. (على أبو المكارم، الباب الثاني)

ولم يعتمد الأقدمون في اللغة الا على رواية، وقد ذهب السيوطي إلى أن: «علم الحديث واللغة أخوان يجريان من واد واحد». (السيوطي، المزهر 2/312)

وحول مدى تأثر فقه اللغة العربية بالمدارس الدينية، يرى الكاتب أمين آلبرت الريحاني (ص30) أن أكثر العرب اهتماماً بقضايا النحو قبل الكوفة والبصرة، هم أهل تميم وأهل الحجاز. ذلك أن لهم مواقف متفردة عدة في كثير من المواضيع النحوية. ذلك ما أشارت إليه كتب النحو القديمة ككتاب سيبويه وألفية ابن مالك وشرح ابن عقيل لها. ويلي تميم والحجاز عددٌ من القبائل كهذيل وطيء وأهل البصرة وعقيل وربيعة وغيرها. ونلاحظ من هذا التقسيم أن الاهتمام اللغوي بدأ أول عهده في شبه الجزيرة في مواطن ظهور الإسلام، ذلك أن الدعوة الدينية لم تتمكن من تدعيم أركانها عبر المد الفكري إلا بواسطة اللغة، فكانت لغة القرآن التي أثبتت أنها المحور الذي دارت في فلكه سائر اللغات. ولم ينتقل الاهتمام اللغوي من أواسط شبه الجزيرة إلى الشمال أي إلى العراق، الا بعد قيام مدرستي البصرة والكوفة المتأثرتين بالمدارس الدينية للحديث والفقه والتفسير.

والبصرة والكوفة لم تكوّنا لغتين كسائر اللغات، أي أنهما لم تصطلحا اصطلاحات نحوية في الإعراب والتحريك والإدغام وما أشبه، وتنفردا في مواقف خاصة دون أي تفسير أو تعليل، بل نهجتا نهجاً مسلكياً في فقه اللغة وتحليل قواعدها، حتى أنهما أصبحتا مدرستين لغويتين لهما وجهة نظرهما في كل شاردة وواردة من قضايا الصرف والنحو. وقد ذهبتا بعيداً في هذا المضمار إلى درجة الفقه اللغوي بين علماء البصرة.

3. العربية في منظور الألسنية التوليدية والتحويلية :

3ـ1. مدرسة تشومسكي :

المدرسة الأمريكية التي ظهرت في الثلاثينات، تأثرت من آراء دو سوسير أقل من مثيلاتها لسببين، هما:

ـ أولاً: دراسة لغات الهنود الحمر الأمريكيين في المناطق الشمالية،

ـ وثانياً: علم النفس السلوكي.

وقد أصرت هذه المدرسة على أن اللغة يجب أن تدرس دون الاستعانة بالمعنى. ورأت أن العالم الألسني الذي يقوم بتحليل اللغة ليكشف عن قواعدها، يسلك نفس الطريقة التي يقطعها الطفل تلقائياً عند تعلم اللغة الأم. (بى يرويش، 72)

3ـ2. تشومسكي والنحو العام :

إن في الدراسة البيولوجية وهندسة الوراثة تأكيداً على القول بأن هناك توازياً وتطابقاً بين نحو اللغة التي نتكلمها ونكتبها، وبين المعطيات البيولوجية الموروثة. وهذا التأكيد يرتبط بالتصورات التجريبية ـ السيكولوجية، وبالعصبية ـ البيولوجية.

أما «نوام تشومسكي»، فيعتقد بوجود نحو عامٍ سابقٍ وفطري وراثي وبيولوجى، وبوجود استعداد يكون به الطفل مهيئاً للكلام ولتعلم اللغة. وهذا النحو العام هو الحالة الابتدائية للطفل الذي تجعله يبني نحو لغته الأم، معتمداً على تجاربه اللاحقة. وهذا النحو العام كما يقول تشومسكي يجب أن يكون مشتركاً في كل اللغات العالمية، وعند كل أطفال العالم.

والنحو العام هو معرفة عقلانية لأصول ثابتة غير قابلة للتغيير، تعم اللغات المكتوبة والشفهية في أية لغة وبأية شكل من الأشكال. (تشومسكي 1966، زبانشناسي دكارتي ص 60).

و«النحو العام» نوع من «المعرفة»، وهو لا يعرف غير دراسة عقلانية للنصوص الثابتة اللغوية. فهو إذن «نحو فلسفي». لكن «النحو الخاص» «فنّ» يحاول تطبيق قواعد النحو العام على لغة معينة مكتوبة أو شفهية.

إن اطروحة وجود نحو عامٍ تتضمن وجود مبادئ مشتركة كامنة في جميع لغات العالم، وتكون موجودة عند الإنسان منذ ولادته. حيث يظهر هذا النحو خصائص اللغات البيولوجية الممكنة. فالتسليم بوجود هذا النحو يتضمن كذلك التسليم بوجود جهاز فطري ليس مختصاً باللغة، بل مختصاً بالإنسان. لكن تشومسكي يؤكد على أن هذا الجهاز هو خاص باللغة وبالإنسان معاً. (سامي أدهم 1993 ص 265)

إن النحو العام ينطلق من أصل التشابه بين طريقة التفكير الإنساني من جانب، وبين تصنيف الظواهر الطبيعية من جانب آخر. فاللغة والفكر في هذه الرؤية أمران متشابهان، ليس بمعنى أن الإنسان يقلد الطبيعة، بل بمعنى هناك تشابهاً بين سلوكهما.

بالرغم من ذلك، يجب أن نأخذ بعين الاعتبار أن هناك لغاتٍ ليست قائمةً على العلاقات المتعارفة بين اللغات «الهند أوروبية» كعلاقات الفعل والفاعل والمفعول. (دينه سن 1380 ص 108)

موضوع علم اللغة كما قال فرديناند دو سوسير هو «اللغة معتبرة في ذاتها ومن أجل ذاتها»، وطبقاً لـ (محمد أبي الفرج 1966 ص 22)، اللغة التي يدرسها علم اللغة ليست الفرنسية أو الإنكليزية أو العربية، وليست لغة معينة من اللغات، إنما هي اللغة التي تظهر وتتحقق في أشكال لغات كثيرة ولهجات متعددة وصور مختلفة من صور الكلام الإنساني.

فمع أن اللغة العربية تختلف عن الإنكليزية، وهذه الأخيرة تفترق عن الفرنسية، إلا أن ثمة أصولاً وخصائص جوهرية تجمع ما بين هذه اللغات، وتجمع ما بينها وما بين سائر اللغات وصور الكلام الإنساني، وهو أن كلاً منها «لغة». إن كلاً منها نظام اجتماعي معين تتكلمه جماعة معينة بعد أن تتلقاه عن المجتمع، وتحقق به وظائف خاصة، ويتلقاه الجيل الحاضر عن الجيل السابق... وهكذا. فعلم اللغة يستقي مادته من النظر في اللغات على اختلافها. وهو يحاول أن يصل إلى فهم الحقائق والخصائص التي تسلك اللغات جميعاً في عقد واحد.

أهمية تشومسكي في الالسنية الحديثة (بالإضافة إلى تأسيس الألسنية التوليدية والتحويلية) تكمن في تركيزه على النحو العام الذي يشمل جميع اللغات البشرية. فقد لفت الأنظار إلى «عموميات اللغة» (Language universals). فهو يرى أن المبادئ الرئيسية للنحو العالمي (UG) مطبوعة في ذهن الإنسان عن طريق الوراثة (جين اچيسون، 1371 ص 398). ويعتقد أن الأطفال يعرفون تلقائياً الخيارات العامة اللغوية، وفي مسار التعلم يجب على الطفل أن يكشف المختارات الخاصة التي فضلتها لغته الأم من بين قواعد النحو العالمي.

هذا، وقد غير تشومسكي آراءه مرات عديدة طيلة السنوات الأخيرة، حتى قال أحد الألسنيين المشهورين: يجب عدم البحث عن ثلاثة أمور في الحياة، لأن الأمر الجديد سيصل فوراً. وهي: المرأة والباص والنحو التحويلي! لكنه بقي مصراً على أصول نظرية «النحو التحويلي» (grammar transformational).

من أين نبدأ في تكوين النحو العام؟ نسلك الطريقة التي يطبقها أخصائيو العلوم الاجتماعية: نقدم فرضيةً لقاعدة نحوية، ثم نجربها، لنري مدى تطبيقها على مختلف الجمل في لغة ما، فإذا لم تستطع هذه القاعدة أن تولد جملاً بتركيبة أنيقة، توضع جانباً.

3ـ3. النحو التشومسكي نحوٌ للنشاطات الإنسانية :

تقول «جرجنسن» حول الرياضيات اللغوية: إن ما ادعوه «النحو العلائقي» هو نظرية مصممة بوضوح حتى تستخدم لجميع النشاطات الإنسانية، ينظر إليها «لامب» باعتبارها نقطة قوية لنظامه التي يمكنها أن تمثل «نحو الظواهر»، مثل لعبة البيسبول والرقص الهندي، باعتبارها سهلة مثل تلك اللغات في الحالات العادية. (جيفري سامبسون 1993 صص 153ـ192)

3ـ4. الجملة وحدة التحليل الألسني :

تحلل النظرية الألسنية الحديثة اللغة من زاوية أنها مجموعة جمل، كل جملة منها تحتوي على شكل صوتي وعلى تفسير دلالي ذاتي يقترن بالشكل الصوتي. وقواعد الجملة هي التي تفصل التوافق بين الصوت والدلالة.

إن تنظيم القواعد الذي يفصل التوافق بين الصوت والدلالة في الجملة هو ما نسميه بقواعد الجملة. فالقواعد الألسنية التوليدية والتحويلية تعتبر أن الجملة هي الوحدة الأساسية للبحث الألسني. فتنطلق هذه القواعد من قاعدة بناء الجملة، وتلتزم بوضع وصف بنياني يقدم كافة المعلومات عن الجملة وعناصرها المؤلفة، عبر قاعدة بناء الجملة بالذات. فيكون الوصف البنياني هذا بمثابة تحليل الجملة.

3ـ5. مدرسة النحو التوليدي (generative) :

سنة 1957 تشكل نقطة عطف في علم اللغة الحديث. فقد نشر «تشومسكي» في هذه السنة كتابه المسمى «الأبنية النحوية» (جين اچيسون 1371 ص40). قد أحدث تشومسكي ثورةً في علم اللغة، حيث شعر الباحثون الجدد بأنهم ملزمون بشكل عامٍ أن كتاباتهم تمثّل عرضاً رائعاً للفكر اللغوي عند تشومسكي.

إن جوهر وأساس منهج تشومسكي لفهم اللغة هو الادعاء بأن هناك عموميات للغة في مجال التركيب. وطور تشومسكي فرضيات العموميات التركيبية إلى نظرية أكثر عمقاً وغنيً من نظرية «جاكوبسون» للتعميمات الصوتية. (جيفري سامبسون الفصل الثاني)

إن وقوف التحويليين بقيادة «نعام تشومسكي»قابل البنيويين بقيادة «بلومفيلد» يعتبر خرقاً للمفاهيم التقليدية، وقد دفع هذا الوقوف عجلة الألسنية نحو الأمام في الآونة الأخيرة.

يحدد تشومسكي الإشكالية الإساسية في الألسنية الحديثة في معرفة طريقة تعلم اللغة عند الأطفال، وكيف يقوم الطفل بتعلم اللغة في أقصر وقت ممكن، ويتناولها دون صعوبة في تعامله مع المجتمع، ويستطيع أن يميز الجمل الصحيحة عن الخاطئة بكل سهولة؟ (ميرعمادي، 1376 ص4)

يعدّ تشومسكي عقلانياً يسير على هُدى أفلاطون وديكارت الذين يعتقدون أن العقل شيء ذو بنية محددة كثيرة التعقيد، قادر بشكل واسع على تحديد صيغة وشكل نشاط الفكر الإنساني.

واللغة بالنسبة له ما هي إلا احدى المصادر الدالة المفضلة عند العقلانيين، باعتبارها المظهر العام للطبيعة الإنسانية.

«للغة طاقة بيولوجية».

يعتبر تشومسكي قوة النطق واستعمال اللغة طاقة مدخرة في نفس الطفل يولد معها، ويقول: «على المرء أن يبين كيف يطوّر شخص مزوّد بمعطيات محدودة تماماً، نظاماً للمعرفة ثرياً إلى حد مسرف. والطفل الذي يوضع في جماعة لغوية يزود بمجموعة من الجمل محدودة وناقصة غالباً ومجزأة، وهلم جراً. ورغم هذا يفلح في أمد قصير في التركيب وفي وعي نحو لغته، وفي تطوير معرفة معقدة جداً، وذلك لا يمكن أن يحصل عليه من خلال الاستقراء أو التجريد مما تقدمه التجربة. ونستخلص أن المعرفة التي توعي ينبغي أن تحدد بدقة متناهية من خلال خاصية حيوية بيولوجية». (ناعوم تشومسكي، اللغة والمسؤولية، 75)

ان المنهجية التشومسكية جذبت كثيراً من اللغويين الذين اهتموا بصورة بسيطة نسبياً بادعاءاته المتعلقة بالبنية العقلية الموروثة.

المدرسة التشومسكية اتجهت للتركيز على اللغة الإنجليزية واللغات الأوروبية القريبة منها، أؤ التي لها علاقة بها على سبيل اختصار الوقت.

لقد استخدمت النظرية اللغوية التشومسكية مفاهيم نظرية متنوعة كثيرة في مسائل مختلفة: «القاعدة التأسيسية»، «القاعدة التحويلية»، «القاعدة الصوتية»، «العلامة التأسيسية»، «قالب الملامح الصوتية»، «المادة المعجمية»، ما هي إلا بعض القواعد الأكثر وضوحاً. وغالبية هذه القواعد التحويلية التي تعد حالة واضحة في صميم الموضوع، هي نفسها أفكار معقدة قد وضحت أخيراً في صورة من المفاهيم الأساسية الأكثر تعدداً.

يشتمل النحو التشومسكي على مجموعة من القواعد التي تحدد سلسلة الأبنية الممكنة في مستوى نحوي واحد (مكون القاعدة التأسيسية: المكون الأساسي)، حتى تحولها إلى أبنية تركيبة سطحية، في النهاية، وتمثيلات صوتية من جهة، أو تمثيلات دلالية من جهة أخرى. لكن علم الصرف لم تقم عليه دراسات كثرة في المدرسة التشومسكية.

يتفق «لامب» و«تشومسكي» في نظرتهم للغة باعتبارها تربط التمثلات الدلالية ـ الرسائل ـ مع التمثلات الصوتية ـ المنطوقات ـ . والنحو التشومسكي مليء بالقواعد التي تغير التمثلات الاساسية للجمل إلى تمثلات أخرى.

3ـ6. مراحل تبلور النحو التوليدي :

تاريخ النحو التوليدي مرّ بثلاث مراحل أساسية، وضعت في المقدمة على نحو متتال أحد الجوانب الأساسية للنظرية الجديدة، حاولت الأولى التي استمرت من بداية الخمسينات إلى منتصف الستينات، جعل اللغويات علماً، وقد بدت الفيزياء أنموذجاً في هذا. وهذه هي مرحلة البنية المنطقية للنظرية اللغوية (Structure of Linguistic Teory - LSLT The Logical).

بعد ذلك (من سنة 1965 إلى 1970)، غدت مسألة علم الدلالة (Semantics) أكثر أهمية: أينبغي أن يفسر معني الكلمات والجمل بالنحو، وإن كان الأمر كذلك فبأية طريقة؟ وإن جدلاً مثيراً جداً رافق الإجابات المختلفة المقدمة.

وأخيراً، بعد سنة 1970، صار البحث أكثر توجهاً نحو المشكلات التي عرضها النحو العام. (ناعوم تشومسكي، اللغة والمسؤولية، 117)

فهرس المصادر العربية:

ابن قتيبة، أدب الكاتب. تحقيق أحمد شاكر (1355). مطبعة الرحمانية.

أبو الفرج، محمد. (1966) مقدمة لدراسة فقه اللغة. دار النهضة العربية للطباعة والنشر. بيروت - لبنان.

أبو المكارم، علي (1975). تقويم الفكر النحوي. دار الثقافة. بيروت - لبنان.

أدهم، د. سامي (1993). فلسفة اللغة، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع. بيروت ـ لبنان.

أمين، أحمد (1934). ضحى الإسلام. لجنة التأليف والترجمة والنشر. الطبعة السابعة. القاهرة. مصر.

تشومسكي، ناحوم (1998). اللغة والمسؤولية. ترجمة: عيسى العاكوب. مراجعة خليفة العزابي. معهد الإنماء العربي. بيروت ـ لبنان.

الجاحظ (المتوفي 255 هـ.ق). البيان والتبيين. تحقيق عبدالسلام هارون. (1948).

جهامي، جيرار (1994). الاشكالية اللغوية في الفلسفة العربية. دار المشرق. بيروت ـ لبنان.

الخطيب، عدنان (1986). العيد الذهبي لمجمع اللغة العربية. دار الفكر - دمشق.

الداية، فايز (1985). علم الدلالة العربي. دار الفكر ـ دمشق ـ سورية.

زكريا. ميشال (1986). الألسنية التوليدية والتحويلية. المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع. بيروت ـ لبنان.

زكريا، ميشال (1992) بحوث ألسنية عربية. المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع. بيروت ـ لبنان.

سامبسون، جيفري (1993). المدارس اللغوية التطور والصراع: ترجمة احمد نعيم الكراعين. المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع. بيروت ـ لبنان.

السكاكي، مفتاح العلوم. المطبعة الأدبية. القاهرة. (1371)

السيوطي. المزهر. القاهرة. مطبعة السعادة.

فاخوري، عادل (1988). اللسانية التوليدية والتحويلية. دارالطليعة. الطبعة الثانية. بيروت ـ لبنان.

فهرس المصادر الفارسية :

بى يرويش، مانفرد (1971). زبانشناسي جديد. ترجمه دكتر محمد رضا باطني. چاپ دوم. 1363. انتشارات آگاه. تهران.

چامسكي، نوام (1966). زبانشناسي دكارتي (فصلي از تاريخ تفكر عقلگرا). ترجمه احمد طاهريان. (1377) انتشارات هرمس. تهران.

دينه سن، آنه ماري (1380). درآمدي بر نشانه شناسي. ترجمه مظفر قهرمان. نشر پرسش. تهران.

مه كي، ويليام فرانسيس (1370). تحليل روش آموزش زبان. ترجمه حسين مريدي. معاونت فرهنگى آستان قدس رضوي.

ميرعمادي، سيد علي (1376). نحو زبان فارسي (بر پايه نظريه حاكميت ومرجع گزيني). انتشارات سمت. تهران.

ميرعمادي، سيد علي (1379). نحو زبان فارسي وانگليسي در قالب برنامه كمينگي. نشر فرهيخته. تهران.